نصر .. مفتاح العالم
09/07/2011 01:21:00 م
فريال غزول
في هذا الخراب الإنساني الذي نكابد وفي بؤس الثقافة التي نعايش وفي هذا التيه الذي يحكم مسيرتنا كان وسيظلّ نصر مفتاحاً لعالم بديل ولوطن آخر .
رحيل من أحبُّ يفرض عليّ الصمت لا الحديث لأني أحس بالذهول أمام سلطان الغياب . لا أجد عزاءً في فكرة دار الخلود ولا أجد عزاءً في كون المفكرين لا يموتون، أو كما قال واسيني الأعرج في رثائه للطاهر وطار؛ لا يموتون إلا قليلاً، فهم أحياء عبر التأويل المتواتر لكتاباتهم . هذا الموت القليل لا يطاق ويستحيل أن استوعبه؛ وكأن هناك خطأ ما يجب أن نستدركه فيعود لنا نصر بضحكته الطفولية الرنانة، يعود لنا بأسلوبه الحواري الممتع، يعود لنا عينياً كما رأيته أول مرة في القاهرة وكما رأيته آخر مرة في القاهرة أيضاً وما بينهما التقينا كثيراً في نيويورك ولايدن حيث استضافتني ابتهال يونس بأريحيتها وكرمها .
عرّفتني الصديقة سيزا قاسم علي نصر حامد أبو زيد في أوائل الثمانينيات عندما كانت تعكف معه علي تحرير كتاب عن علم العلامات والسيميوطيقا، وكان ذلك في بيت أمينة رشيد وسيد البحراوي في شقتهما بقرب جامعة القاهرة . كان نصر يلبس جلباباً ويبدو كآلاف المصريين البسطاء الذين نراهم في الشارع وفي المواصلات العامة . وعندما تحدّث وناقش موضوعنا اكتشفتُ كم كان هذا المصري البسيط موسوعياً في علمه، ثاقباً في نظره، فصيحاً في تعبيره . كيف تخفي هذه البساطة كل هذا العمق الفلسفي والثراء الفكري؟ يلتقي في نصر تواضع الباحث بعطاء العلاّمة .. شغف التعلّم بخبرة المعلّم .
انضم نصر قبل أكثر من عقدين للهيئة الاستشارية في ألف : مجلة البلاغة المقارنة، التي أشرف علي تحريرها . ولم يبخل يوماً في هذا العمل التطوعي من تحكيم مقالة أو توجيه مسار المجلة أو المساهمة بمقالة فيها . وهناك عشر مقالات له في المجلة أرجو أن تجمع ويضاف لها مقالات أخري له في مجلات متفرقة و تُنشر في كتاب حتي نلمّ إرثه الفكري ليكون متاحًا للقارئ بين دفتي كتاب .
المرة الأخيرة التي التقيت فيها بنصر كانت في عام 2008 . كانت مؤسسةالمورد الثقافي قد دعته إلي القاهرة لإلقاء محاضرة عن ” الفن وخطاب التحريم ” إلا أن المؤسسة لم تجد من يقبل أن يستضيفه للمحاضرة، لا الجامعات علي تعددها ولا النقابات علي كثرتها . هاتفتني الصديقة بسمة الحسيني المسئولة عن مؤسسة المورد الثقافي، فعرضتُ عليها القاعة الشرقية في جامعتنا الجامعة الأمريكية بالقاهرة في ميدان التحرير . وفعلاً تمت المحاضرة، وكم أسعدني أن أري الجيل الصاعد حاضراً بجانب النخبة الثقافية في المحاضرة . وبعد أن قمتُ مع نسمة بتقديم المحاضر وبعد أن ألقي نصر محاضرته الأخاذة، بدأ طرح الأسئلة والحوار . وعندما وجّه رجل ما من الحاضرين لنصر سؤالاً بدا لنا استفزازياً ومكفِّراً قمنا أنا وبسمة بمحاولة صدّه وتوقيفه عند حدّه . لكن نصر أوقفنا بدوره وطلب منه أن يستكمل ما يقول وردّ عليه بكل مودة ورحابة صدر . وهذا درس لن أنساه لا لمضمون الرد فقط بل لأسلوب نصر في الرد . إنه درس التطابق بين القول والفعل كما نجده عند نصر .
في هذا الخراب الإنساني الذي نكابد وفي بؤس الثقافة التي نعايش وفي هذا التيه الذي يحكم مسيرتنا كان وسيظلّ نصر مفتاحاً لعالم بديل ولوطن آخر .
فهنيئاً لنا لأننا عرفناه، إنساناً ومفكراً، وتعلمنا منه ما لا تستطيع كتب العالم كلها أن تعلمنا : علّمنا أدبيات الحوار والصدق والمثابرة . خسارتنا فادحة بغيابه، فليستمر ظلُّه أخضر في حياتنا القاحلة .










احدث التعليقات