كتابات نصر أبوزيد من سن 19 سنة حتى سن السابعة والستين إعداد جمال عمر

4 04 2013

أدب العمال والفلاحين مجلة الأدب لم أحصل على نسخة ولا على العدد

 

أزمة الأغنية المصرية مجلة الأداب مج 9 عدد 7 ديسمبر 1964م
الاتجاه العقلي في التفسير دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة رسالته للماجستير الاتجاه العقلي في التفسير1976 الطبعة الأولى 1982م بيروت دار التنوير

ابن خلدون بين النظرية والتطبيق مجلة الكاتب عدد 195 يونيو 1977م

- 1980-

الثابت والمتحول في رؤيا ادونيس مجلة فصول القاهرية المجلد (1) أكتوبر 1980م

الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص مجلة فصول القاهرية المجلد الاول عدد ( 3) ابريل 1981م

فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين ابن عربي رسالة الدكتوراة 1981 الطبعة الأولى 1983م بيروت دار التنوير

هيرش اتجاهات في التقييم الادبي مجلة الف بالجامعة الامركية بالقاهرة عدد (2)

اندرية جبسون ملاحظات عن القصة والفكاهة مجلة فصول القاهرية المجلد الثاني عدد (2)

الاساس الكلامي لمبحث المجاز في البلاغة العربية دراسات في الفن والفلسفة في شرف المغفور له عبد العزيز الاهواني

نظرية القصة القصيرة ايكيناوم: او هنري مجلة فصول القاهرية المجلد الثالث عدد (3)

مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني قراءة في ضوء الاسلوبية مجلة فصول القاهرية المجلد الخامس عدد (1) ديسمبر 1984م

الذاكرة المفقودة والبحث عن النص مجلة فصول القاهرية المجلد الرابع عدد (1) ديسمبر 1984م

السيرة النبوية سيرة شعبية مجلة جامعة اوساكا باليابان عدد (71) أقرأ باقي الموضوع »





امل دنقل يغني في الجامعة متى تستعيد الجامعة امل نصر ابوزيد

30 05 2012
أمل دنقل» يغني في الجامعة.. متي نستعيد جامعة «أمل» بقلم  نصر حامد أبوزيد

«ف الليلة الظلماء يفتقد البدر» وفي أوطاننا أشرقت بدور كثيرة ما أشد افتقادنا لها هذه الأيام ورغم أني لا أحب البكاء علي اللبن المسكوب، فإن ما يدور هذه الأيام من حرب شرسة بين المقاومة في فلسطين ولبنان وبين العدو التاريخي للأمة العربية استدعي إلي ذاكرتي قصيدة «أمل دنقل» النبوءة «لا تصالح» و«أمل» ـ كما يعرف الجميع ـ هو الشاعر العرَّاف بامتياز، الشاعر الذي رأي ما لم يره أحد شأنه شأن «زرقاء اليمامة» التي بكي أمل بين يديها في ديوانه المعروف بهذا الاسم أمل وقصيدته «لا تصالح» مرتبطان في تجربتي الشخصية بالجامعة، الجامعة التي نريد جميعاً استعادتها من فكي «الأمن» و«لجنة السياسات» في الحزب المسمي ـ ويا للمفارقة ـ بالوطني.
 

في العام ١٩٨٢ قررت مجموعة من شباب كلية الآداب إنشاء أسرة طلابية باسم «أسرة مصر» واختاروني مشرفاً، وقرر هؤلاء الشباب الاحتفال بيوم «الأرض» بعقد ندوة ثقافية شعرية، لكن إدارة الكلية اعترضت: مش عايزين وجع دماغ قلت لعميد الكلية: هل صار اسم «فلسطين» محرما في «الجامعة»، وأعتقد أن الرجل أصابه الحرج كان ممكنا أن تسبب مثل هذه العبارات الحرج لبعض الناس في ذلك الزمن، قبل أن يتفشي داء «التناحة» بعد أن أصاب العقل ما أصابه من تجريف قال السيد العميد علي سبيل إلقاء المسؤولية من علي عاتقه: علي مسؤوليتك؟ قلت علي مسؤوليتي «لم أقل يا ريس، فلم يكن هذا اللقب العجيب قد شاع بعد».

أقرأ باقي الموضوع »





قصيدة من قصائد د. نصر أبوزيد كتبها 10 يوليو 1998م في ليدن بهولندا

16 10 2010

يا من تقيسون الزمان بالأشبار
دخل نصر أبو زيد إلى عوالم الثقافة من باب «الشعر». أيام الصبا، كان يكتب شعراً عامياً، حتى إنّ أصدقاءه لقّبوه بـ«صلاح جاهين المحلة» لما بين الشاعرين من سمات جسدية، ولولع أبو زيد بنصوص شاعر العاميّة الكبير. في أيام الجامعة، كان يشارك دوماً في مسابقة كلية الأدب الشعرية، وكان يحصل دوماً على المركز الثاني، فيما يأتي صديقه و«منافسه» شاعر العامية المصري زين العابدين فؤاد في المركز الأول. ورغم مشاغله الأكاديمية، لم يتخلّ الراحل عن الشعر. كان يجد ولعاً شديداً في الاستشهاد به بين الحين والآخر. بعد رحيله، وبينما كانت زوجته ابتهال يونس تنظّم أوراقه، وجدت هذه القصيدة التي كتبها بعد رحيل نزار قباني. لم تكن بالعامية (المحكية) بل بالفصحى. مفاجأة أخرى من مفاجآت أبو زيد التي لا تنتهي ننشرها هنا لقيمتها التوثيقية أولاً.

تصبحين سوسنةً.
على جدار القلب تشرقين.
تنفجر الأزهارُ في الشرفاتِ والنوافذ.
فجأةً، يَخِيمُ صمتٌ لكنه عقيم.
***
جسدُك الملفوفُ في الوطنِ الكفن
تركوه ملقى على بوابةِ المسجد.
هل فطنوا أن إلهَ الدماءِ الذي يعبدون
كانتْ قد أَعْلَنَتْ موتَه قصائدُك؟ أقرأ باقي الموضوع »





إحياء ذكرى نصر أبوزيد يوم 25 سبتمبرـ أيلول بالمسرح الصغير لدار الأوبرا السادسة مساءا

3 09 2010

لقد كانت حياة الدكتور نصر حامد أبو زيد مليئة بالدلالات والمواقف الشجاعة وهو بعد وفاته يتعرّض لهجوم لا يتوقّف، باعتباره رمزاً للدفاع عن حريّة الفكر والإبداع.

لهذه الأسباب تداعى مجموعة من أصدقاء الدكتور نصر لإقامة يوم تكريمي يكون تعبيراً عن تمسّكنا بالحريّة التي كان الدكتور نصر حامد أبو زيد واحداً من أبرز المدافعين عنها والداعيين لها، بل صار بسبب ما واجهه وبسبب عدم تراجعه أمام كل الضّغوط والاتهامات, رمزاً من رموزها.

 

إن زوجة وعائلة وأصدقاء

 

المفكّر والباحث الحرّ الدكتور نصر حامد أبو زيد
أستاذ الدراسات الاسلامية في جامعتي القاهرة و ليدن (هولندا)

 وأستاذ الاسلاميات والانسانيات في جامعة اوترخت ( هولندا)

 

يدعونكم للمشاركة في يوم الدفاع عن الحريّة، يوم تكريم

الدكتور نصر حامد أبو زيد

الزمان:  يوم 25 سبتمبر/أيلول من العام 2010

الساعة السادسة مساءً

المكان: القاعة الصغرى في دار الأوبرا، في القاهرة

 

 

للإتصال وتأكيد المشاركة: حسن ياغي

هاتف: 750507 1 00961

موبايل: 629590 3 00961

Email: hassanyaghi2@gmail.com

‬ينظم مجموعة من أصدقاء نصر أبوزيد وتلاميذه ندوة لتأبينه تقام بالمسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية‮. ‬يقدم الاحتفالية الدكتور أحمد مرسي‮ ‬،‮ ‬بينما تلقي الدكتورة ابتهال يونس كلمة الأسرة،‮ ‬وجابر عصفور كلمة الأصدقاء‮ ‬،‮ ‬حسن حنفي كلمة الجامعة،‮ ‬كما يتحدث عدد من أصدقاء صاحب‮ ” ‬التفكير في زمن التكفير‮”: ‬عماد أبو‮ ‬غازي،‮ ‬سعيد الكفراوي،‮ ‬آمنة نصير‮ ‬،‮ ‬ومن بيروت حسن ياغي وعلي حرب،‮ ‬كريم مروة،‮ ‬بيار أبي صعب،‮ ‬عبده وازن‮. ‬ومن هولندا يتحدث فريدر هاوس‮.‬ أقرأ باقي الموضوع »





عدد خاص من أخبار الأدب عن نصر أبوزيد

10 07 2010

أصدرت جريدة أخبار الأدب عدد خاص عن د. نصر أبوزيد به محاضرته التي ألقاها في الكويت عبر التليفون ومقال الأستاذ جمال الغيطاني ود. فكري أندراوس ورد فعل توؤمه الفكر د. علي مبروك وجمال عمر ورد فعل الوسط الثقافي





قائمة بكل كتابات أبوزيد منذ 1962م وهو في التاسعة عشرحتى 2010م أعدها جمال عمر خادم رواق نصر أبوزيد

4 05 2010

 

أدب العمال والفلاحين 1962
أزمة الأغنية المصرية 1964
الاتجاه العقلي في التفسير دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة

استمع الى تسجيل مناقشة رسالة الماجستير

ج1       ج2    ج3

1976
ابن خلدون بين النظرية والتطبيق 1977
الثابت والمتحول في رؤيا ادونيس 1980
الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص 1981
فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين ابن عربي 1981
هيرش اتجاهات في التقييم الادبي 1982
اندرية جبسون ملاحظات عن القصة والفكاهة 1982
الاساس الكلامي لمبحث المجاز 1982
نظرية القصة القصيرة   ايكيناوم: او هنري 1983
مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني قراءة في ضوء الاسلوبية 1984
الذاكرة المفقودة والبحث عن النص 1984
السيرة النبوية سيرة شعبية 1986
نظرية التاويل عند الغزالي 1986
 علم العلامات في التراث دراسة استكشافية 1986
نظريات حول الدراسة السميوطيقية للثقافات  يوري لوتمان واخرون 1986
مشكلة اللقطة      يوري لوتمان 1986
أقرأ باقي الموضوع »




نصر أبوزيد أزمة الفكر الديني المعاصر(4) الفزع من العلمانية فصل الدين عن الدولة

27 04 2010

الفزع من العلمانية: فصل الدين عن الدولة
الثلاثاء 27 أبريل 2010
بقلم: نصر حامد أبو زيد

سيقول لنا فلاسفة الفكر الإسلاميّ إنّ أوروبا احتاجت الإصلاح الديني بسبب “الكنيسة”، المرض الذي لا وجود له في حضارتنا. وهنا بالضبط يكمن الخطأ، فلدينا كنائس لا كنيسة واحدة، إذا كان معنى الكنيسة وجود سلطة، أو سلطات، تحتكر المعنى الديني، وتكفّر كلّ من يخالف هذا المعنى. لدينا وفرة وافرة من هذه السلطات، التي تحتكر، إلى جانب المعنى الديني، المعنى الاجتماعي والمعنى الثقافي والمعني السياسي، بالإضافة إلى المعاني الأخلاقية والروحية، وكلّها معان يتمّ احتواؤها داخل المعنى الديني، الذي تنتجه هذه السلطات.

مشكلة الخطاب الديني أنه يلعب على أوتار “الخصوصية”، وكأننا بدع بين البشر، ما أصلح العالم لا يصلح لنا، دون أن يدقّق المخدوعون بمفهوم “الخصوصية”- المطروح في الخطاب الديني – ليدركوا أنها خصوصية فقيرة جدّا ومغلقة؛ لأنها تختصر هوية الإنسان في بعد واحد من الأبعاد العديدة، وهو بعد “الدين”.

ليست المشكلة أنّ هناك جماعات تحتكر الإسلام، وتنسب نفسها – وحدها – إليه. هذه إحدى تجلّيات المشكلة وليست كلّ تجلياتها. لو كان الأمر مجرد انضمام لجماعة، تزعم أنها “إسلامية” على سبيل الاحتكار لهان الأمر، خاصة إذا كان المجتمع، خارج الجماعة، واعيا بأنها مجرّد جماعة. بداية المشكلة كانت في مصر 1928، حيث نشأت “جماعة الإخوان المسلمين”، وجدت “جماعة أنصار السنّة المحمدية”، وجماعات وتجمّعات كثيرة لها أسماء أخرى، ولم تكن الدولة تتبنّى زعم أيّ واحدة من هذه الجماعات. كانت هذه إرهاصات “المجتمع المدني” في مصر شبه الليبرالية، حيث تحمي الدولة حقّ الناس في التجمّع وتنظيم تجمّعاتهم في شكل قانونيّ، سواء في شكل نادٍ، أو نقابة، أو حزب، أو جمعية خيرية، أو دينية: إسلامية أو مسيحية أو يهودية. أقرأ باقي الموضوع »





نصر أبوزيد أزمة الفكر الديني المعاصر (3) من الحجاب الى النقاب بجريدة الأوان

20 04 2010

من الحجاب إلى النقاب

 الثلاثاء 20 ابريل 2010

بقلم: نصر حامد أبو زيد  

شارك هذه الصفحة:


أثيرت في مصر مشكلة “الحجاب” في سياق قرار الجمهورية الفرنسية بإصدار قانون يحرّم ارتداء الرموز الدينية في المدارس. وهذا يؤكّد مرّة أخرى علاقة الخارج والداخل في عالم زالت فيه الحدود وارتفعت العوائق، لا أعني الحدود السياسية والجغرافية، ولا العوائق القانونية، بقدر ما أعنى عوائق الاتصال. أراد شيخ الأزهر السابق – الشيخ الطنطاوي رحمه الله- أن يرضي حكومة فرنسا فقرّر أن من واجب المسلمين أن يطيعوا وليّ الأمر في بلاد المهجر، وهكذا ظنّ أنّه سهّل الأمر. لكنّه استدار إلى المرأة التي تعيش في بلد مسلم – يقصد أغلبيته مسلمة – فقرّر في حسم أنّ الحجاب بالنسبة لهذه المرأة “فرض دينيّ” تحاسب عليه إن فرّطت فيه. هكذا في نزعة ردّ فعل غير مسئولة صار الحجاب “فريضة”، وصارت جميع غير المحجّبات – حتى في تركيا التي تمنعه في الجامعة، وفي تونس التي تضع عليه القيود – مُفَرِّطة في فرض دينيّ. ليس من الصعب أن يبني المتشدّدون على أساس هذا التصريح من شيخ المؤسسة الدينية أنّ عدم ارتداء الحجاب يماثل ترك الصلاة وكلاهما والعياذ بالله كفر. أقرأ باقي الموضوع »





أبوزيد أزمة الفكر الديني (2) مسألة الخوف على الثوابت والقطعيات

13 04 2010

نشر دكتور نصر أبوزيد مقالته الثانية عن أزمة الفكري الديني المعاصر عن مسألة الخوف على الثوابت والقطعيات نشرها في مجلة الأوان الإلكترونية يوم الثلاثاء 13 ابريل ويمكن الوصول الى المقال بالضغط هنا





أبوزيد يكتب أزمة الفكر الديني المعاصر (1)

12 04 2010

بدأ الدكتور نصر أبوزيد في نشر سلسلة مقالات في جريدة الأوان الالكترونية عن أزمة الفكر الديني المعاصر بدأها يوم الثلاثاء السادس من ابريل 2010م ويمكن الوصول اليها من خلال الضغط هنا





28 02 2010

المحاضرة الأولى الأسكندرية ديسمبر 2008
التأويل اللاهوتي للقرآن
كما قدمه المعتزلة

ألقى د. نصر أبوزيد أربع محاضرات في مكتبة الأسكندرية كباحث مقيم تصور أربع مجالات من المجالات الخمسة التي درس فيها وهذا نص المحاضرة الأولى عن التأويل اللاهوتي للقرآن كما قدمه المعتزلة وهذا جزء من المحاضرة وليس كلها

- شا هد المحاضرة بالضغط على هذه الوصلة

- رسالة الماجستير عن المجاز عند المعتزلة يمكن تنزيل الكتاب الضغط على هذه الوصلة

- يمكن تنزيل مناقشة رسالة الماجستير ج(1) بالضغط على هذه الوصلة

-ج(2)  من المناقشة يمكن تنزيلها بالضغط على هذه الوصلة

ج(3) من مناقشة رسالة الماجستير 1976م بجامعة القاهرة

 

أيها السيدات والسادة الحضور، أولا أريد أن أتوجه بالشكر الى مكتبة الاسكندرية. هذا لقاء مرتقب من ناحيتي ومن جهتي، أن أتحدث بالعربية مرة أخرى بعد أن طال بي الحديث باللغة الإنجليزية في بلاد الغرب. فكلما دُعيت الى أي بلد عربي أرحب بالدعوة وألبي الدعوة وأغير كثيرا من برامجي، وأعتذر عن كثيرا من إرتباطاتي السابقة لكي ألبي الدعوة. فما بالكم إن كانت الدعوة من مصر، فهنا تأتي جهيزة فتُسقط كل خطيب إذا دعت مصر. و أشكر طبعا د. يوسف زيدان، فهو محرك هذه الدعوة ومنظمها، وأشكر له تحمله لكل التفاصيل التي كُنت أسأله عنها بسبب تعودي لحياتي في الغرب، لكن د. يوسف كان طويل البال، وكان قادرا على ان يمتص كل هذه الأسئلة ويجيب عنها حتى تمت الدعوة بالشكل الذي أرجوه. وهو يعمل على راحتي وإراحتي بكافة السبل الممكنة لدرجة مبالغ فيها أحيانا. وهذه مشاكسة مع د. يوسف. أقرأ باقي الموضوع »





نص مقالة أبوزيد شعار النهضة وشعارات الأزمة جريدة الأوان 29 ديسمبر 2009م

3 02 2010
شعار النهضة وشعارات الأزمة

الثلثاء 29 كانون الأول (ديسمبر) 2009، بقلم نصر حامد أبو زيد  


كان شعار عصر النهضة العربي – من بدايات القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين – “ليكن الوطن محلا للسعادة المشتركة بيننا نبنيه بالحرية والفكر والمصنع”. مثل كلّ العبارات الدالّة – التي تتجاوز في مغزى دلالاتها أفق القائل كما تتجاوز أفق اللحظة التاريخية التي قيلت فيها – تُنْسَب هذه العبارة إلى كثير من مفكّري النهضة. تنسب إلى رفاعة رافع الطهطاوي وعلي مبارك المصريين، كما تنسب إلى عبد الرحمن الكواكبي السوريّ وإلى كثير من النهضويين في كلّ الأقطار العربية. ومعنى ذلك أنّ أهميتها وعموم دلالتها لا يعودان إلى القائل بقدر أهميتها في ذاتها. سنقوم – أوّلا – بتحليل العبارة تحليلا سريعا، كاشفين عن المغزى العميق للدعوة النهضوية التي تتعرّض اليوم لعمليات تجريف لا تتوقّف باسم “الأصالة” تارة، وباسم “الهويّة” تارة أخرى. وهذا التجريف – بتجلّياته وتعبيراته المختلفة – سيكون محور التحليل في هذه المقالة.

الوطن-الحداثة:

العبارة – الشعار، تتحدّث عن “الوطن” وهو مفهوم حداثيّ يَتَضَمَّن – تضَمُّن لزوم – مفهوم “المواطن” الذي ينتسب لهذا الوطن بالميلاد أو بالإقامة. مفهوم “المواطن” يتضمّن بدوره – تضمّن لزوم أيضا – مفهوم “المساواة” باعتبار أنّ “المواطنين” سواء في الحقوق والواجبات. من هذا الثلاثيّ – الوطن، المواطن، المساواة – ينبثق مفهوم “السعادة المشتركة” التي هي في الفكر الإنساني الكلاسيكيّ – ومنه الفكر الفلسفيّ الإسلاميّ – غاية التجمّع الإنساني، أي غاية الحياة الاجتماعية، تمييزا لها عن التجمّعات الحيوانية التي تسيطر عليها وتحكمها غريزة “حبّ البقاء”. لا يدخل “الدين” في تعريف الوطن، ولا في تحديد هوية “المواطن”، ومبدأ “المساواة” في الحقوق والواجبات يستبعد التمييزات دينية كانت أو عرقية، لغوية كانت أو ثقافية. لنر كيف يحدّد مفكّر نهضويّ – ورائد من روّاد الإصلاح الديني – هو محمد عبده مفهوم “الوطن” ويربطه بالمساواة والحرية: كان هذا التعريف ضمن مقالة نشرها الشيخ الجليل في جريدة الأهرام أقرأ باقي الموضوع »





مقالة أبوزيد في جريدة المصري اليوم خواطر بين عامين

11 01 2010

كتب د. نصر أبوزيد مقالة في جريدة المصري اليوم يوم الأحد 10-1-2010م بعنوان خواطر بين عامين تعكس خواطره حول الوطن وما يجري فيه

ويمكن الوصول للمقال عبر الضغط هنا





مقالة أبوزيد الأخيرة عن علاقة المثقف بالسلطة في جريدة الأوان

4 01 2010

نشرت جردية الأوان على النيت مقالة د. نصر أبويد عن إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة  وعلاقته بالجماهير وكانت هذه القضية جانب من الندوة الأولى لمندرة نصر أبوزيد على النيت التي تمت في نفس اليوم 2-1-2010

يمكن قراءة المقالة على موقع جريدة الأون بالضغط هنا





وصلني من د. نصر أبوزيد تفاصيل ما حدث في نقابة صحفي مصر

22 12 2009

اتصل بي الأستاذ “محمد عبد القدوس” – ابن الكاتب المرحوم إحسان عبد القدوس – مقرر لجنة الدفاع عن الحريات في نقابة الصحفيين (هو بالمناسبة الليبرالي الوحيد في جماعة الإخوان المسلمين) لعمل مؤتمر تضامن بخصوص مسألة إلغاء تاشيرة دخول الكويت بعد منحها. ولأني أحترم الرجل – وليس المؤسسة كما أعلنت اليوم – فقد وافقت. فوجئت بأن القصة جرت كالتالي: بعد الموافقة المبدئية سحبت النقابة موافقتها وقالت لمحمد عبد القدوس لن نسمح لرجل رفضنا في العام الماضي استضافة محاضرته أن يتحدث اليوم في النقابةز وهذه قصة أخرى سأحكيها لك في النهاية. لم يكن ثمة من حل إلا أن تعقد الفعالية في البهو في الدور الأرضي بلا مقاعد ولا ميكروفون. وكان هذا تنازلا من النقابة التي اقترحت عقد المؤتمر على الدرج الخارجي في مدخل النقابة. اما قصة العام الماضي فهي كالتالي
شاهد البيان في نقابة الصحفيين (ج-1)

شاهد الجزء الثاني

كانت موسسة المورد الثقافية (القاهرة – بيروت) التي حاولت أن تقيم محاضرتي عن “الفن وخطاب التحريم” في النقابة، ورفضت النقابة الطلب كما رفضت كل مؤسسات وزارة الثقافة استضافة المحاضرة، ولم تقبل باستضافة المحاضرة سوى الجامعة الأمريكية التي أرغمها الأمن على عقدها في القاعة الصغيرة دون قاعة إيوارت الكبيرة والتي كانت خالية تماما، الأمر الذي جعل أكثر من 60% من الحضور يقفون خارج القاعة

وبين الكويت ومصر يا قلبي لا تحزن
كان محمد عبد المطلب رحمه الله يشكو في واحدة من أغانيه الشهيرة

ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين
وعشان أنول كل الرضا يوماتي أروح له مرتين
م السيدة لحي الحسين

النقابة التي خاضت انتخابات النقيب الديمقراطية من عدة أيام، حاول محمد عبد القدوس الاتصال بالنقيب لإعطاء أوامر – بصفته مرشح الحكومة الذي أعيد انتخابه – ولكن موبيله مغلق بالضبة والمفتاح. لكن الندوة كانت رائعة رغم كل شيئ

نصر





نصر أبوزيد كتب تعليق على ما حدث في الكويت

21 12 2009

 

تعليق على ما حدث

دخول الكويت رغم أنف المانعين

 

نصر حامد أبوزيد

 

1-المشهد الأول:

المكان: مطار الشيخ سعدون الصباح في الكويت

الزمان: حوالي الساعة الخامسة والنصف مساء بتوقيت الكويت، يوم 15 ديسمبر 2009.

وصلت طائرة شركة “الوطنية” الرحلة رقم 2003 القادمة من القاهرة.

تقدمت بأوراقي – كارت التأشيرة كما يسمونه – مرفقا به جواز السفر، فأخبرتني السيدة المسئولة أنها تريد “الـتأشيرة الأصلية”، ولما لا حظت حيرتي قامت هي بنفسها ووجدتها مع مسئول آخر، وبدأت إجراءات النظر في جواز السفر استعدادا لختمه بالسماح بالدخول. في هذه اللحظة تقدم مني شاب في غاية اللطف والأدب والدماثة – علمت فيما بعد أن اسمه “نواف” – طالبا أن استريح حتى انتهاء الإجرءات. بالنسبة لي هذا سلوك عادي يحدث في استقبال ضيف مدعو من جهة معروفة. سألني الشاب: كيف كانت الرحلة وأجبت الإجابات العادية: كانت مريحة وكل شيئ تمام والحمد لله. حوار عادي، سؤال عادي وجواب عادي ونحن جالسان على إحدى الأرائك في صالة الدخول. بعد تردد ليس طويلا تساءل الشاب في خجل عما يمكن أن يكون رد فعلي على ما سوف يقول: يا دكتور ما بعرف كيف ستتفهم ما يتحتم علي إني أقول، أنا مكلف بإعادتك إلى القاهرة على الرحلة التي تغادر في الساعة العاشرة. تساءلت: هل أفهم من هذا أنني ممنوع من الدخول؟ للأسف يا دكتور، واعذرني أنا عبد المأمور (الشاب كما هو واضح يحاول التواصل معي باللهجة المصرية. علمت منه فيما بعد أنه يمتلك مسكنا في القاهرة، وأنه يعشق مصر والمصريين). سألت مستغربا: ومن صاحب قرار المنع؟ قال الشاب: صدقني يا دكتور لا أعرف.

 

2- من وراء الجدار العازل:

قلت له علي بالاتصال بالأستاذ “طالب المولي” والذين ينتظرونني في صالة الوصول. عرض الشاب أن استخدم تليفونه الكويتي بدلا من استخدام تليفوني الدولي، فشكرته؛ لأن الأصدقاء المنتظرين في الخارج يتعرفون عليَّ من رقمي الهولندي. فوجئ “طالب المولى” بالخبر، وطلب مني الانتظار قليلا وسيتصل بي مرة ثانية. بعد دقائق اتصل ليقول إن بعض أعضاء البرلمان من الاتجاه الإسلامي أثاروا بعض اللغط اليوم بخصوص زيارتك في سياق استعدادهم لإعداد قرار بسحب الثقة من الحكومة، لكن الصدمة أنهم نجحوا في ابتزاز وزير الداخلية. تساءلت ضاحكا: وما دخلي بهذا الموضوع؟ –>

توالت الاتصالات من الدكتور “احمد البغدادي” – شفاه الله وأعاده سالما من رحلة علاج بانجلترا أصر على تأجيلها لحضور محاضرتي يوم 16 وتقديمي للجمهور الكويتي. واتصل بي أصدقاء آخرون يعتذرون بأسف أحسست معه أنني يجب أن أخفف عنهم، وهكذا كنت أفعل. بدأت اتصالات من صحف كويتية يسألون عن رد فعلي الذي عبرت عنه بوضوح واضعا القرار تحت حذائي، واستعدادي لفضح هذا القرار بعمل مؤتمر صحفي في مصر وآخر في هولندا. هنا يجب أن أؤكد أنني أتحدث عن “القرار”، وليس عن “المسئول” صاحب القرار، ولا يمكن أن أتخيل أبدا أن يظن أحد أنني أقصد “الكويت” الوطن، كما فهم بعض من علقوا على هذه العبارة في صفحات “تعليقات القراء” على الإنترنت. من له أدني معرفة بكتاباتي وأفكاري – أقصد معرفة مباشرة لا معرفة سماعية نقلية – يعرف معنى ما أقول. الكويت وطن لا يلوثه قرار – ورقة – يمكن أن تداس بالحذاء، وإن كان تتسلح بتوقيع مسئول لا يحترم القانون: القانون الذي لم يمنعه من منح التأشيرة، ولكنه أصر على أن يضع القانون تحت حذائه بسحب التأشيرة دون الاهتمام بإبداء أي تبرير قانوني للمنع. القرار الذي يستهين بالقانون إلى هذا الحد – راضخا لابتزاز سياسي رخيص – هو قرار مكانه سلة المهملات. هذا هو الأمر ببساطة متناهية. 

نشر جريدة المصري اليوم للخبر وتعليق القراء عليه    

 تغطية جريدة القبس الكويتية للحدث

 

3- الكويت-الوطن العربي الجميل:

أقرأ باقي الموضوع »





نصر ابوزيد تجديد الخطاب الديني الاهرام 24 فبراير 2002

21 12 2009


قضايا و اراء

42083 ‏السنه 126-العدد 2002 فبراير 24 ‏12 من ذي الحجه 1422 ه الاحد

تجديد الخطاب الديني‏:‏ ملاحظات واقتراحات
بقلم : نصر حامد ابوزيد

 
 

تاتي دعوه الرئيس مبارك في خطابه احتفالا بليله القدر‏,‏ التي بدا فيها نزول القران الكريم‏,‏ لضروره تجديد الخطاب الديني ملبيه لحاجه صارت ملحه ولا تحتمل تاجيلا او تسويفا‏,‏ كما انها لم تعد تحتمل ذلك الاعتذارات التي تعبر عن مخاوف من التجديد‏,‏ بعضها مشروع ولكن بعضها معوق بلاشك‏,‏ ولقد اثار الاستاذ ابراهيم نافع في مقالته بالاهرام مساله المعوقات و الذرائع الكابحه لحريه الفكر‏,‏ والمعوقه‏,‏ من ثم‏,‏ لاحتمالات التجديد المرتقب‏,‏ وساتناول في هذه المقاله‏,‏ التي اعتبرها مقدمه لمقالات تاليه ان شاء الله‏,‏ ان اتسعت صفحات الاهرام‏,‏ مسالتين‏:‏ المساله الاولي علاقه الخطاب الديني بمجمل الخطاب العام السياسي الاجتماعي الاقتصادي الخ‏.‏ المساله الثانيه معني التجديد ودلالته‏,‏ افاقه ومحاذيره حين يتصل بقضايا دينيه‏,‏ لا تنفصل بالضروره عن قضايا الاجتماع والسياسه والاقتصاد‏,‏
في المساله الاولي لابدمن تاكيد البديهيات‏,‏ التي تتعرض للتشويه وتحتاج من ثم الي الشرح والتوضيح‏,‏ الخطاب الديني خطاب انساني شانه شان اي فرع من فروع الخطاب العام‏,‏ انه خطاب عن الدين وليس هو الدين‏,‏ وهو من ثم قد يكون شانه شان الخطاب العام خطابا حافزا للتقدم والازدهار‏,‏ وقد يكون خطابا محافظا يسعي لتاييد الواقع الماثل واعتبار ليس في الامكان ابدع مما كان‏,‏ بل انه قد يكون خطابا يقوم علي افتراض امكانيه التماثل التام مع تجربه الماضي التاريخيه الاجتماعيه السياسيه‏,‏ فيسعي لنزع صفه التاريخيه عنها لتتحول الي يوتوبيا يجب تحقيق نموذجها وفرضه علي الواقع الراهن ولو باستخدام القوه‏.‏ نحن اذن ازاء انماط ومستويات من الخطاب تتفاوت في مسعاها النقدي‏:‏
  أقرأ باقي الموضوع »





مقالة أبوزيد الثانية في جريدة الأوان إشكالية العلاقة بين العقل والوحي( النقل)

3 12 2009

إشكالية العقل والوحي (النقل)
الاحد 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، بقلم نصر حامد أبو زيد

العقلانية البرجماتية:
يختلط الأمر في ثقافتنا الشائعة الراهنة بين “التفكيك”، بمعنى التحليل النقدي، وبين “التفكيك”، بمعنى الهدم، حيث يتصوّر الناس أنّ الفهم النقديّ يعني “النقض” بالضاد. وترتبط كل هذه الالتباسات والتشوّشات في الوعي السائد بمفهوم “العقلانية”، الذي يتصوّره عامّة الناس نقيضا للوحي والإيمان. ومع ذلك فلا بدّ من تأسيس “العقلانية” وترسيخها في الوعي العامّ إذا كان لهذه الشعوب، التي ننتمي إليها، أن تكون جزءا من العالم المعاصر، جزءا منتجا مساهما في صنع الحضارة، لا مجرّد مستهلك لأدواتها. تأسيس العقلانية مهمّة صعبة، وليست مستحيلة؛ ذلك أنّ الفكر الخرافيّ يمرح في مناطق بعينها في ثقافتنا، بينما يمرح في مناطق أخرى فكر يبدو عقلانيا، ولكنّها العقلانية البرجماتية التي لا تستغني عنها الحياة.
بعبارة أخرى، من المستحيل في العالم المعاصر أن تخلو الحياة اليومية من سلوكيات ذات طبيعة منتظمة: يحتاج الإنسان للخروج إلى العمل، وللوصول إلى مكان العمل، ولتدبير شئون حياته اليومية، وكلّ ذلك لا يتمّ بغير درجة من درجات التعقّل. تسيطر هذه العقلانية البراجماتية في مجال البيزينس مثلا – فكر رجال الأعمال – حيث الحاجة ملحّة إلى نمط من الفكر الليبراليّ، الذى ينتمي لمجال العقلانية. لكن علينا أن نؤكد أن هذه اليبرالية الاقتصادية تمّ تقبّلها في عالمنا بحكم الضغوط الكوكبية، أي أنّها ليبرالية مقيدة بحدود “آليات السوق”. إنّها ليبرالية براجماتية، منزوعة الصلة بالليبرالية الفكرية، التي تأسّست عليها الليبرالية الاقتصادية في أوروبا. أقرأ باقي الموضوع »





مقالة جديدة لنصر أبوزيد

1 11 2009

نشر د. نصر أبوزيد مقالة على موقع الآوان على الانترنيت بعنوان من البدايات الى تحليل الخطاب يتناول فيه مسيرته الفكرية مع المنهج من نشأته ودراسته الجامعية الأولى ومن مفهوم النص الى تحليل الخطاب  يوم الأحد 25 أكتوبر الماضي

ويمكن قراءة المقال بالضغط على الوصلة التالية

للوصول للمقال على موقع الاوان اضغط هنا





نصر ابوزيد يكتب عن فشل التنوير الحكومي نشرت في اخبار الادب 2005

11 04 2009

 


سقوط التنوير الحكومي !!

 

بدأت الهيئة المصرية العامة للكتاب في إعادة إصدار بعض الكتب الهامة في تاريخنا الثقافي الحديث مثل ‘الإسلام وأصول الحكم’ لعلي عبدالرازق، و’مستقبل الثقافة في مصر’ لطه حسين إلي جانب بعض كتب الشيخ ‘محمد عبده’ و’سلامة موسي’ وغيرهما من أعلام النهضة وضحاياها أصبح شعار ‘التنوير’ هو شعار المرحلة وصنمها المعبود. كانت سلسلة ‘كتب التنوير’ الاسم الذي حملته الإصدارات المذكورة جزءا من المواجهة الثقافية/ الأمنية ضد ‘الإرهاب’ الذي كانت يده قد طالت قلب القاهرة مكانيا، وكانت قد تمكنت من اغتيال رئيس مجلس الشعب الدكتور ‘رفعت المحجوبوكادت تودي بحياة وزيري الإعلام والداخلية من رجال السلطة السياسية، كما تمكنت من اغتيال الكاتب ‘فرج فودة’. لم يكن ممكنا الاكتفاءة بالمواجهة الأمنية وحدها، لأنها كانت قد فشلت فشلا مروعا في مواجهة جماعات الإرهاب منذ اغتيال رئيس الجمهورية السابق وهو علي منصة الاحتفال بالذكري الثامنة لانتصار السادس من أكتوبر .1973 كان وصول يد ‘الإرهاب. المسلح’ إلي قلب القاهرة، وتهديده لرموز السلطة وقتل بعض رجالها علامة فارقة أظهرت عجز النظام وجهاز أمنه عن حماية نفسه. أقرأ باقي الموضوع »





كتاب خادم الرواق الصادر عن دار ملامح للنشر

5 11 2008

كتاب خادم الرواق الصادر عن دار ملامح للنشر

d8bad984d8a7d981-d8a7d984d983d8aad8a7d8a83

يمكن قراءة المزيد بالضغط على الوصلة التالية

http://www.malamih.com/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=69&Itemid=27





صور نصر ابوزيد وعلي مبروك في اندونيسيا ومقالة ابوزيد عن الفزع من التاويل العصري مجلة الديمقراطية شتاء 2008

29 08 2008
الفزع‏ ‏من‏ ‏التأويل‏ ‏العصري‏ ‏للإسلام
د‏. ‏نصر‏ ‏حامد‏ ‏أبو‏ ‏زيد
مفكر‏ ‏وأكاديمي‏ ‏مصري‏, ‏مقيم‏ ‏بهولاندا

 

 

 

 

نصر ابوزيد وعلي مبروك وبينهما طفل اندونيسي خلال دورة التدريب التي اعداها للتأويلية في القرآن

نصر ابوزيد وعلي مبروك وبينهما طفل اندونيسي خلال دورة التدريب التي اعداها للتأويلية في القرآن

 

 
 

ما‏ ‏تتشارك‏ ‏فيه‏ ‏الحركات‏ ‏الإسلامية‏ ‏في‏ ‏أنحاء‏ ‏العالم‏ ‏الإسلامي‏, ‏وسيكون‏ ‏نموذجي‏ ‏التحليلي‏ ‏هنا‏ ‘‏جنوب‏ ‏شرق‏ ‏آسيا‏’ ‏ماليزيا‏ ‏وإندونيسيا‏ ‏علي‏ ‏وجه‏ ‏الخصوص‏, ‏هو‏ ‏ذلك‏ ‏الفزع‏ ‏من‏ ‏أي‏ ‏تأويل‏ ‏عصري‏ ‏حداثي‏ ‏للإسلام‏, ‏خاصة‏ ‏إذا‏ ‏طال‏ ‏هذا‏ ‏التأويل‏ ‏النصوص‏ ‏المؤسسة‏: ‏القرآن‏ ‏الكريم‏ ‏والسنة‏ ‏النبوية‏. ‏بل‏ ‏إن‏ ‏كلمة‏ ‘‏تأويل‏’ ‏نفسها‏ ‏تحولت‏ ‏إلي‏ ‏كلمة‏ ‏مخيفة‏ ‏إذ‏ ‏تم‏ ‏شرحها‏ ‏علي‏ ‏أساس‏ ‏أنها‏ ‏تعني‏ ‏فرض‏ ‏الرؤي‏ ‏الشخصية‏ ‏والأوهام‏ ‏الإيديولوجوية‏ ‏علي‏ ‏معاني‏ ‏هذه‏ ‏النصوص‏. ‏وفي‏ ‏رأي‏ ‏أصحاب‏ ‏هذا‏ ‏الفهم‏ ‏غير‏ ‏التاريخي‏ ‏وغير‏ ‏الدقيق‏ ‏أن‏ ‏المعاني‏ ‏التي‏ ‏طرحها‏ ‏السلف‏ ‏هي‏ ‏المعاني‏ ‏الصائبة‏ ‏دون‏ ‏غيرها‏, ‏فالسلف‏ ‏هكذا‏ ‏يزعمون‏ ‏كانوا‏ ‏أقدر‏ ‏علي‏ ‏الفهم‏ ‏من‏ ‏الأجيال‏ ‏التالية‏ ‏لسببين‏: ‏الأول‏ ‏أنهم‏ ‏أقرب‏ ‏زمانيا‏ ‏لفترة‏ ‏العصر‏ ‏الذهبي‏, ‏والسبب‏ ‏الثاني‏ ‏هو‏ ‏أنهم‏ ‏كانوا‏ ‏أكثر‏ ‏تقوي‏ ‏منا‏ ‏نحن‏ ‏المعاصرين‏.‏

أقول‏ ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏فهم‏ ‏غير‏ ‏تاريخي‏ ‏لكلمة‏ ‘‏تأويل‏’, ‏ودليلي‏ ‏علي‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏موسوعة‏ ‏تفسير‏ ‘‏محمد‏ ‏بن‏ ‏جرير‏ ‏الطبري‏’ ‏الذي‏ ‏عاش‏ ‏في‏ ‏القرن‏ ‏الثالث‏ ‏الهجري‏ (‏العاشر‏ ‏الميلادي‏) ‏عنوانها‏ ‘‏جامع‏ ‏البيان‏ ‏في‏ ‏تأويل‏ ‏آي‏ ‏القرآن‏’, ‏الأمر‏ ‏الذي‏ ‏يعني‏ ‏أن‏ ‏كلمة‏ ‘‏تأويل‏’ ‏لم‏ ‏تحمل‏ ‏تلك‏ ‏الدلالات‏ ‏السلبية‏ ‏حتي‏ ‏نهاية‏ ‏القرن‏ ‏الثالث‏ ‏الهجري‏. ‏إن‏ ‏السياق‏ ‏الذي‏ ‏تم‏ ‏فيه‏ ‏تحميل‏ ‏مفهوم‏ ‘‏التأويل‏’ ‏تلك‏ ‏الدلالات‏ ‏السلبية‏ ‏هو‏ ‏سياق‏ ‏الصراع‏ ‏الفكري‏ ‏السني‏-‏الشيعي‏ ‏في‏ ‏القرن‏ ‏الرابع‏.‏

وأقول‏ ‏ثانيا‏- ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏الفهم‏ ‏السلبي‏ ‏غير‏ ‏دقيق‏, ‏بسبب‏ ‏التمييز‏ ‏الدلالي‏ ‏بين‏ ‘‏التفسير‏’ ‏ومناطه‏ ‏شرح‏ ‏المفردات‏ ‏اللغوية‏ ‏الصعبة‏ ‏والغامضة‏ ‏في‏ ‏لغة‏ ‏القرآن‏, ‏وبين‏ ‘‏التأويل‏’ ‏الذي‏ ‏هو‏ ‏سعي‏ ‏لاستنباط‏ ‏دلالة‏ ‏التركيب‏ ‏بالعودة‏ ‏إلي‏ ‏السياق‏ (= ‏علوم‏ ‏القرآن‏ ‏هي‏ ‏الأداة‏ ‏الكلاسيكية‏).‏

ابوزيد وفي اقصى اليسار علي مبروك مع طلبة وطالبات الدورة في اندونيسيا

ابوزيد وفي اقصى اليسار علي مبروك مع طلبة وطالبات الدورة في اندونيسيا

أما‏ ‏ادعاء‏ ‏أن‏ ‏السلف‏ ‏كانوا‏ ‏أكثر‏ ‏فهما‏ ‏فهو‏ ‏ادعاء‏ ‏يفترض‏ ‏أن‏ ‏المعرفة‏ ‏لا‏ ‏تتقدم‏, ‏وهو‏ ‏بالإضافة‏ ‏إلي‏ ‏ذلك‏ ‏يتجاهل‏ ‏حقيقة‏ ‏أن‏ ‏فكر‏ ‏السلف‏ ‏متاح‏ ‏لنا‏, ‏بالإضافة‏ ‏إلي‏ ‏ما‏ ‏يمنحنا‏ ‏إياه‏ ‏الزمن‏ ‏من‏ ‏تراكم‏ ‏معرفي‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏متاحا‏ ‏للسلف‏. ‏ويظل‏ ‏سؤال‏ ‘‏التقوي‏’ ‏مطلبا‏ ‏علميا‏ ‏ومعرفيا‏ ‏أخلاقيا‏, ‏ومن‏ ‏الصعب‏ ‏اختصاره‏ ‏في‏ ‏المعني‏ ‏الكلاسيكي‏.‏

هذه‏ ‏المقدمة‏ ‏ضرورية‏ ‏للانتقال‏ ‏لتحليل‏ ‏خوف‏ ‏المسلمين‏ ‏من‏ ‏الفكر‏ ‏النقدي‏ ‏عموما‏, ‏ومن‏ ‏الفكر‏ ‏التجديدي‏ ‏خاصة‏ ‏إذا‏ ‏طال‏ ‏معني‏ ‏النصوص‏ ‏الدينية‏. ‏لكني‏ ‏أود‏ ‏قبل‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏أناقش‏ ‏مسألة‏ ‏عداء‏ ‘‏الغرب‏’ ‏للإسلام‏, ‏لأن‏ ‏هذه‏ ‏المشكلة‏ ‏تتخذ‏ ‏تكأة‏ ‏لرفض‏ ‏التجديد‏ ‏علي‏ ‏أساس‏ ‏أن‏ ‏الدافع‏ ‏إليه‏ ‏هو‏ ‏إرضاء‏ ‏الغرب‏. ‏وإذا‏ ‏كان‏ ‏الفزع‏ ‏من‏ ‏التجديد‏ ‏يتخذ‏ ‏منحي‏ ‏وصم‏ ‘‏التجديد‏’ ‏بأنه‏ ‘‏تأويل‏’ ‏بالمعني‏ ‏السلبي‏ ‏المضاف‏ ‏إلي‏ ‏المفهوم‏ ‏فإن‏ ‏المشكلة‏ ‏في‏ ‏جنوب‏ ‏شرق‏ ‏آسيا‏ ‏ترتبط‏ ‏بالفزع‏ ‏من‏ ‏مصطلح‏ ‘‏الهرمنيوطيقا‏’, ‏إذ‏ ‏من‏ ‏السهل‏ ‏الإشارة‏ ‏إلي‏ ‏كون‏ ‏الكلمة‏ ‏أجنبية‏ Hermeneutics ‏لتأكيد‏ ‏الاتهام‏ ‏بالتغريب‏. ‏نسمع‏ ‏ذلك‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏العربي‏ ‏كما‏ ‏نسمعه‏ ‏في‏ ‏ماليزيا‏ ‏وإندونيسيا‏.‏

الغرب‏: ‏بين‏ ‏الحضارة‏ ‏والسياسة‏ :‏

لقد‏ ‏أتاحت‏ ‏لي‏ ‏ظروف‏ ‏الإقامة‏ ‏في‏ ‏الغرب‏ ‏خلال‏ ‏السنوات‏ ‏الإثنتي‏ ‏عشرة‏ ‏الأخيرة‏ ‏القدرة‏ ‏علي‏ ‏النظر‏ ‏من‏ ‏بعيد‏, ‏وما‏ ‏تفضي‏ ‏إليه‏ ‏من‏ ‏رؤية‏ ‏الصورة‏ ‏كاملة‏. ‏هذا‏ ‏بالإضافة‏ ‏إلي‏ ‏القدرة‏ ‏علي‏ ‏إدراك‏ ‏التفاصيل‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‘‏الغرب‏’ ‏الذي‏ ‏يحتويني‏ ‏مكانيا‏. ‏لذا‏ ‏أجد‏ ‏من‏ ‏الضروري‏ ‏التمييز‏ ‏في‏ ‘‏الغرب‏’ ‏بين‏ ‏مفهومين‏: ‏مفهوم‏ ‘‏الحضارة‏’, ‏التي‏ ‏ننسبها‏ ‏للغرب‏, ‏وبين‏ ‏مفهوم‏ ‘‏الغرب‏ ‏السياسي‏’. ‏يشير‏ ‏المفهوم‏ ‏الأول‏ ‏الحضارة‏ -‏إلي‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏المنظومات‏ ‏لا‏ ‏منظومة‏ ‏واحدة‏ ‏فقط‏- ‏الفلسفية‏ ‏والفكرية‏ ‏والثقافية‏ ‏والسياسية‏, ‏بالإضافة‏ ‏إلي‏ ‏المنظومات‏ ‏مرة‏ ‏أخري‏ ‏بصيغة‏ ‏الجمع‏ ‏لا‏ ‏بصيغة‏ ‏المفرد‏ -‏الجمالية‏ ‏المعمارية‏ ‏والفنية‏ ‏والأدبية‏. ‏أما‏ ‏المفهوم‏ ‏الثاني‏, ‏مفهوم‏ ‘‏الغرب‏ ‏السياسي‏’, ‏فيشير‏ ‏إلي‏ ‏مجموعة‏ ‏النظم‏ ‏السياسية‏ ‏والإيديولوجيات‏ ‏الحاكمة‏ ‏في‏ ‏بلدان‏ ‏أوروبا‏ ‏والولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏الأمريكية‏. ‏وهي‏ ‏نظم‏ ‏وإيديولوجيات‏ ‏لا‏ ‏تمثل‏ ‏بالضرورة‏ ‘‏قيم‏’ ‘‏الحضارة‏ ‏الحديثة‏’, ‏كما‏ ‏أن‏ ‏السياسات‏ ‏التي‏ ‏تتبعها‏ ‏تلك‏ ‏النظم‏ ‏السياسية‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏تعكس‏ ‏في‏ ‏أدائها‏ ‏وتوجهاتها‏ ‏مقتضيات‏ ‏السلوك‏ ‏الحضاري‏ ‏المثلي‏.‏

ولا‏ ‏شك‏ ‏أن‏ ‏مواقف‏ ‘‏الغرب‏ ‏السياسي‏’ ‏تحكمه‏ ‏علاقات‏ ‏المصالح‏, ‏التي‏ ‏هي‏ ‏امتداد‏ ‏لمرحلة‏ ‏الأطماع‏ ‏الاستعمارية‏ ‏في‏ ‏سياق‏ ‏جديد‏ ‏هو‏ ‏سياق‏ ‘‏السوق‏ ‏العالمية‏ ‏الموحدة‏’. ‏يتجلي‏ ‏هذا‏ ‏في‏ ‏عمليات‏ ‏الاعتداء‏ ‏علي‏ ‏حدود‏ ‏السيادة‏ ‏الوطنية‏, ‏والتي‏ ‏بلغت‏ ‏ذروتها‏ ‏في‏ ‏زرع‏ ‏الكيان‏ ‏الصهيوني‏ ‏في‏ ‏أرض‏ ‏فلسطين‏ ‏ومحاولات‏ ‏تفريغها‏ ‏من‏ ‏أصحابها‏ ‏الأصليين‏. ‏وما‏ ‏يزال‏ ‏مسلسل‏ ‏الاعتداءات‏ ‏مستمرا‏ ‏في‏ ‏احتلال‏ ‏العراق‏ ‏والتدخل‏ ‏في‏ ‏شئون‏ ‏العالمين‏ ‏العربي‏ ‏والإسلامي‏. ‏وهذا‏ ‏يعني‏ ‏أن‏ ‏عداءنا‏ ‏لاعتداءات‏ ‏ذلك‏ ‘‏الغرب‏ ‏السياسي‏’ ‏ليس‏ ‏أمرا‏ ‏نختاره‏ ‏أو‏ ‏نرفضه‏, ‏بل‏ ‏إن‏ ‏الرفض‏ ‏والإدانة‏ ‏يمثل‏ ‏أضعف‏ ‏الإيمان‏ ‏في‏ ‏سلوكنا‏ ‏الوطني‏. ‏ومن‏ ‏مهام‏ ‏المثقف‏ ‏الوطني‏ ‏ألا‏ ‏يكتفي‏ ‏بإدانة‏ ‏هذا‏ ‏الغرب‏ ‘‏السياسي‏’ ‏بكل‏ ‏الوسائل‏ ‏والأدوات‏ ‏المتاحة‏ ‏لديه‏, ‏ومن‏ ‏خلال‏ ‏كل‏ ‏المنابر‏ ‏الفكرية‏ ‏والثقافية‏ ‏والإعلامية‏ ‏شرقية‏ ‏وغربية‏, ‏بل‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يعلن‏ ‏وبكل‏ ‏وضوح‏ ‏كذلك‏ ‏إدانته‏ ‏لأنظمة‏ ‏الحكم‏ ‏العربية‏ ‏التي‏ ‏تتحمل‏ ‏نفس‏ ‏الدرجة‏ ‏من‏ ‏المسئولية‏ ‏عن‏ ‏
هذا‏ ‏الوضع‏ ‏المتردي‏. ‏ليس‏ ‏من‏ ‏الحكمة‏ ‏أن‏ ‏نعلق‏ ‏الجرس‏ ‏في‏ ‏رقبة‏ ‘‏الغرب‏ ‏السياسي‏’, ‏مبرئين‏ ‏من‏ ‏المسئولية‏ ‏حكامنا‏ ‏الذين‏ ‏يقهرون‏ ‏الشعوب‏ ‏فيغلقون‏ ‏أبواب‏ ‏التصدي‏ ‏الشعبي‏ ‏للعدوان‏ ‏ومقاومته‏ ‏إغلاقا‏ ‏تاما‏.‏

بعد‏ ‏هذا‏ ‏التوضيح‏ ‏وتحرير‏ ‏المفاهيم‏ ‏والمصطلحات‏ ‏لا‏ ‏أظن‏ ‏أني‏ ‏بحاجة‏ ‏إلي‏ ‏تأكيد‏ ‏أن‏ ‏موقفنا‏ ‏من‏ ‘‏الحضارة‏ ‏الحديثة‏’ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏موقف‏ ‏التفاعل‏ ‏النقدي‏ ‏الخلاق‏. ‏وهو‏ ‏موقف‏ ‏لا‏ ‏يقوم‏ ‏علي‏ ‏التعامل‏ ‏معها‏ ‏من‏ ‏منظور‏ ‏براجماتي‏ ‏يعتمد‏ ‏علي‏ ‏استيراد‏ ‏المنتج‏ ‏التكنولوجي‏, ‏مع‏ ‏تجاهل‏ ‏أساسه‏ ‏العلمي‏ ‏والمعرفي‏, ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يقوم‏ ‏علي‏ ‏استيراد‏ ‘‏النظريات‏’ ‏العلمية‏ ‏والمعرفية‏ ‏ومحاولة‏ ‏فرضها‏ ‏بطريقة‏ ‏ميكانيكية‏ ‏آلية‏ ‏في‏ ‏بيئة‏ ‏ومناخ‏ ‏ومجالات‏ ‏مغايرة‏ ‏للبيئات‏ ‏والمجالات‏ ‏التي‏ ‏أنتجتها‏. ‏لقد‏ ‏تم‏ ‏تطبيق‏ ‏نهج‏ ‘‏الاستيراد‏’ ‏خلال‏ ‏عقود‏ ‏طويلة‏ ‏في‏ ‏القرنين‏ ‏التاسع‏ ‏عشر‏ ‏والعشرين‏- ‏ولم‏ ‏ينجح‏ ‏لا‏ ‏في‏ ‏تأسيس‏ ‏مجتمع‏ ‏علمي‏, ‏ولا‏ ‏في‏ ‏خلق‏ ‏مناخ‏ ‏للتفكير‏ ‏العلمي‏. ‏والعلة‏ ‏في‏ ‏تقديري‏ ‏أننا‏ ‏نظرنا‏ ‏إلي‏ ‏تفوق‏ ‘‏الغرب‏’ ‏طوال‏ ‏هذين‏ ‏القرنين‏ ‏بوصفه‏ ‏تفوقا‏ ‏في‏ ‏العلم‏ ‏والتكنولوجيا‏ ‏وحدهما‏, ‏دون‏ ‏مجال‏ ‏الفكر‏ ‏والفلسفة‏ ‏والثقافة‏ ‏والفنون‏, ‏أي‏ ‏دون‏ ‏مجال‏ ‏النشاط‏ ‏الروحي‏ ‏الذي‏ ‏تصورنا‏ ‏أن‏ ‏رصيدنا‏ ‏التراثي‏ ‏منه‏ ‏يتفوق‏ ‏علي‏ ‏إنجاز‏ ‏الحضارة‏ ‏الحديثة‏ ‏فيه‏. ‏وما‏ ‏تزال‏ ‏دعوات‏ ‘‏النهوض‏’ ‏و‏’‏التقدم‏’ ‏التي‏ ‏تتردد‏ ‏الآن‏ ‏وبقوة‏ ‏تركز‏ ‏علي‏ ‏قضايا‏ ‘‏العلم‏’ ‏و‏’‏التكنولوجيا‏’ ‏بمعزل‏ ‏عن‏ ‏تطوير‏ ‏علومنا‏ ‏الإنسانية‏ ‏بالتفاعل‏ ‏مع‏ ‏إنجازات‏ ‏مناهج‏ ‏الإنسانيات‏ ‏في‏ ‏الحضارة‏ ‏الحديثة‏.‏

إن‏ ‏الإنسان‏ ‏المنتج‏ ‏للعلم‏ ‏والتكنولوجيا‏ ‏هو‏ ‏الإنسان‏ ‏الذي‏ ‏تم‏ ‏تكوينه‏ ‏معرفيا‏ ‏منذ‏ ‏مرحلة‏ ‏الطفولة‏ ‏بتدريبه‏ ‏علي‏ ‏أهمية‏ ‏إثارة‏ ‏الأسئلة‏, ‏وتقليب‏ ‏الاحتمالات‏ ‏الممكنة‏, ‏والتفكير‏ ‏في‏ ‏الأجوبة‏ ‏قبل‏ ‏اختيار‏ ‏أحدها‏, ‏والاستعداد‏ ‏للتخلي‏ ‏عن‏ ‏قناعته‏ ‏إذا‏ ‏ثبت‏ ‏له‏ ‏عدم‏ ‏دقتها‏. ‏والأهم‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏كله‏ ‏عدم‏ ‏قبول‏ ‏الرأي‏ ‏الشائع‏ ‏دون‏ ‏فحص‏ ‏ونقد‏. ‏إنه‏ ‏منهج‏ ‘‏الشك‏’, ‏والمراجعة‏, ‏وإعادة‏ ‏النظر‏, ‏لا‏ ‏منهج‏ ‘‏الإيمان‏’ ‏الأعمي‏ ‏و‏’‏اليقين‏’ ‏الزائف‏ ‏و‏’‏الطاعة‏’ ‏و‏’‏التقليد‏’. ‏كم‏ ‏نحتاج‏ ‏للتعلم؟‏ ‏سؤال‏ ‏لا‏ ‏ينبغي‏ ‏أن‏ ‏نخجل‏ ‏من‏ ‏إثارته‏, ‏فلو‏ ‏لم‏ ‏يتعلم‏ ‘‏الغرب‏’ ‏ممن‏ ‏سبقوه‏ ‏في‏ ‏مضمار‏ ‏الحضارة‏ ‏ما‏ ‏استطاع‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏عليه‏ ‏الآن‏.‏

والعجيب‏ ‏أننا‏, ‏رغم‏ ‏كراهيتنا‏ ‏للغرب‏ ‏السياسي‏ ‏بحكم‏ ‏ممارساته‏ ‏العدوانية‏ ‏ضد‏ ‏مصالح‏ ‏شعوبنا‏, ‏مشغولون‏ ‏دائما‏ ‏أشد‏ ‏الانشغال‏ ‏بصورتنا‏ ‏في‏ ‏عيون‏ ‏إعلام‏ ‏هذا‏ ‏الغرب‏. ‏وهذا‏ ‏أمر‏ ‏يصيبني‏ ‏بدهشة‏ ‏تصل‏ ‏أحيانا‏ ‏إلي‏ ‏حد‏ ‘‏السخرية‏’, ‏إذ‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏شاغلنا‏ ‏الأساسي‏ ‏وهمنا‏ ‏الأول‏ ‏تكوين‏ ‏صورة‏ ‏صحيحة‏ ‏عن‏ ‏أنفسنا‏ ‏وعن‏ ‏أحوالنا‏. ‏ويثير‏ ‏هذا‏ ‏في‏ ‏نفسي‏ ‏سؤالا‏ ‏يصعب‏ ‏أن‏ ‏أكتمه‏: ‏لماذا‏ ‏لا‏ ‏ينشغل‏ ‏الغربيون‏ ‏بصورتهم‏ ‏عندنا‏, ‏ولا‏ ‏يهتمون‏ ‏قليلا‏ ‏ولا‏ ‏كثيرا‏ ‏بتصوراتنا‏ ‏عنهم‏ ‏ونظرتنا‏ ‏لهم؟‏ ‏أليس‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‘‏الوسواس‏’ ‏داخلنا‏ ‏ما‏ ‏يعد‏ ‏عرضا‏ ‏من‏ ‏أعراض‏ ‏مرض‏ ‏عضال‏, ‏لا‏ ‏أدري‏ ‏له‏ ‏اسما‏ ‏في‏ ‘‏علم‏ ‏النفس‏ ‏الاجتماعي‏’ ‏إننا‏ ‏مثل‏ ‏الحبيب‏ ‘‏المهجور‏’ ‏المشغول‏ ‏أبدا‏ ‏بما‏ ‏يفكر‏ ‏فيه‏ ‏الحبيب‏ ‏الذي‏ ‏هجره‏, ‏وهي‏ ‏صورة‏ ‏تمثيلية‏ ‏تشخص‏ ‏إشكالية‏ ‏علاقتنا‏ ‏التاريخية‏ ‏بالغرب‏ ‏في‏ ‏القرنين‏ ‏الأخيرين‏: ‏إنه‏ ‏المعلم‏ ‏المتقدم‏ ‏الذي‏ ‏يتحتم‏ ‏أن‏ ‏نتعلم‏ ‏منه‏ ‏من‏ ‏جهة‏, ‏وهو‏ ‏كذلك‏ ‏العدو‏ ‏المعتدي‏ ‏الغاشم‏ ‏الذي‏ ‏يتحتم‏ ‏أن‏ ‏نحاربه‏, ‏وإن‏ ‏بنفس‏ ‏سلاحه‏, ‏من‏ ‏جهة‏ ‏أخري‏.‏

لقد‏ ‏وصلت‏ ‏نظرية‏ ‘‏المؤامرة‏’ ‏إلي‏ ‏حد‏ ‏أن‏ ‏صارت‏ ‘‏المفسرة‏’, ‏التي‏ ‏تحمي‏ ‏الذات‏ ‏من‏ ‏تحمل‏ ‏أية‏ ‏مسئولية‏ ‏بإلقاء‏ ‏التبعة‏ ‏كلها‏ ‏علي‏ ‏الآخر‏, ‏فتم‏ ‏تصوير‏ ‏الغرب‏ ‏باحثا‏ ‏عن‏ ‏عدو‏ ‏استراتيجي‏ ‏بديل‏ ‏عن‏ ‏الشيوعية‏, ‏فوجد‏ ‏عدوه‏ ‏هذا‏ ‏في‏ ‘‏الإسلام‏’. ‏والحقيقة‏ ‏أن‏ ‏نظرة‏ ‏الغرب‏ ‏للإسلام‏ ‏ليست‏ ‏نظرة‏ ‏استاتيكية‏ ‏جامدة‏ ‏كما‏ ‏يتوهم‏ ‏البعض‏, ‏فهناك‏ ‏من‏ ‏جهة‏ ‏أولي‏ ‏الاختلاف‏ ‏بين‏ ‏النظرة‏ ‘‏الأوروبية‏’ ‏في‏ ‏مجملها‏ ‏وبين‏ ‏النظرة‏ ‘‏الأمريكية‏’ ‏للإسلام‏. ‏بدأ‏ ‏الاهتمام‏ ‏الأمريكي‏ ‏السياسي‏ ‏الإعلامي‏ ‏بالإسلام‏ ‏مع‏ ‏نجاح‏ ‏الثورة‏ ‏الإسلامية‏ ‏في‏ ‏إيران‏, ‏وما‏ ‏قارنه‏ ‏من‏ ‏احتلال‏ ‏السفارة‏ ‏الأمريكية‏ ‏في‏ ‏طهران‏ ‏واحتجاز‏ ‏عدد‏ ‏من‏ ‏الرهائن‏, ‏وفشل‏ ‏المحاولات‏ ‏العسكرية‏ ‏الأمريكية‏ ‏لتخليص‏ ‏الرهائن‏ ‏وتحرير‏ ‏السفارة‏. ‏لذلك‏ ‏من‏ ‏السهل‏ ‏أن‏ ‏يلاحظ‏ ‏الباحث‏ ‏أن‏ ‏الهاجس‏ ‏السياسي‏ ‏هو‏ ‏العامل‏ ‏المسيطر‏ ‏في‏ ‏الرؤية‏ ‏الأمريكية‏ ‏للإسلام‏, ‏وهو‏ ‏الهاجس‏ ‏الذي‏ ‏أثمر‏ ‏نظرية‏ ‘‏صدام‏ ‏الحضارات‏’, ‏وهي‏ ‏نظرية‏ ‏انزعجت‏ ‏منها‏ ‏الدوائر‏ ‏الأوروبية‏ ‏بنفس‏ ‏القدر‏ ‏الذي‏ ‏أزعج‏ ‏المسلمين‏ ‏مع‏ ‏اختلاف‏ ‏أسباب‏ ‏الانزعاج‏. ‏هذا‏ ‏الهاجس‏ ‏السياسي‏ ‏يجعل‏ ‏السياسة‏ ‏الأمريكية‏ ‏لا‏ ‏تهتم‏ ‏كثيرا‏ ‏بطبيعة‏ ‏الأنظمة‏ ‏التي‏ ‏تتعامل‏ ‏معها‏ ‏وتساندها‏, ‏مهما‏ ‏كانت‏ ‏راديكاليتها‏ ‏الإسلامية‏, ‏ما‏ ‏دامت‏ ‏لا‏ ‏تهدد‏ ‏مصالحها‏. ‏ولا‏ ‏بأس‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏السياسة‏ ‏من‏ ‏التعاون‏ ‏مع‏ ‘‏عمر‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏’ ‏أو‏ ‘‏أسامة‏ ‏بن‏ ‏لادن‏’ ‏أو‏ ‏غيرهما‏ ‏من‏ ‏القيادات‏ ‏في‏ ‏لحظة‏ ‏معينة‏, ‏ثم‏ ‏طلب‏ ‘‏الرقاب‏’ -‏حيا‏ ‏أو‏ ‏ميتا‏- ‏في‏ ‏لحظة‏ ‏أخري‏. ‏وفي‏ ‏جميع‏ ‏اللحظات‏ ‏يبقي‏ ‏خط‏ ‏الاتصال‏ ‏مفتوحا‏ ‏مع‏ ‏بعض‏ ‏القيادات‏ ‏والتنظيمات‏ ‏تحسبا‏ ‏لاحتمالات‏ ‏مفاجئة‏, ‏مهما‏ ‏كانت‏ ‏مستبعدة‏. ‏هذا‏ ‏من‏ ‏جهة‏, ‏ومن‏ ‏جهة‏ ‏أخري‏ ‏يقوم‏ ‏خط‏ ‏الاتصال‏ ‏المفتوح‏ ‏هذا‏ -‏بين‏ ‏دوائر‏ ‏صنع‏ ‏القرار‏ ‏في‏ ‏أمريكا‏ ‏وبين‏ ‏القيادات‏ ‏الإسلامية‏ ‏الراديكالية‏, ‏بل‏ ‏والإرهابية‏ – ‏بدور‏ ‘‏الفزاعة‏’ ‏لتهديد‏ ‏الأنظمة‏ ‏السياسية‏ ‏في‏ ‏العالمين‏ ‏العربي‏ ‏والإسلامي‏ ‏لضمان‏ ‏استمرار‏ ‏سيرها‏ ‏علي‏ ‏النظام‏ ‏الأمريكي‏ ‏المستقيم‏. ‏إنه‏ ‏نفس‏ ‏الدور‏ ‏الذي‏ ‏يقوم‏ ‏به‏ ‘‏في‏ ‏إبقاء‏ ‏الوضع‏ ‏الحالي‏ ‏في‏ ‏الخليج‏’, ‏ولو‏ ‏كان‏ ‏الثمن‏ ‏هو‏ ‏القضاء‏ ‏علي‏ ‏العراق‏ ‏بأكمله‏ ‏شعبا‏ ‏وتاريخا‏ ‏وتراثا‏ ‏وحضارة‏. ‏وهناك‏ ‏مؤشرات‏ ‏حالية‏ ‏في‏ ‏الخطاب‏ ‏الأمريكي‏ ‏ممثلا‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏مفكريه‏ ‏النافذين‏ ‏ينصح‏ ‏بالتعامل‏ ‏مع‏ ‏الإسلاميين‏, ‏حتي‏ ‏ولو‏ ‏كانوا‏ ‏غير‏ ‏ديمقراطيين‏, ‏ويعادون‏ ‏الحرية‏. ‏الشرط‏ ‏الوحيد‏ ‏للتعامل‏ ‏مع‏ ‏هؤلاء‏ ‏الإسلاميين‏ ‏هو‏ ‏تخليهم‏ ‏عن‏ ‏مبدأ‏ ‘‏استخدام‏ ‏العنف‏’ ‏وسيلة‏ ‏للتغيير‏. ‏بعبارة‏ ‏أخري‏ ‏ينفتح‏ ‏الخطاب‏ ‏الإمريكي‏ ‏لاستيعاب‏ ‏الإسلاميين‏ ‏سعيا‏ ‏لعزل‏ ‘‏حزب‏ ‏الله‏’ ‏في‏ ‏لبنان‏ ‏من‏ ‏جهة‏, ‏والقضاء‏ ‏علي‏ ‘‏حماس‏’ ‏في‏ ‏فلسطين‏ ‏من‏ ‏جهة‏ ‏أخري‏.‏

أما‏ ‏نظرة‏ ‘‏أوروبا‏’ ‏للإسلام‏ ‏فهي‏, ‏وإن‏ ‏بدأت‏ ‏سياسية‏ ‏استعمارية‏ ‏منذ‏ ‏الحروب‏ ‏الصليبية‏, ‏قد‏ ‏بدأت‏ ‏تتخذ‏ ‏الآن‏ ‏مسارات‏ ‏متعددة‏ ‏إعلاميا‏ ‏وسياسيا‏ ‏وأكاديميا‏. ‏من‏ ‏الناحية‏ ‏الإعلامية‏ ‏من‏ ‏الضروري‏ ‏ألا‏ ‏ننسي‏ ‏أن‏ ‏الإعلام‏, ‏مرئيا‏ ‏كان‏ ‏أم‏ ‏مسموعا‏ ‏أم‏ ‏مقروءا‏, ‏أكثر‏ ‏اهتماما‏ ‏بالرجل‏ ‏الذي‏ ‘‏يعقر‏’ ‏الكلب‏ ‏منه‏ ‏بالكلب‏ ‏الذي‏ ‏يعقر‏ ‏الرجل‏. ‏لهذا‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏نتفهم‏ ‏أن‏ ‘‏قنبلة‏’ ‏تنفجر‏, ‏أو‏ ‘‏سائحا‏’ ‏يقتل‏, ‏أو‏ ‘‏قبطيا‏’ ‏يهاجم‏, ‏أو‏ ‘‏طفلة‏’ ‏تختن‏, ‏أو‏ ‏حكما‏ ‏قضائيا‏ ‏يصدر‏ ‏ضد‏ ‏كاتب‏ ‏أو‏ ‏فنان‏, ‏أمر‏ ‏يثير‏ ‏شهية‏ ‏الإعلام‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏مكان‏ ‏للتحليل‏ ‏والتعليق‏ ‏واستدعاء‏ ‏الخبراء‏ ‏للإدلاء‏ ‏بآرائهم‏ … ‏الخ‏. ‏هناك‏ ‏بالقطع‏ ‏مبالغات‏ ‏وتضخيم‏ ‏في‏ ‏عرض‏ ‏الحدث‏ ‏أو‏ ‏الواقعة‏, ‏لكن‏ ‏أصل‏ ‏الحدث‏ ‏أو‏ ‏الواقعة‏ ‏من‏ ‏صنعنا‏ ‏نحن‏, ‏ومن‏ ‏نتاج‏ ‏واقع‏ ‏لا‏ ‏نتأمله‏ ‏تأملا‏ ‏نقديا‏ ‏كافيا‏. ‏الصورة‏ ‏الإعلامية‏, ‏المبالغ‏ ‏في‏ ‏إضافة‏ ‏الرتوش‏ ‏اللونية‏ ‏لها‏, ‏ليست‏ ‏في‏ ‏نهاية‏ ‏المطاف‏ ‏اختلاقا‏ ‏من‏ ‏عدم‏. ‏هل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يتحمل‏ ‏المسئولية‏ ‏كاملة‏ ‏ناقل‏ ‏الخبر‏, ‏مهما‏ ‏بالغ‏ ‏في‏ ‏تصويره‏ ‏وإبراز‏ ‏جوانبه‏ ‏السلبية‏ ‏وتضخيمها‏, ‏دون‏ ‏الفاعل‏ ‏الأصلي‏ ‏والمجرم‏ ‏الحقيقي‏ ‏هل‏ ‏صنع‏ ‏الإعلام‏ ‏الغربي‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الجنون‏ ‏والحماقات‏ ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏تمارسها‏ ‘‏طالبان‏’ ‏ضد‏ ‏المرأة‏ ‏والفنون‏ ‏باسم‏ ‘‏الإسلام‏’.‏

هذا‏ ‏عن‏ ‏الإعلام‏ ‏الغربي‏, ‏فإذا‏ ‏انتقلنا‏ ‏للسياسة‏, ‏فعلينا‏ ‏أن‏ ‏ندرك‏ ‏أن‏ ‏النظرة‏ ‏السياسية‏ ‏الأوروبية‏ ‏للإسلام‏ ‏تختلف‏ ‏من‏ ‏بلد‏ ‏إلي‏ ‏بلد‏, ‏خاصة‏ ‏في‏ ‏سياق‏ ‏تزايد‏ ‏أعداد‏ ‏المهاجرين‏ ‏المسلمين‏, ‏لأسباب‏ ‏متباينة‏, ‏في‏ ‏بلدان‏ ‏أوروبا‏. ‏هناك‏ ‘‏مخاوف‏’, ‏بعضها‏ ‏مشروع‏ ‏وبعضها‏ ‏مبالغ‏ ‏فيه‏ (‏فرنسا‏ ‏وألمانيا‏ ‏علي‏ ‏سبيل‏ ‏المثال‏), ‏كما‏ ‏هناك‏ ‏محاولات‏ ‏للفهم‏ ‏الهادئ‏ ‏والتعامل‏ ‏مع‏ ‏الحقائق‏ (‏هولندا‏ ‏وإنجلترا‏ ‏مؤخرا‏). ‏أما‏ ‏النظرة‏ ‏الأكاديمية‏ ‏في‏ ‏المؤسسات‏ ‏والجامعات‏ ‏الأوروبية‏ ‏فهي‏ ‏في‏ ‏مجملها‏ ‏تقدم‏ ‏خدمة‏ ‏للإسلام‏ ‏وتاريخه‏ ‏وتراثه‏ ‏تستحق‏ ‏لا‏ ‏التقدير‏ ‏والاحترام‏ ‏فقط‏, ‏بل‏ ‏تستدعي‏ ‏التعاون‏ ‏بإرسال‏ ‏المبعوثين‏ ‏وتبادل‏ ‏الأساتذة‏.‏

هل‏ ‏أقول‏ ‏أن‏ ‏مؤسساتنا‏ ‏العلمية‏ ‏تحتاج‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏الدراسات‏ ‏الإسلامية‏ ‏إلي‏ ‏أن‏ ‏تعود‏ ‏إلي‏ ‏تقاليدها‏ ‏في‏ ‏بداية‏ ‏هذا‏ ‏القرن‏, ‏الذي‏ ‏شهد‏ ‏تفاعلا‏ ‏أنتج‏ ‏لنا‏ ‏علماء‏ ‏من‏ ‏طراز‏ ‘‏مصطفي‏ ‏عبد‏ ‏الرازق‏’ ‏و‏’‏أمين‏ ‏الخولي‏’ ‏و‏’‏شلتوت‏’ ‏و‏’‏دراز‏’, ‏و‏’‏عبد‏ ‏الحليم‏ ‏محمود‏’, ‏وهو‏ ‏القرن‏ ‏الذي‏ ‏شهد‏ ‏ترجمات‏ ‏لأهم‏ ‏أعمال‏ ‏المستشرقين‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏الدراسات‏ ‏الإسلامية‏, ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏مشروع‏ ‏ترجمة‏ ‘‏الموسوعة‏ ‏الإسلامية‏’. ‏وقد‏ ‏اكتمل‏ ‏إصدار‏ ‘‏الموسوعة‏ ‏القرآنية‏’ ‏أيضا‏, ‏وفي‏ ‏مجلس‏ ‏تحريرها‏ ‏ثلاثة‏ ‏من‏ ‏المتخصصين‏ ‏العرب‏, ‏منهم‏ ‏كاتب‏ ‏هذه‏ ‏السطور‏, ‏فهل‏ ‏تترجم‏ ‏أم‏ ‏تهمل‏ ‏كما‏ ‏أهملت‏ ‏الطبعة‏ ‏الحديثة‏ ‏من‏ ‘‏الموسوعة‏ ‏الإسلامية‏’ ‏التي‏ ‏اكتملت‏, ‏وبدأ‏ ‏العمل‏ ‏في‏ ‏إصدار‏ ‏الطبعة‏ ‏الثالثة‏ ‏منذ‏ ‏حوالي‏ ‏عام‏.‏

ليس‏ ‏معني‏ ‏ما‏ ‏أقول‏ ‏أن‏ ‘‏التعصب‏’, ‏الذي‏ ‏حلله‏ ‏تحليلا‏ ‏علميا‏ ‏رصينا‏ ‘‏إدوارد‏ ‏سعيد‏’ ‏في‏ ‏كتبه‏ ‏العديدة‏, ‏قد‏ ‏صار‏ ‏من‏ ‏تراث‏ ‏الماضي‏. ‏فما‏ ‏يزال‏ ‏التعصب‏ ‏يحتل‏ ‏مساحات‏ ‏في‏ ‏المؤسسات‏ ‏الأكاديمية‏ ‏والإعلامية‏ ‏وفي‏ ‏دوائر‏ ‏صنع‏ ‏القرار‏. ‏لكن‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏نقرر‏ ‏بشجاعة‏ ‏أن‏ ‘‏التعصب‏’ ‏سمة‏ ‏مشتركة‏ ‏بيننا‏ ‏وبينهم‏. ‏علي‏ ‏المستوي‏ ‏الفكري‏ ‏دافع‏ ‏رجال‏ ‏الدين‏ ‏عندنا‏ ‏الإسلامي‏ ‏والمسيحي‏ ‏معا‏- ‏عن‏ ‏الاضطهاد‏ ‏الذي‏ ‏تعرض‏ ‏له‏ ‏المفكر‏ ‏الفرنسي‏ ‘‏روجيه‏ ‏جارودي‏’ ‏حيث‏ ‏حاكمته‏ ‏المحاكم‏ ‏الفرنسية‏ ‏بسبب‏ ‏كتاب‏ ‏أصدره‏. ‏إزاء‏ ‏هذه‏ ‏المحاكمة‏ ‏نهض‏ ‏رجال‏ ‏الدين‏ ‏عندنا‏ ‏دفاعا‏ ‏عن‏ ‏حرية‏ ‏الفكر‏ ‏والتعبير‏, ‏والمفارقة‏ ‏أنهم‏ ‏في‏ ‏أحسن‏ ‏أحوالهم‏ ‏صامتون‏ ‏صمت‏ ‏الموت‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏يحدث‏ ‏عندنا‏. ‏نفس‏ ‏المفارقة‏ ‏لمستها‏ ‏هنا‏ ‏في‏ ‏الدوائر‏ ‏الأكاديمية‏ ‏الغربية‏, ‏صمت‏ ‏غير‏ ‏حكيم‏ ‏إزاء‏ ‏محاكمة‏ ‘‏جارودي‏’ ‏وصخب‏ ‏غير‏ ‏عادي‏ ‏إزاء‏ ‘‏مصادرة‏’ ‏كتاب‏ ‏أو‏ ‏أغنية‏ ‏أو‏ ‏محاكمة‏ ‏كاتب‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏الإسلامي‏. ‏ومن‏ ‏واجبي‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏أنبه‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏نقد‏ ‏الغرب‏ ‏لا‏ ‏يجب‏ ‏أبدا‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏تكأة‏ ‏لتبرئة‏ ‏الذات‏ ‏وتمجيدها‏ ‏تمجيدا‏ ‏زائفا‏, ‏كما‏ ‏هو‏ ‏الحال‏ ‏في‏ ‏خطابنا‏ ‏الإعلامي‏.‏

إن‏ ‏موضوع‏ ‘‏الفزع‏ ‏من‏ ‏الإسلام‏’ ‏يغري‏ ‏إغراء‏ ‏لا‏ ‏يقاوم‏ ‏بتركيز‏ ‏النقد‏ ‏علي‏ ‘‏الغرب‏’ ‏وعلي‏ ‏إعلامه‏ ‏لما‏ ‏يحرص‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏إبراز‏ ‏الصورة‏ ‏السلبية‏ ‏لا‏ ‏للإسلام‏ ‏والمسلمين‏ ‏فقط‏, ‏بل‏ ‏لكل‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏عربي‏ ‏بصفة‏ ‏خاصة‏. ‏ومن‏ ‏الواجب‏ ‏علي‏ ‏الباحث‏ ‏الأمين‏ ‏أن‏ ‏يقاوم‏ ‏هذا‏ ‏الإغراء‏. ‏إن‏ ‘‏نقد‏’ ‏الموقف‏ ‏الإعلامي‏ ‏الغربي‏ ‏من‏ ‏العرب‏ ‏والمسلمين‏ ‏عموما‏ ‏هو‏ ‏فرض‏ ‏عين‏, ‏ولكن‏ ‏مكانه‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏الإعلام‏ ‏الغربي‏ ‏ذاته‏. ‏أما‏ ‏في‏ ‏الخطاب‏ ‏الموجه‏ ‏إلي‏ ‏الداخل‏ ‏فمصارحة‏ ‏النفس‏ ‏ونقد‏ ‏الذات‏ ‏أولي‏ ‏بنا‏. ‏إذ‏ ‏لا‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏ينطبق‏ ‏علينا‏ ‏قول‏ ‏السيد‏ ‏المسيح‏ ‏عليه‏ ‏السلام‏:‏
‏’ ‏إن‏ ‏أحدكم‏ ‏ليري‏ ‏القشة‏ ‏في‏ ‏عين‏ ‏أخيه‏ ‏ولا‏ ‏يري‏ ‏الخشبة‏ ‏في‏ ‏عين‏ ‏نفسه‏ ‘‏

 

 

ليس‏ ‏سرا‏ ‏ما‏ ‏نعرفه‏ ‏عن‏ ‏وجود‏ ‏قوي‏ ‏اجتماعية‏ ‏وسياسية‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏الإسلامي‏ ‏تسعي‏ ‏للسلطة‏ ‏مستخدمة‏ ‏فزاعة‏ ‘‏الإسلام‏’ ‏ورافعة‏ ‏شعاره‏. ‏ومن‏ ‏المؤسف‏ ‏أن‏ ‏وصم‏ ‏الإسلام‏ ‏بصفة‏ ‏الإرهاب‏ ‏بدأ‏ ‏هنا‏ ‏في‏ ‏عالمنا‏ ‏العربي‏: ‏فعل‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏يمارسون‏ ‏باسم‏ ‘‏الإسلام‏’ ‏وصاية‏ ‏علي‏ ‏العقول‏ ‏والقلوب‏, ‏وفعله‏ ‏بالمثل‏ ‏من‏ ‏أرادوا‏ ‏مقاومة‏ ‏تلك‏ ‏الوصاية‏ ‏بالتهوين‏ ‏من‏ ‏شأن‏ ‏العقائد‏ ‏والأديان‏ ‏في‏ ‏الحياة‏ ‏الاجتماعية‏ ‏والسياسية‏. ‏وفي‏ ‏هذا‏ ‏السياق‏ ‏المرتبك‏ ‏اختلط‏ ‏الحابل‏ ‏بالنابل‏, ‏وصارت‏ ‏المطالبة‏ ‏بالفصل‏ ‏بين‏ ‘‏الدين‏’ ‏و‏’‏السلطة‏’ ‏فصل‏ ‏السلطات‏- ‏تفهم‏ ‏بوصفها‏ ‏دعوة‏ ‏لإقصاء‏ ‏الدين‏ ‏عن‏ ‏الحياة‏, ‏وشتان‏ ‏بين‏ ‏الأمرين‏. ‏الأخطر‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏ثمة‏ ‏مجال‏ ‏مفتوح‏ ‏لمناقشات‏ ‏فكرية‏ ‏حرة‏ ‏تتناول‏ ‏تاريخ‏ ‏الفكر‏ ‏الديني‏ ‏تناولا‏ ‏نقديا‏, ‏ولا‏ ‏كيفية‏ ‏تكون‏ ‏مدارسه‏ ‏واتجاهاته‏ ‏في‏ ‏السياق‏ ‏التاريخي‏ ‏والاجتماعي‏ ‏بطريقة‏ ‏تثري‏ ‏واقعنا‏ ‏الفكري‏ ‏المهترئ‏ ‏إلي‏ ‏أبعد‏ ‏الحدود‏, ‏خاصة‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏الأفكار‏ ‏والمفاهيم‏ ‏والتصورات‏, ‏حيث‏ ‏تحولت‏ ‏بعض‏ ‏التصورات‏ ‏والأفكار‏ ‏التاريخية‏ ‏للأسف‏ ‏الشديد‏ ‏لثوابت‏ ‏دينيه‏ ‏لا‏ ‏يجوز‏ ‏الاقتراب‏ ‏منها‏.‏

يقودني‏ ‏هذا‏ ‏إلي‏ ‏حكاية‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏معي‏ ‏في‏ ‏زياراتي‏ ‏لكل‏ ‏من‏ ‏ماليزيا‏ ‏وإندونيسيا‏. ‏تبدو‏ ‏الحكايا‏ ‏وكأنها‏ ‏تجارب‏ ‏شخصية‏, ‏لكن‏ ‏دلالتها‏ ‏تتجاوز‏ ‏التجربة‏ ‏الفردية‏ ‏لتلقي‏ ‏ضوءا‏ ‏كاشفا‏ ‏علي‏ ‏الواقع‏ ‏الفعلي‏ ‏للفكر‏ ‏الديني‏ ‏الرسمي‏, ‏واقع‏ ‏الفزع‏ ‏من‏ ‏التجديد‏ ‏أو‏ ‏نقد‏ ‏القديم‏.‏

ماليزيا‏ :‏

ابوزيد وعلي مبروك بينهما طالب من اندونيسيا

ابوزيد وعلي مبروك بينهما طالب من اندونيسيا

دعيت‏ ‏في‏ ‏إبريل‏ ‏عام‏ 1995 ‏لمؤتمر‏ ‏عن‏ ‘‏تحدي‏ ‏الأصولية‏: ‏ضد‏ ‏التبسيطات‏ ‏السياسية‏ ‏والمدرسية‏’ ‏نظمته‏ ‏مؤسسة‏ ‏فريدريك‏ ‏هيومان‏ ‏الألمانية‏ ‏بالتعاون‏ ‏مع‏ ‏جامعة‏ ‏ماليزيا‏ ‏الإسلامية‏. ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏هي‏ ‏رحلتي‏ ‏الثانية‏ ‏إلي‏ ‏ماليزيا‏, ‏فقد‏ ‏زرتها‏ ‏أول‏ ‏مرة‏ ‏سائحا‏ ‏عام‏ 1987 ‏حين‏ ‏كنت‏ ‏أستاذا‏ ‏زائرا‏ ‏في‏ ‏اليابان‏. ‏لكني‏ ‏خلال‏ ‏تلك‏ ‏الزيارة‏ ‏الأولي‏ ‏زرت‏ ‏الجامعة‏ ‏والتقيت‏ ‏لقاء‏ ‏غير‏ ‏رسمي‏ ‏ببعض‏ ‏الأساتذة‏, ‏وكان‏ ‏لقاء‏ ‏طيبا‏ ‏إلي‏ ‏حد‏ ‏كبير‏. ‏لكن‏ ‏الأهم‏ ‏أنني‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الزيارة‏ ‏الأولي‏ ‏التقيت‏ ‏بجماعة‏ ‘‏قاسم‏ ‏أحمد‏’, ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏تروج‏ ‏لمفهوم‏ ‏أن‏ ‘‏الإسلام‏ ‏هو‏ ‏القرآن‏ ‏وحده‏’. ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏الجماعة‏ ‏استمرارا‏ ‏لتقليد‏ ‏نقدي‏ ‏في‏ ‏التراث‏ ‏الهندي‏ ‏في‏ ‏القرن‏ ‏التاسع‏ ‏عشر‏, ‏علي‏ ‏أساسه‏ ‏تأسست‏ ‏جماعتان‏: ‏جماعة‏ ‘‏أهل‏ ‏القرآن‏, ‏وهم‏ ‏لا‏ ‏ينكرون‏ ‘‏السنة‏’, ‏ولكنهم‏ ‏لا‏ ‏يرون‏ ‏أنها‏ ‏تتمتع‏ ‏بنفس‏ ‏المرجعية‏ ‏الدينية‏ ‏التي‏ ‏يتمتع‏ ‏بها‏ ‏القرآن‏, ‏هذا‏ ‏إلي‏ ‏جانب‏ ‏أنهم‏ ‏يخضعون‏ ‘‏الحديث‏’ ‏وهو‏ ‏الحامل‏ ‏الأساسي‏ ‏للسنة‏ ‏لمنهج‏ ‏نقدي‏ ‏متأثر‏ ‏إلي‏ ‏حد‏ ‏كبير‏ ‏بالنقد‏ ‏التاريخي‏ ‏للعهدين‏ ‏القديم‏ ‏والجديد‏. ‏الجماعة‏ ‏المناهضة‏ ‏هي‏ ‏جماعة‏ ‘‏أهل‏ ‏الحديث‏’, ‏وهم‏ ‏المثبتون‏ ‏للسنة‏, ‏والأهم‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏أنهم‏ ‏يناهضون‏ ‏تجديد‏ ‏نقد‏ ‘‏الحديث‏’ ‏إن‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏المتن‏ ‏أو‏ ‏السند‏. ‏في‏ ‏لقائي‏ ‏مع‏ ‘‏أهل‏ ‏القرآن‏’ ‏في‏ ‏ماليزيا‏ ‏اختلفت‏ ‏معهم‏ ‏علي‏ ‏أساس‏ ‏أن‏ ‘‏السنة‏ ‏وحاملها‏ ‏الأساسي‏ ‘‏الحديث‏’ ‏توضح‏ ‏كثيرا‏ ‏مما‏ ‏أجمله‏ ‏القرآن‏: ‏الصلوات‏ ‏الخمس‏ ‏مثالا‏, ‏هذا‏ ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏كيفية‏ ‏الصلاة‏ ‏وتفصيلات‏ ‏الطهارة‏ ‏والوضوء‏ ‏الخ‏.‏

هكذا‏ ‏كان‏ ‏المناخ‏ ‏عام‏ 1987, ‏لكن‏ ‏زيارتي‏ ‏عام‏ 1995 ‏للمشاركة‏ ‏في‏ ‏المؤتمر‏ ‏المذكور‏ ‏كانت‏ ‏مختلفة‏. ‏وسأترك‏ ‏للقارئ‏ ‏تخمين‏ ‏أين‏ ‏مكمن‏ ‏الاختلاف‏, ‏هل‏ ‏هو‏ ‏في‏ ‏المناخ‏ ‏الماليزي‏, ‏أم‏ ‏في‏ ‘‏الشخص‏’ ‏الذي‏ ‏هو‏ ‏الكاتب‏. ‏كانت‏ ‏الزيارة‏ ‏بعد‏ ‏صدور‏ ‏حكم‏ ‏محكمة‏ ‏الاستئناف‏ ‏المصرية‏ (‏دائرة‏ ‏الأحوال‏ ‏الشخصية‏’ ‏في‏ ‏يونيو‏ 1995. ‏حين‏ ‏وصلت‏ ‏إلي‏ ‏مكان‏ ‏المؤتمر‏, ‏وكان‏ ‏ذلك‏ ‏مع‏ ‏بداية‏ ‏الجلسة‏ ‏الافتتاحية‏ ‏التقتني‏ ‏إحدي‏ ‏أعضاء‏ ‏لجنة‏ ‏التنظيم‏, ‏السيدة‏ ‘‏نوريني‏’ (‏نور‏ ‏عيني‏ ‏بالعربي‏), ‏وكانت‏ ‏متشحة‏ ‏بالسواد‏ ‏من‏ ‏قمة‏ ‏رأسها‏ ‏إلي‏ ‏إخمص‏ ‏قدميها‏. ‏كانت‏ ‏متورمة‏ ‏العينين‏, ‏وكان‏ ‏من‏ ‏المنطقي‏ ‏أن‏ ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏البكاء‏ ‏البادي‏ ‏في‏ ‏حدقتي‏ ‏العين‏ ‏سببه‏ ‏فقد‏ ‏عزيز‏. ‏طلبت‏ ‏مني‏ ‏السيدة‏ ‘‏نوريني‏’, ‏وهي‏ ‏استاذة‏ ‏في‏ ‏الجامعة‏ ‏أن‏ ‏نتحدث‏ ‏قليلا‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏أدخل‏ ‏إلي‏ ‏قاعة‏ ‏المؤتمر‏. ‏كان‏ ‏من‏ ‏الطبيعي‏ ‏أن‏ ‏اسألها‏ ‏ما‏ ‏خطبها‏, ‏ومن‏ ‏هو‏ ‏الشخص‏ ‏العزيز‏ ‏الذي‏ ‏تبكيه‏ ‏وكان‏ ‏جوابها‏: ‏الخطب‏ ‏أفدح‏ ‏من‏ ‏فقد‏ ‏عزيز‏. ‘‏كان‏ ‏علينا‏ ‏أن‏ ‏ننقذ‏ ‏المؤتمر‏’, ‏هكذا‏ ‏بدأت‏ ‏وظللت‏ ‏مصغيا‏. ‏اعترض‏ ‏الأساتذة‏ ‏المتشددون‏ ‏في‏ ‏الجامعة‏ ‏علي‏ ‏دعوتك‏ ‏للمؤتمر‏, ‏كما‏ ‏اعترضوا‏ ‏علي‏ ‏دعوة‏ ‘‏صادق‏ ‏جلال‏ ‏العظم‏’ ‏من‏ ‏سوريا‏, ‏ودعوة‏ ‘‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏الله‏ ‏النعيم‏’ ‏من‏ ‏السودان‏. ‏كان‏ ‘‏النعيم‏’ ‏قد‏ ‏اعتذر‏ ‏لأنه‏ ‏مشغول‏, ‏أما‏ ‘‏العظم‏’ ‏فلم‏ ‏يستطع‏ ‏الحصول‏ ‏علي‏ ‏الفيزا‏’. ‏واصلت‏ ‘‏كنت‏ ‏أنت‏ ‏علي‏ ‏متن‏ ‏الطائرة‏ ‏في‏ ‏الطريق‏ ‏حين‏ ‏قرر‏ ‏وزير‏ ‏التعليم‏ ‏العالي‏ ‏إلغاء‏ ‏المؤتمر‏, ‏أو‏ ‏منعك‏ ‏من‏ ‏المشاركة‏. ‘‏هذه‏ ‏هي‏ ‏مشكلتنا‏ ‏اليوم‏, ‏وأرجو‏ ‏أن‏ ‏تقدر‏ ‏الظروف‏. ‏لقد‏ ‏وصلنا‏ ‏إلي‏ ‏حل‏ ‏لعلك‏ ‏تقبله‏: ‏شطبنا‏ ‏اسمك‏ ‏واسم‏ ‘‏العظم‏’ ‏بالمداد‏ ‏الأسود‏ ‏من‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏وثائق‏ ‏المؤتمر‏, ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏طبعت‏ ‏بالفعل‏. ‏مجرد‏ ‏الشطب‏ ‏يدل‏ ‏علي‏ ‏المشكلة‏ ‏التي‏ ‏واجهناها‏. ‏في‏ ‏مقابل‏ ‏ذلك‏ ‏ستحضر‏ ‏المؤتمر‏ ‏كمشارك‏ ‏بين‏ ‏الجمهور‏. ‏الحل‏ ‏الذي‏ ‏أرجو‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏معقولا‏ ‏هو‏ ‏أننا‏ ‏اتفقنا‏ ‏مع‏ ‏كل‏ ‏رؤساء‏ ‏الجلسات‏ ‏علي‏ ‏منحك‏ ‏كل‏ ‏الوقت‏ ‏الذي‏ ‏تريد‏ ‏للمشاركة‏ ‏في‏ ‏النقاش‏ ‏في‏ ‏جميع‏ ‏الجلسات‏. ‏بهذا‏ ‏بروفسير‏ ‘‏أبوزيد‏’ ‏
واصلت‏ ‏نوريني‏ ‏الكلام‏ ‏وأنا‏ ‏صامت‏ ‏صمتا‏ ‏تاما‏ ‘‏تكون‏ ‏مشاركتك‏ ‏أثمن‏ ‏وأفكارك‏ ‏تعرض‏ ‏دون‏ ‏مقاطعة‏ ‏بسبب‏ ‏الوقت‏ ‏كما‏ ‏يحدث‏ ‏مع‏ ‏المشاركين‏ ‏من‏ ‏علي‏ ‏المنصة‏, ‏وبذلك‏ ‏أيضا‏ ‏نكون‏ ‏قد‏ ‏أنقذنا‏ ‏المؤتمر‏. ‏فما‏ ‏رأيك‏’ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏لي‏ ‏رأي‏ ‏وقد‏ ‏بدأت‏ ‏وقائع‏ ‏المؤتمر‏ ‏بالفعل‏, ‏واسمي‏ ‏أخفاه‏ ‏المداد‏ ‏الأسود‏ ‏تماما‏. ‏مع‏ ‏كل‏ ‏الغضب‏ ‏داخلي‏, ‏أدركت‏ ‏أن‏ ‏الحل‏ ‏المطروح‏ ‏كان‏ ‏أفضل‏ ‏البدائل‏. ‏شاركت‏ ‏في‏ ‏المؤتمر‏ ‏من‏ ‏صفوف‏ ‏المستمعين‏, ‏لكني‏ ‏قلت‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏أريد‏ ‏بوضوح‏ ‏ودون‏ ‏معارضة‏ ‏أو‏ ‏مقاطعة‏ ‏من‏ ‏المنصة‏. ‏كنت‏ ‏قادرا‏ ‏علي‏ ‘‏نقد‏’ ‏هذا‏ ‏الفزع‏ ‏من‏ ‏الجديد‏ ‏بأكثر‏ ‏من‏ ‏أسلوب‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المؤتمر‏. ‏كان‏ ‏الحل‏ ‏مرضيا‏ ‏لي‏, ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏كارثة‏ ‏علي‏ ‏المعترضين‏. ‏والسؤال‏ ‏الآن‏: ‏هل‏ ‏اختلف‏ ‏المناخ‏ ‏الفكري‏ ‏في‏ ‏ماليزيا‏ ‏من‏ ‏الانفتاح‏ ‏عام‏ 1987 ‏إلي‏ ‏الانغلاق‏ ‏عام‏ 1995, ‏أم‏ ‏هو‏ ‏المناخ‏ ‏المصري‏ ‏الذي‏ ‏ألقي‏ ‏بظلاله‏ ‏علي‏ ‏هذا‏ ‏المؤتمر‏ ‏تحديدا‏ ‏لم‏ ‏أزر‏ ‏ماليزييا‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏, ‏لكني‏ ‏أتابع‏ ‏ضيق‏ ‏وتزمت‏ ‏فكرها‏ ‏الديني‏, ‏الذي‏ ‏يبدو‏ ‏في‏ ‏تعارض‏ ‏مع‏ ‏نموها‏ ‏الاقتصادي‏, ‏بل‏ ‏ومع‏ ‏خطاب‏ ‏رئيسها‏ ‏السابق‏, ‏الذي‏ ‏يبدو‏ ‏منفتحا‏, ‏مدنيا‏, ‏بل‏ ‏وليبراليا‏. ‏من‏ ‏نصدق‏: ‏السياسي‏ ‏أم‏ ‏الديني؟

إندونيسا‏ :‏

لم‏ ‏تتح‏ ‏لي‏ ‏ظروف‏ ‏زيارة‏ ‏سياحية‏ ‏لأندونيسيا‏, ‏بل‏ ‏كانت‏ ‏أول‏ ‏زيارة‏ ‏لي‏ ‏في‏ ‏الفترة‏ ‏من‏ 26 ‏أغسطس‏ ‏إلي‏ ‏العاشر‏ ‏من‏ ‏سبتمبر‏ ‏عام‏ 2004 ‏بدعوة‏ ‏من‏ ‏المركز‏ ‏الدولي‏ ‏للإسلام‏ ‏والتعددية‏ International Center for Islam and Pluralism (ICIP) ‏حيث‏ ‏نظم‏ ‏لي‏ ‏المركز‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الأنشطة‏ ‏محاضرات‏, ‏ندوات‏, ‏زيارات‏, ‏مقابلات‏ ‏إعلامية‏, ‏لا‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏ ‏وحدها‏, ‏بل‏ ‏في‏ ‏سنغافورة‏ ‏كذلك‏. ‏قبل‏ ‏هذه‏ ‏الدعوة‏ ‏كان‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏كتبي‏ ‏قد‏ ‏تمت‏ ‏ترجمته‏ ‏إلي‏ ‏اللغة‏ ‏الإندونسية‏, ‏وبالتالي‏ ‏كانت‏ ‏أرائي‏ ‏وأفكاري‏ ‏معروفة‏ ‏علي‏ ‏نطاق‏ ‏واسع‏, ‏لا‏ ‏بفضل‏ ‏الكتب‏ ‏وحدها‏, ‏بل‏ ‏بفضل‏ ‏الطلاب‏ ‏والباحثين‏ ‏الإندونسييين‏ ‏الذين‏ ‏التقيت‏ ‏بهم‏ ‏في‏ ‏هولندا‏ ‏وفي‏ ‏جامعة‏ ‏ليدن‏ ‏علي‏ ‏وجه‏ ‏الخصوص‏ ‏في‏ ‏سياق‏ ‏برنامج‏ ‏التعاون‏ ‏الإندونيسي‏ ‏الهولندي‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏الدراسات‏ ‏الإسلامية‏, ‏والذي‏ ‏كنت‏ ‏وما‏ ‏أزال‏ ‏أحد‏ ‏المشاركين‏ ‏فيه‏ ‏بالإشراف‏ ‏علي‏ ‏رسائل‏ ‏الماجستير‏ ‏والدكتوراه‏. ‏كثير‏ ‏من‏ ‏طلابي‏ ‏صاروا‏ ‏الأن‏ ‏أساتذة‏ ‏في‏ ‏الجامعات‏ ‏والمعاهد‏ ‏العليا‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏. ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الزيارة‏ ‏تعرفت‏ ‏بشكل‏ ‏مباشر‏ ‏علي‏ ‏أهم‏ ‏منظمتين‏ ‏إسلاميتين‏ ‏في‏ ‏إندونسيا‏: ‘‏المحمدية‏’ (‏تأسست‏ ‏عام‏ 1908) ‏و‏’‏نهضة‏ ‏العلماء‏’ (‏تأسست‏ ‏عام‏ 1912 ‏أي‏ ‏قبل‏ ‏تأسيس‏ ‏جماعة‏ ‏الإخوان‏ ‏المسلمين‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏بحوالي‏ ‏ربع‏ ‏قرن‏), ‏والتقيت‏ ‏بقياداتها‏ ‏الحالية‏ ‏والسابقة‏, ‏التقيت‏ ‏بعبد‏ ‏الرحمن‏ ‏واحد‏ ‏الرئيس‏ ‏الأسبق‏ ‏لأندونيسيا‏, ‏والذي‏ ‏أسس‏ ‏جده‏ ‘‏نهضة‏ ‏العلماء‏’, ‏كما‏ ‏التقيت‏ ‏بشباب‏ ‏هاتين‏ ‏المنظمتين‏ ‏في‏ ‏حوارات‏ ‏مفتوحة‏ ‏امتدت‏ ‏لأكثر‏ ‏من‏ ‏ساعتين‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏مرة‏. ‏هذا‏ ‏إلي‏ ‏جانب‏ ‏الأنشطة‏ ‏التي‏ ‏نظمت‏ ‏لي‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏المؤسسات‏ ‏المدنية‏ ‏الناشطة‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏الفكر‏ ‏الديني‏ ‏التحديثي‏, ‏مثل‏ ‘‏شبكة‏ ‏الإسلام‏ ‏الليبرالي‏’ Liberal Islam Network ‏التي‏ ‏عقدت‏ ‏ورشة‏ ‏عمل‏ ‏تحت‏ ‏إشرافي‏ ‏بعنوان‏’‏نقد‏ ‏الخطاب‏ ‏الديني‏’ ‏وبمشاركة‏ ‏عديد‏ ‏من‏ ‏الأساتذة‏ ‏والمفكرين‏ ‏الأندونيسيين‏. ‏من‏ ‏الجدير‏ ‏بالذكر‏ ‏أيضا‏ ‏انني‏ ‏دعيت‏ ‏لإلقاء‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏المحاضرات‏ ‏في‏ ‏مختلف‏ ‏الجامعات‏ ‏في‏ ‏جاكرتا‏ ‏وتشو‏-‏جاكارتا‏, ‏حيث‏ ‏التقيت‏ ‏بالأساتذة‏ ‏والطلاب‏ ‏قبل‏ ‏وبعد‏ ‏المحاضرة‏ ‏في‏ ‏حوارات‏ ‏ودردشات‏ ‏طويلة‏. ‏كان‏ ‏المناخ‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏النشاط‏ ‏مناخ‏ ‏حوار‏ ‏مشبع‏ ‏باحترام‏ ‏وبكرم‏ ‏ضيافة‏ ‏لا‏ ‏ينكر‏.‏

في‏ ‏السابع‏ ‏من‏ ‏سبتمبر‏ ‏تم‏ ‏افتتاح‏ ‘‏مؤسسة‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏ ‏واحد‏ ‏لغرس‏ ‏بذور‏ ‏الإسلام‏ ‏التعددي‏ ‏السلمي‏ ‏
‏The WAHID Institute: seeding Plaural and Peacful Islam’ ‏فدعاني‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏ ‏واحد‏ ‏لإلقاء‏ ‏كلمة‏ ‏في‏ ‏الإفتتاح‏, ‏ثم‏ ‏دعاني‏ ‏لأكون‏ ‏المحاضر‏ ‏الأساسي‏ ‏في‏ ‏ورشة‏ ‏العمل‏ ‏التي‏ ‏عقدت‏ ‏في‏ ‏اليوم‏ ‏التالي‏ ‏عن‏ ‘‏التعددية‏ ‏في‏ ‏الخطاب‏ ‏القرآني‏’. ‏في‏ ‏ورشة‏ ‏العمل‏ ‏تلك‏ ‏صغت‏ ‏عبارة‏ ‘‏الإسلام‏ ‏الإندونيسي‏ ‏الباسم‏’ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏لاحظت‏ ‏أن‏ ‏استقبال‏ ‏الشباب‏ ‏الإندونيسي‏ ‏لملاحظاتي‏ ‏وتعليقاتي‏ ‏النقدية‏ ‏علي‏ ‏مداخلاتهم‏ ‏كانت‏ ‏بالابتسام‏ ‏والضحك‏ ‏من‏ ‏القلب‏ ‏أحيانا‏. ‏صارت‏ ‏هذه‏ ‏العبارة‏ The Indonesian Smiling Islam ‏بمثابة‏ ‏شعار‏ ‏يتكرر‏ ‏دائما‏ ‏في‏ ‏إندونسيا‏ ‏وخارج‏ ‏إندونيسيا‏ (‏لا‏ ‏يذكر‏ ‏بالطبع‏ ‏اسم‏ ‏من‏ ‏صاغه‏ ‏فقد‏ ‏صار‏ ‏القول‏ ‏مثلا‏).‏

لعل‏ ‏أهم‏ ‏هذه‏ ‏الأنشطة‏ ‏في‏ ‏نظري‏ ‏تلك‏ ‏الزيارة‏ ‏التي‏ ‏نظمت‏ ‏لي‏ ‏لقضاء‏ ‏يومين‏ ‏في‏ ‏المعهد‏ ‏العالي‏ ‏للفقه‏ ‏في‏ ‏سيتوبوندو‏ Situbondo ‏شرق‏ ‏جزيرة‏ ‘‏جاوه‏’. ‏هذا‏ ‏المعهد‏ ‏يمثل‏ ‏الصورة‏ ‏الأكثر‏ ‏تطورا‏ ‏للمدارس‏ ‏التقليدية‏ Pesentren, ‏وهي‏ ‏الصورة‏ ‏التي‏ ‏فرضها‏ ‏التطور‏ ‏في‏ ‏نظام‏ ‏التعليم‏ ‏الإندونيسي‏, ‏حيث‏ ‏أحس‏ ‏العلماء‏ ‏بالحاجة‏ ‏إلي‏ ‏إنشاء‏ ‏معهد‏ ‏عال‏ ‏يبدأ‏ ‏فيه‏ ‏الطالب‏ ‏المتخرج‏ ‏من‏ ‏المدرسة‏ ‏التقليدية‏ ‏دراسة‏ ‏الفقه‏ ‏والعلوم‏ ‏الإسلامية‏ ‏بطريقة‏ ‏أكثر‏ ‏تطورا‏ ‏تؤهله‏ ‏للدراسات‏ ‏العليا‏. ‏لا‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏أتحدث‏ ‏عن‏ ‏الطريقة‏ ‏التي‏ ‏استقبلني‏ ‏بها‏ ‏طلاب‏ ‏المعهد‏, ‏فتيات‏ ‏وفتية‏ ‏بملابسهم‏ ‏التقليدية‏ ‏الفقيرة‏ ‏ووجوههم‏ ‏المرهقة‏ ‏التي‏ ‏تكشف‏ ‏عن‏ ‏انتمائهم‏ ‏الاجتماعي‏ ‏استقبلت‏ ‏كأنني‏ ‏أحد‏ ‏شيوخهم‏ ‏الأجلاء‏, ‏وبصعوبة‏ ‏منعتهم‏ ‏من‏ ‏تقبيل‏ ‏يدي‏ ‏أو‏ ‏حمل‏ ‏أغراضي‏, ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏التبرك‏ ‏بلمس‏ ‏ثيابي‏. ‏في‏ ‏البداية‏ ‏بدا‏ ‏لي‏ ‏ذلك‏ ‏غريبا‏ ‏حتي‏ ‏عرفت‏ ‏أن‏ ‏كتابي‏ ‘‏مفهوم‏ ‏النص‏: ‏دراسة‏ ‏في‏ ‏علوم‏ ‏القرآن‏’ ‏يدرس‏ ‏باللغة‏ ‏العربية‏ ‏دون‏ ‏ترجمة‏ ‏مع‏ ‏أنه‏ ‏مترجم‏ ‏إلي‏ ‏الإندونيسية‏ – ‏ضمن‏ ‏مقررات‏ ‏القراءة‏ ‏في‏ ‏مادة‏ ‘‏علوم‏ ‏القرآن‏’. ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المعهد‏ ‏ألقيت‏ ‏عدة‏ ‏محاضرات‏ ‏باللغة‏ ‏العربية‏, ‏وكان‏ ‏النقاش‏ ‏مع‏ ‏الطالبات‏ ‏والطلاب‏ ‏باللغة‏ ‏العربية‏ ‏أيضا‏ (‏طبعا‏ ‏يتحدث‏ ‏الطلاب‏ ‏اللغة‏ ‏الكلاسيكية‏ ‏المكتوبة‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏يتحدثون‏ ‏اللغة‏ ‏الحية‏).‏

للقارئ‏ ‏أن‏ ‏يتخيل‏ ‏شعوري‏ ‏وأنا‏ ‏أري‏ ‏أحد‏ ‏كتبي‏ ‏يدرس‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الجزء‏ ‏من‏ ‏العالم‏ ‏الإسلامي‏, ‏بينما‏ ‏لا‏ ‏تتحمل‏ ‏أي‏ ‏جامعة‏ ‏عربية‏ ‏أن‏ ‏تضم‏ ‏نسخة‏ ‏من‏ ‏إي‏ ‏من‏ ‏كتبي‏ ‏في‏ ‏مكتباتها‏. ‏مكتبة‏ ‘‏جامعة‏ ‏القاهرة‏’, ‏وربما‏ ‏مكتبة‏ ‏كلية‏ ‏الآداب‏ ‏بها‏, ‏استبعدت‏ ‏كتبي‏ ‏من‏ ‏رفوفها‏ ‏بعد‏ ‏صدور‏ ‏الحكم‏ ‏إياه‏. ‏ولم‏ ‏يستطع‏ ‏رئيس‏ ‏الجامعة‏ ‏ولا‏ ‏عميد‏ ‏الكلية‏ ‏آنذاك‏ ‏أن‏ ‏يفسر‏ ‏من‏ ‏اتخذ‏ ‏قرار‏ ‏استبعاد‏ ‏الكتب‏. ‏كان‏ ‏هذان‏ ‏اليومان‏ ‏في‏ ‏المعهد‏ ‏من‏ ‏أهم‏ ‏تجاربي‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏, ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏بسبب‏ ‏هذا‏ ‏اللقاء‏ ‏الحميم‏ ‏مع‏ ‏الطلاب‏ ‏والطالبات‏ ‏باللغة‏ ‏العربية‏, ‏بل‏ ‏بسبب‏ ‏اللقاء‏ ‏بالشيوخ‏ Kiai ‏والنقاش‏ ‏معهم‏. ‏هؤلاء‏ ‏الشيوخ‏ ‏التقليديون‏ ‏الذين‏ ‏التقيت‏ ‏بهم‏ ‏لا‏ ‏يرون‏ ‏أن‏ ‘‏تعدد‏ ‏الزوجات‏’ ‏تشريعا‏ ‏إسلاميا‏, ‏بل‏ ‏يرون‏ ‏إنه‏ ‏تقليد‏ ‏غير‏ ‏إسلامي‏, ‏أي‏ ‏ينتمي‏ ‏إلي‏ ‏تراث‏ ‏سابق‏ ‏علي‏ ‏الإسلام‏, ‏ولكن‏ ‏الإسلام‏ ‏استخدمه‏ ‏لحل‏ ‏مشكلة‏ ‏اليتامي‏, ‏من‏ ‏أجل‏ ‏تحقيق‏ ‏العدل‏ ‏في‏ ‏التعامل‏ ‏معهن‏. ‏هذا‏ ‏كلام‏ ‏لا‏ ‏تسمعه‏ ‏من‏ ‏شيخ‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏العربي‏ ‏إلا‏ ‏قليلا‏.‏

تلك‏ ‏كانت‏ ‏تجربتي‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏ ‏عام‏ 2004. ‏في‏ ‏زيارتي‏ ‏الثانية‏, ‏نوفمبر‏ ‏عام‏ 2007, ‏كنت‏ ‏ضمن‏ ‏وفد‏ ‏جامعة‏ ‏ليدن‏ ‏للمشاركة‏ ‏في‏ ‏مؤتمر‏ ‏عن‏ ‘‏الشباب‏ ‏المسلم‏ ‏وقيادة‏ ‏عملية‏ ‏التطوير‏ ‏والتغيير‏ ‏الاجتماعيين‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏’, ‏وهو‏ ‏نفس‏ ‏موضوع‏ ‏التعاون‏ ‏العلمي‏ ‏بين‏ ‏جامعة‏ ‏ليدن‏ ‏ووزارة‏ ‏الشئون‏ ‏الدينية‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏. ‏إلي‏ ‏جانب‏ ‏عقد‏ ‏المؤتمرات‏ ‏وورش‏ ‏العمل‏ ‏المشتركة‏, ‏يركز‏ ‏المشروع‏ ‏أساسا‏ ‏علي‏ ‏استقدام‏ ‏الطلاب‏ ‏والباحثين‏ ‏والناشطين‏ ‏الاجتماعيين‏ ‏الشباب‏ ‏إلي‏ ‏هولندا‏ ‏للتدريب‏ ‏أو‏ ‏مواصلة‏ ‏دراساتهم‏ ‏الجامعية‏, ‏ماجستير‏ ‏ودكتوراه‏ ‏أو‏ ‏ما‏ ‏بعد‏ ‏الدكتوراه‏. ‏ولقد‏ ‏صمم‏ ‏منظمو‏ ‏برنامج‏ ‏المؤتمر‏ ‏من‏ ‏الجانبين‏ ‏الهولندي‏ ‏والإندونيسي‏ ‏علي‏ ‏إدراج‏ ‏مداخلتي‏ ‏في‏ ‏المحاضرات‏ ‏الافتتاحية‏ ‏العامة‏, ‏أي‏ ‏مع‏ ‏الوزير‏ ‏والمقرر‏ ‏العام‏ ‏للمؤتمر‏, ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏التعليم‏ ‏الديني‏ ‏العالي‏ ‏في‏ ‏الوزارة‏.‏

وصلت‏ ‏إلي‏ ‏إندونيسيا‏ ‏قبل‏ ‏بداية‏ ‏المؤتمر‏ ‏بيومين‏, ‏فإذا‏ ‏بي‏ ‏أتلقي‏ ‏رسالة‏ ‏علي‏ ‏هاتفي‏ ‏النقال‏ ‏تعلن‏ ‏أن‏ ‏مشاركتي‏ ‏في‏ ‏المؤتمر‏ ‏قد‏ ‏صدر‏ ‏قرار‏ ‏بإلغائها‏ ‏بعد‏ ‏مشاورة‏ ‏مع‏ ‏الوزير‏. ‏الموقع‏ ‏علي‏ ‏الرسالة‏ ‏هو‏ ‏المسئول‏ ‏عن‏ ‏التعليم‏ ‏الديني‏. ‏السبب‏ ‏المذكور‏ ‏في‏ ‏الرسالة‏ ‏يوحي‏ ‏بوجود‏ ‏خطر‏ ‏علي‏ ‏حياتي‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏الحضور‏, ‏إذ‏ ‏تنص‏ ‏الرسالة‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏القرار‏ ‘‏حاسم‏ ‏ونهائي‏, ‏وأن‏ ‏الوزارة‏ ‏لا‏ ‏تتحمل‏ ‏أي‏ ‏مسئولية‏’. ‏علي‏ ‏قدر‏ ‏غموض‏ ‏الرسالة‏ ‏علي‏ ‏قدر‏ ‏المفاجأة‏ ‏غير‏ ‏المتوقعة‏, ‏خاصة‏ ‏وأن‏ ‏اسمي‏ ‏كان‏ ‏مدرجا‏ ‏علي‏ ‏لائحة‏ ‏المشاركين‏ ‏منذ‏ ‏ستة‏ ‏أشهر‏ ‏مضت‏. ‏واسمي‏ ‏ما‏ ‏يزال‏ ‏بالمناسبة‏ – ‏حتي‏ ‏هذه‏ ‏اللحظة‏ ‏موجودا‏ ‏في‏ ‏البرنامج‏ ‏المنشور‏ ‏علي‏ ‏صفحة‏ ‏موقع‏ indonesianyoungleaders.org. ‏علم‏ ‏كل‏ ‏أصدقائي‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏ ‏بالأمر‏, ‏فقررنا‏ ‏ألا‏ ‏نخضع‏ ‏لابتزاز‏ ‏التهديد‏ ‏والتخويف‏. ‏انتشر‏ ‏الخبر‏, ‏خاصة‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏عقدت‏ ‏مؤتمرا‏ ‏صحفيا‏ ‏في‏ ‘‏مؤسسة‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏ ‏واحد‏’ ‏في‏ ‏جاكرتا‏ ‏وبحضور‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏ ‏واحد‏ ‏ومشاركته‏. ‏تلا‏ ‏المؤتمر‏ ‏لقاء‏ ‏تليفزيوني‏ ‏وعدة‏ ‏لقاءات‏ ‏صحفية‏. ‏استطاع‏ ‏المجتمع‏ ‏المدني‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏ ‏أن‏ ‏يقول‏ ‏بأعلي‏ ‏صوت‏ ‘‏لا‏’ ‏وأن‏ ‏يسمع‏ ‏كل‏ ‏المسئولين‏ ‏رفضه‏ ‏لخضوع‏ ‏الحكومة‏ ‏لابتزاز‏ ‘‏مجلس‏ ‏علماء‏ ‏إندونيسيا‏’ ‏وهو‏ ‏المجلس‏ ‏الذي‏ ‏أسسه‏ ‏سوهارتو‏ ‏في‏ ‏السبعينيات‏ ‏من‏ ‏القرن‏ ‏الماضي‏ ‏ليكون‏ ‏الهيئة‏ ‏الاستشارية‏ ‏الرسمية‏ ‏في‏ ‏شئون‏ ‏الإسلام‏. ‏كان‏ ‏الغرض‏ ‏الأساسي‏ ‏من‏ ‏إنشاء‏ ‏هذه‏ ‏الهيئة‏ ‏الرسمية‏ ‏سياسيا‏ ‏في‏ ‏الحقيقة‏, ‏قصد‏ ‏من‏ ‏ورائه‏ ‏سوهارتو‏ ‏أن‏ ‏يقلل‏ ‏من‏ ‏تأثير‏ ‏المنظمتين‏ ‏الأكبر‏: ‏نهضة‏ ‏العلماء‏ ‏والمحمدية‏, ‏بسبب‏ ‏معارضتهما‏ ‏الدائمة‏ ‏لنظام‏ ‏حكم‏ ‏سوهارتو‏. ‏تتكون‏ ‏هذه‏ ‏الهيئة‏ ‏من‏ ‏مجلس‏ ‏قومي‏ ‏ومجالس‏ ‏محلية‏. ‏يقال‏ ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏أعضاء‏ ‏المجلس‏ ‏المحلي‏ ‏لمدينة‏ ‘‏مالنج‏’ Malng ‏التي‏ ‏عقد‏ ‏بها‏ ‏المؤتمر‏, ‏شرق‏ ‏جزيرة‏ ‏جاوه‏, ‏هم‏ ‏الذين‏ ‏اعترضوا‏ ‏علي‏ ‏مشاركتي‏ ‏في‏ ‏المؤتمر‏.‏

ما‏ ‏هي‏ ‏الأسباب‏: ‏إن‏ ‏أفكار‏ ‏نصر‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏عن‏ ‏القرآن‏ ‏أفكار‏ ‏تتعارض‏ ‏مع‏ ‏ما‏ ‏يقوله‏ ‏العلماء‏ ‏فهو‏ ‏يري‏ ‏أن‏ ‏القرآن‏ ‘‏منتج‏ ‏ثقافي‏’. ‏هذا‏ ‏أولا‏.‏

ثانيا‏: ‏إنه‏ ‏يستخدم‏ ‏مفاهيم‏ ‏غربية‏ ‏استشراقية‏ ‏مثل‏ ‏الهرمنيوطيقا‏ ‏في‏ ‏دراسة‏ ‏القرآن‏.‏

ثالثا‏: ‏إن‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏الباحثين‏ ‏الشباب‏ ‏قد‏ ‏تأثروا‏ ‏بأفكاره‏, ‏وهذا‏ ‏يمثل‏ ‏خطرا‏ ‏علي‏ ‏الإسلام‏ ‏والدراسات‏ ‏الإسلامية‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏.‏

رابعا‏: ‏إن‏ ‏الإعلام‏ ‏يحتفي‏ ‏به‏ ‏وبأفكاره‏, ‏فكثيرا‏ ‏ما‏ ‏يتم‏ ‏الاستشهاد‏ ‏بآرائه‏ ‏وأفكاره‏ ‏في‏ ‏المؤتمرات‏ ‏والمحافل‏ ‏العلمية‏ ‏في‏ ‏إندونيسيا‏.‏

بالطبع‏ ‏رددت‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الادعاءات‏ ‏في‏ ‏الحوارات‏ ‏التي‏ ‏عقدت‏ ‏معي‏, ‏وقد‏ ‏تم‏ ‏نشر‏ ‏هذه‏ ‏الحوارات‏ ‏كلها‏. ‏وليس‏ ‏من‏ ‏نافلة‏ ‏القول‏ ‏أن‏ ‏أقول‏ ‏إن‏ ‏ترديد‏ ‏هذه‏ ‏الادعاءت‏ ‏يقوم‏ ‏علي‏ ‏حالة‏ ‏مفزعة‏ ‏من‏ ‘‏الجهل‏’ ‏بكتاباتي‏, ‏هذا‏ ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏التناقض‏ ‏بين‏ ‏حقيقة‏ ‏إرسال‏ ‏الطلاب‏ ‏إلي‏ ‏ليدن‏ ‏للدراسة‏, ‏مع‏ ‏العلم‏ ‏التام‏ ‏بأن‏ ‏بعضهم‏ ‏قد‏ ‏تخرج‏ ‏تحت‏ ‏إشرافي‏ ‏وبين‏ ‘‏الفزع‏’ ‏من‏ ‏محاضرة‏ ‏كنت‏ ‏سألقيها‏, ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏نصها‏ ‏متاحا‏ ‏للسادة‏ ‏العلماء‏, ‏ولا‏ ‏للوزير‏ ‏أو‏ ‏مساعده‏. ‏بالمناسبة‏, ‏ورغم‏ ‏ضيق‏ ‏الوقت‏, ‏تم‏ ‏ترتيب‏ ‏محاضرة‏ ‏لي‏ ‏في‏ ‘‏تشوجاكارتا‏’ ‏العاصمة‏ ‏الأكاديمية‏ ‏لإندونيسيا‏, ‏حيث‏ ‏جاكارتا‏ ‏هي‏ ‏العاصمة‏ ‏السياسية‏ ‏والتجارية‏ ‏حضرها‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏مائتي‏ ‏شاب‏ ‏وشابة‏. ‏كان‏ ‏الموضوع‏ ‏هو‏ ‘‏الحرية‏’, ‏استمر‏ ‏الحوار‏ ‏مع‏ ‏هؤلاء‏ ‏الشباب‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏ساعتين‏ ‏بعد‏ ‏المحاضرة‏, ‏التي‏ ‏تناولت‏ ‏فيها‏ ‏موضوع‏ ‏الحرية‏ ‏من‏ ‏كافة‏ ‏الجوانب‏, ‏بدءا‏ ‏من‏ ‏حرية‏ ‏الفرد‏ ‏في‏ ‏ترتيب‏ ‏حياته‏ ‏إلي‏ ‏الحرية‏ ‏الدينية‏ ‏مرورا‏ ‏بالحرية‏ ‏السياسية‏ ‏والاجتماعية‏, ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏حرية‏ ‏الفكر‏ ‏وحق‏ ‏التعبير‏ … ‏الخ‏.‏

يبقي‏ ‏السؤال‏ ‏مفتوحا‏: ‏ما‏ ‏سر‏ ‏هذا‏ ‏الفزع‏ ‏من‏ ‏الفكر‏ ‏النقدي‏, ‏والتحليل‏ ‏التاريخي‏ ‏للدين‏ ‏وللفكر‏ ‏الديني‏, ‏وما‏ ‏نتائج‏ ‏هذا‏ ‏الفزع‏ ‏الذي‏ ‏يصل‏ ‏إلي‏ ‏حد‏ ‘‏العصاب‏’‏؟‏ ‏يبدو‏ ‏الأمر‏ ‏وكأنه‏ ‏مرض‏ ‏عضال‏ ‏لا‏ ‏شفاء‏ ‏منه‏ ‏إذا‏ ‏ظل‏ ‏الحال‏ ‏كما‏ ‏هو‏ ‏عليه‏. ‏والحال‏ ‏هو‏ ‏الزواج‏ ‏الكاثوليكي‏ ‏بين‏ ‏الحكومات‏ ‏والعلماء‏: ‏تحتاج‏ ‏الحكومات‏ ‏تأييد‏ ‏العلماء‏ ‏لاكتساب‏ ‏شرعية‏ ‏مفتقدة‏ ‏سياسيا‏ ‏واجتماعيا‏, ‏ويحتاج‏ ‏العلماء‏ ‏لدعم‏ ‏الحكومات‏ ‏كي‏ ‏تبقي‏ ‏قبضتهم‏ ‏علي‏ ‏رقاب‏ ‏الناس‏. ‏وينسي‏ ‏الجميع‏ ‏أن‏ ‏رياح‏ ‏العولمة‏ ‏الكاسحة‏ ‏ستذرو‏ ‏كل‏ ‏شيء‏ ‏في‏ ‏طريقها‏, ‏وما‏ ‏لم‏ ‏يتسلح‏ ‏الناس‏ ‏بالمعرفة‏ ‏والوعي‏.‏

العولمة‏ ‏وإله‏ ‏السوق‏ :‏

إن‏ ‏وصف‏ ‏قوانين‏ ‏السوق‏ ‏في‏ ‏إطار‏ ‘‏العولمة‏’ ‏بأنها‏ ‏قوانين‏ ‏يفرضها‏ ‏إله‏ ‏جديد‏ ‏اسمه‏ ‘‏السوق‏’ ‏ليس‏ ‏مجرد‏ ‏تعبير‏ ‏مجازي‏ ‏من‏ ‏صياغتي‏ ‏الشخصية‏, ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‘‏وصف‏’ ‏كاشف‏ ‏للمستور‏ ‏والمسكوت‏ ‏عنه‏ ‏في‏ ‏خطاب‏ ‘‏العولمة‏’ ‏السياسي‏ ‏والثقافي‏. ‏في‏ ‏الخطاب‏ ‏السياسي‏ ‏بشرنا‏ ‏البعض‏ ‏أعني‏ ‘‏فوكوياما‏’- ‏بنهاية‏ ‏التاريخ‏ ‏وانتهاء‏ ‏عصر‏ ‏الإيديولوجيات‏. ‏ومفهوم‏ ‘‏نهاية‏ ‏التاريخ‏’ ‏مفهوم‏ ‏ديني‏ ‏بامتياز‏, ‏بمعني‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏الأديان‏ ‏في‏ ‏مرحلة‏ ‏انبثاقها‏ ‏علي‏ ‏الأقل‏ ‏تنطلق‏ ‏من‏ ‏الزعم‏ ‏بأنها‏ ‏البشارة‏ ‏الأخيرة‏ ‏بخلاص‏ ‏البشر‏ ‏من‏ ‏عذابهم‏ ‏ومعاناتهم‏. ‏هكذا‏ ‏يبشرنا‏ ‘‏فوكوياما‏’ ‏أن‏ ‏التاريخ‏ ‏قد‏ ‏وصل‏ ‏إلي‏ ‏رحلته‏ ‏الأخيرة‏ ‏واستقر‏, ‏ولم‏ ‏يعد‏ ‏أمام‏ ‏البشر‏ ‏كل‏ ‏البشر‏- ‏من‏ ‏سبيل‏ ‏إلا‏ ‏الراحة‏ ‏في‏ ‏جنة‏ ‘‏الرأسمالية‏’ ‏والتمتع‏ ‏بنعيم‏ ‘‏الديمقراطية‏’ ‏علي‏ ‏النمط‏ ‘‏الأمريكي‏’. ‏لكن‏ ‏بشارة‏ ‘‏فوكوياما‏’ ‏ظلت‏ ‏في‏ ‏إطار‏ ‘‏الإيديولوجيا‏’ ‏ولم‏ ‏ترق‏ ‏أبدا‏ ‏إلي‏ ‏مستوي‏ ‘‏اليوتوبيا‏’ ‏الدينية‏, ‏وما‏ ‏يرتبط‏ ‏بها‏ ‏من‏ ‏مفاهيم‏ ‏مثل‏ ‏اقتراب‏ ‏يوم‏ ‘‏الدينونة‏ ‏
والحساب‏’, ‏الذي‏ ‏فيه‏ ‏يتحقق‏ ‏العدل‏ ‏المطلق‏ ‏تعويضا‏ ‏لمن‏ ‏أصابهم‏ ‏الضيم‏ ‏والظلم‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الحياة‏. ‏ليس‏ ‏في‏ ‏دين‏ ‘‏العولمة‏’ ‏تعويض‏ ‏قادم‏ ‏في‏ ‏عالم‏ ‏آخر‏, ‏ليس‏ ‏فيه‏ ‏أي‏ ‏عزاء‏ ‏ولو‏ ‏محتمل‏ ‏للضعفاء‏ ‏والمنكسرين‏.‏

ولأن‏ ‘‏الإيديولوجيا‏’ ‏لا‏ ‏تكف‏ ‏عن‏ ‏إعادة‏ ‏إنتاج‏ ‏نفسها‏ ‏فقد‏ ‏تطورت‏ ‘‏بشارة‏’ ‏فوكويوما‏, ‏التي‏ ‏تبدو‏ ‏علي‏ ‏السطح‏ ‏متفائلة‏, ‏إلي‏ ‘‏نبوءة‏’ ‏سوداوية‏ ‏متشائمة‏ ‏عند‏ ‘‏هاتنجتون‏’ ‏في‏ ‏مفهوم‏ ‘‏صراع‏ ‏الحضارات‏’. ‏لكن‏ ‏أية‏ ‏حضارات‏ ‏تلك‏ ‏التي‏ ‏تنبأ‏ ‘‏هاتنجتون‏’ ‏أن‏ ‏الصراع‏ ‏بينها‏ ‏سيكون‏ ‏سمة‏ ‏القرن‏ ‏الحادي‏ ‏والعشرين؟‏ ‏إنها‏ ‏كل‏ ‏الحضارات‏ ‏القديمة‏ ‏التي‏ ‏حلت‏ ‏محلها‏ ‏حضارة‏ ‘‏الغرب‏’ ‏الحديثة‏, ‏إنها‏ ‏حضارات‏ ‘‏آسيا‏’ ‏الصين‏ ‏واليابان‏ ‏علي‏ ‏وجه‏ ‏الخصوص‏- ‏و‏’‏أفريقيا‏’ ‏و‏’‏الإسلام‏’ ‏تحديدا‏. ‏لم‏ ‏يقل‏ ‘‏هاتنجتون‏’ ‏شيئا‏ ‏عن‏ ‘‏الأصولية‏ ‏المسيحية‏’ ‏في‏ ‏أمريكا‏ ‏نفسها‏, ‏ولم‏ ‏يذكر‏ ‏كلمة‏ ‏واحدة‏ ‏عن‏ ‘‏الأصولية‏ ‏اليهودية‏’ ‏في‏ ‘‏إسرائيل‏’, ‏وكلتا‏ ‏الأصوليتين‏ ‏تستعيدان‏ ‏بهاءهما‏ ‏ومجدهما‏ ‏في‏ ‏عداء‏ ‏واضح‏ ‏لقيم‏ ‘‏الحداثة‏’ ‏وعلمانيتها‏. ‏لم‏ ‏يذكر‏ ‘‏هاتنجتون‏’ ‏شيئا‏ ‏من‏ ‏تفاصيل‏ ‏المشهد‏ ‏لأنه‏ ‏كان‏ ‏مشغولا‏ ‏بأمر‏ ‏واحد‏ ‏محدد‏: ‏خلق‏ ‏عدو‏ ‘‏جديد‏’, ‏يحل‏ ‏محل‏ ‘‏الشيطان‏ ‏الأحمر‏’, ‏وليكن‏ ‘‏العدو‏ ‏الجديد‏’ ‏شيطانا‏ ‘‏أصفر‏’ ‏أو‏ ‘‏أخضر‏’ ‏أو‏ ‏شيطانا‏ ‏بلا‏ ‏لون‏, ‏فالهام‏ ‏أن‏ ‏يقوم‏ ‘‏الشيطان‏’ ‏بدور‏ ‘‏القناع‏’ ‏الديني‏ ‏لإبراز‏ ‏وجه‏ ‘‏المخلص‏’ ‏الأمريكي‏ ‏خصوصا‏ ‏و‏’‏الغربي‏’ ‏علي‏ ‏وجه‏ ‏العموم‏.‏

هكذا‏ ‏تطرح‏ ‘‏العولمة‏’ ‏نفسها‏ ‏سياسيا‏ ‏وثقافيا‏ ‏وحضاريا‏ ‏بوصفها‏ ‘‏الدين‏’ ‏الأخير‏, ‏الدين‏ ‏الذي‏ ‏يمثل‏ ‏فيه‏ ‘‏السوق‏’ ‏وشريعته‏ ‏الإله‏ ‏الجديد‏ ‏المسلح‏ ‏بأداة‏ ‘‏القوة‏’ ‏التي‏ ‏لا‏ ‏تقهر‏ ‏أبدا‏, ‏ويستحيل‏ ‏علي‏ ‏البشر‏ ‏مقاومتها‏ ‏أو‏ ‏التفكير‏ ‏مجرد‏ ‏التفكير‏- ‏في‏ ‏التصدي‏ ‏لجبروتها‏. ‏إنها‏ ‏قوة‏ ‏قادرة‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏شيء‏, ‏فسلاحها‏ ‏المال‏ ‏والعلم‏ ‏والسلاح‏, ‏إنها‏ ‏القوة‏ ‏التي‏ ‏تنتهك‏ ‏بسهولة‏ ‏فائقة‏ ‏كل‏ ‏الخصوصيات‏. ‏أدوات‏ ‏هذا‏ ‏الدين‏ ‏للسيطرة‏ ‏هي‏ ‘‏حرية‏ ‏التجارة‏ ‏وتدفق‏ ‏المعلومات‏’, ‏ومواعظه‏ ‏هي‏: ‘‏الديمقراطية‏’ ‏و‏’‏حقوق‏ ‏الإنسان‏’ ‏علي‏ ‏المقاس‏ ‏الغربي‏ ‏الأمريكي‏ ‏بصفة‏ ‏خاصة‏.‏

أليس‏ ‏من‏ ‏الطبيعي‏, ‏وقد‏ ‏صارت‏ ‘‏العولمة‏’ ‏دينا‏, ‏أن‏ ‏يسعي‏ ‏البشر‏ ‏لمقاومة‏ ‏هذا‏ ‘‏الدين‏’ ‏الجديد‏, ‏والتصدي‏ ‏للاهوته‏ ‏المضمر‏, ‏باستدعاء‏ ‘‏الدين‏’ ‏في‏ ‏كل‏ ‏الثقافات‏ ‏بلا‏ ‏استثناء‏, ‏حتي‏ ‏داخل‏ ‏المجتمعات‏ ‏التي‏ ‏صنعت‏ ‘‏الحداثة‏’, ‏أليست‏ ‏الأديان‏ ‏التي‏ ‏جربتها‏ ‏البشرية‏ ‏خيرا‏ ‏ألف‏ ‏مرة‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الدين‏ ‏الجديد‏, ‏دين‏ ‏العولمة‏ ‏إن‏ ‘‏آلهة‏’ ‏الأديان‏ ‏التي‏ ‏عرفتها‏ ‏البشرية‏ ‏علي‏ ‏امتداد‏ ‏تاريخها‏ ‏الطويل‏ ‏ليست‏ ‏في‏ ‏قسوة‏ ‏وفظاظة‏ ‏إله‏ ‘‏العولمة‏’ ‏السوق‏- ‏لأنها‏ ‏علي‏ ‏الأقل‏ ‏تجمع‏ ‏بين‏ ‏صفات‏ ‏القوة‏ ‏والقسوة‏ ‏و‏’‏الجلال‏’ ‏من‏ ‏جهة‏, ‏وبين‏ ‏صفات‏ ‘‏الجمال‏’ ‏والرحمة‏ ‏من‏ ‏جهة‏ ‏أخري‏. ‏علي‏ ‏العكس‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏ليس‏ ‏في‏ ‏صفات‏ ‏إله‏ ‏العولمة‏ ‏جمال‏ ‏أو‏ ‏رحمة‏, ‏إنه‏ ‏إله‏ ‏قد‏ ‏من‏ ‏قوانين‏ ‏صارمة‏ ‏صنعها‏ ‏الأقوياء‏, ‏إنه‏ ‏تجسيد‏ ‏سياسي‏ ‏واجتماعي‏ ‏واقتصادي‏ ‏وثقافي‏ ‏لأسطورة‏ ‏مصاص‏ ‏الدماء‏ ‘‏داركيولا‏’ ‏مع‏ ‏فارق‏ ‏أساسي‏ ‏أن‏ ‏مصاص‏ ‏الدماء‏ ‏في‏ ‏الأسطورة‏ ‏لا‏ ‏ينشط‏ ‏إلا‏ ‏ليلا‏ ‏ليتصيد‏ ‏ضحاياه‏, ‏بينما‏ ‏إله‏ ‏العولمة‏ ‏نشط‏ ‏أبدا‏ ‏علي‏ ‏مدي‏ ‏الأربع‏ ‏وعشرين‏ ‏ساعة‏ ‘‏الكونية‏’, ‏حيث‏ ‏لا‏ ‏تمييز‏ ‏بين‏ ‏ليل‏ ‏أو‏ ‏نهار‏ ‏أو‏ ‏بين‏ ‏نوم‏ ‏أو‏ ‏يقظة‏.‏

فارق‏ ‏آخر‏ ‏لا‏ ‏بد‏ ‏من‏ ‏الإشارة‏ ‏إليه‏ ‏بين‏ ‏إله‏ ‏الأسطورة‏ ‏مصاص‏ ‏الدماء‏- ‏وبين‏ ‏مصاص‏ ‏الدماء‏ ‏العيني‏ ‘‏إله‏ ‏السوق‏’. ‏كان‏ ‏مجرد‏ ‏تركيز‏ ‏حزمة‏ ‏من‏ ‏الضوء‏ ‏أو‏ ‏رفع‏ ‏علامة‏ ‘‏الصليب‏’ ‏كافيا‏ ‏لدفع‏ ‏مصاص‏ ‏الدماء‏ ‏في‏ ‏الأسطورة‏ ‏للهرب‏. ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏قتله‏ ‏يحتاج‏ ‏لأكثر‏ ‏من‏ ‏دق‏ ‏وتد‏ ‏خشبي‏ ‏في‏ ‏صدره‏. ‏مصاص‏ ‘‏العولمة‏’, ‏علي‏ ‏الجانب‏ ‏الآخر‏, ‏لا‏ ‏تخيفه‏ ‏كل‏ ‏أضواء‏ ‏العالم‏ ‏ولا‏ ‏تصيبه‏ ‏كل‏ ‏الصلبان‏ ‏بدوار‏ ‏ولو‏ ‏خفيف‏.‏

لقد‏ ‏استوعب‏ ‏مصاص‏ ‏الدماء‏ ‏الجديد‏ ‏تجربة‏ ‏سلفه‏ ‏في‏ ‏الأسطورة‏, ‏فصار‏ ‏هو‏ ‏صانع‏ ‏الأنوار‏ ‏ومنتج‏ ‏الصلبان‏ ‏فكيف‏ ‏يخاف‏ ‏منها‏, ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏أنه‏ ‏إله‏ ‏العولمة‏- ‏مثل‏ ‏سلفه‏ ‏قادر‏ ‏علي‏ ‏إعادة‏ ‏إنتاج‏ ‏نفسه‏ ‏في‏ ‏أشكال‏ ‏وصيغ‏ ‏وملامح‏ ‏لا‏ ‏تخلو‏ ‏من‏ ‏جاذبية‏. ‏إنه‏ ‘‏شيطان‏’ ‏لا‏ ‏تؤثر‏ ‏فيه‏ ‏التراتيل‏ ‏ولا‏ ‏عبارات‏ ‏الاستعاذة‏ ‏ولا‏ ‏الآيات‏ ‏القرآنية‏. ‏وهكذا‏ ‏تصبح‏ ‏دعوات‏ ‘‏العودة‏ ‏إلي‏ ‏الدين‏’ ‏في‏ ‏كل‏ ‏الثقافات‏ ‏مسيحية‏ ‏ويهودية‏ ‏وإسلامية‏ ‏وبوذية‏ ‏وكونفوشيوسية‏.. ‏الخ‏- ‏أشبه‏ ‏بمحاولات‏ ‏استخدام‏ ‘‏الصليب‏’ ‏أو‏ ‏تلاوة‏ ‘‏التعاويذ‏’ ‏لمقاومة‏ ‏شر‏ ‏الشيطان‏ ‏الجديد‏, ‏إله‏ ‏العولمة‏. ‏إنها‏ ‏أسلحة‏ ‏قديمة‏ ‏تحصن‏ ‏الإله‏ ‏الجديد‏ ‏ضدها‏ ‏مستوعبا‏ ‏إياها‏ ‏في‏ ‏بنية‏ ‏لاهوته‏. ‏ليس‏ ‏معني‏ ‏ذلك‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏سبيل‏ ‏لمناجزة‏ ‏الشيطان‏ ‏بأسلحة‏ ‏دينية‏, ‏بل‏ ‏إن‏ ‏سبيل‏ ‏المنازلة‏ ‏الممكن‏ ‏لا‏ ‏يكفي‏ ‏فيه‏ ‏استخدام‏ ‏الأسلحة‏ ‏الدينية‏ ‏التقليدية‏, ‏بل‏ ‏لا‏ ‏بد‏ ‏من‏ ‏شحذ‏ ‏أسلحة‏ ‏دينية‏ ‏لم‏ ‏يتحصن‏ ‏ضدها‏ ‏إله‏ ‘‏العولمة‏’ ‏بعد‏.‏

لا‏ ‏ينبغي‏ ‏أن‏ ‏ننخدع‏ ‏بالتطابق‏ ‏الذي‏ ‏سربه‏ ‘‏هاتنجتون‏’ ‏في‏ ‏خطابه‏ ‏بين‏ ‘‏الأديان‏’ ‏و‏’‏الحضارات‏’, ‏فجعل‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‘‏دين‏’ ‏حضارة‏ ‏مستقلة‏ ‏متميزة‏, ‏بهدف‏ ‏إبراز‏ ‏حضارة‏ ‏الغرب‏, ‏لا‏ ‏بوصفها‏ ‏بناء‏ ‏تركيبيا‏ ‏للحضارات‏ ‏الإنسانية‏, ‏ومجرد‏ ‏محطة‏ ‏من‏ ‏محطاتها‏. ‏أراد‏ ‘‏هاتنجتون‏’ ‏أن‏ ‏يجعل‏ ‏من‏ ‏حضارة‏ ‏الغرب‏ ‘‏نهاية‏ ‏التاريخ‏’, ‏وأراد‏ ‏أن‏ ‏يجعل‏ ‏من‏ ‘‏الثقافات‏’ ‏و‏’‏الأديان‏’ ‏التي‏ ‏أصر‏ ‏علي‏ ‏اعتبارها‏ ‏حضارات‏- ‏خطرا‏ ‏علي‏ ‏الإنسانية‏. ‏وحين‏ ‏استبعد‏ ‏من‏ ‏تحليله‏ ‏الأصوليتين‏ ‏المسيحية‏ ‏واليهودية‏ ‏من‏ ‏دائرة‏ ‘‏الأديان‏’ ‏الخطرة‏ ‏كشف‏ ‏عن‏ ‘‏الإيديولوجيا‏’ ‏الدينية‏ ‏المقنعة‏ ‏بقناع‏ ‏سياسي‏. ‏لا‏ ‏يختلف‏ ‏خطاب‏ ‘‏هاتنجتون‏’ ‏هنا‏ ‏عن‏ ‏خطاب‏ ‏المتعصبين‏ ‏المسلمين‏ ‏إلا‏ ‏في‏ ‏بنيته‏ ‏السطحية‏ ‏فقط‏.‏

ماذا‏ ‏عن‏ ‏خطاب‏ ‏الكنيسة‏ ‏المسيحية‏ ‏الغربية‏ ‏ممثلة‏ ‏في‏ ‘‏الفاتيكان‏’ ‏وإلي‏ ‏أي‏ ‏مدي‏ ‏يعتبر‏ ‏خطاب‏ ‏الفاتيكان‏ ‏الديني‏ ‏صدي‏ ‏لخطاب‏ ‘‏العولمة‏’ ‏السياسي‏ ‏الثقافي؟‏ ‏من‏ ‏اللافت‏ ‏للنظر‏ ‏والجدير‏ ‏بالإشارة‏ ‏أن‏ ‘‏الفاتيكان‏’ ‏رغم‏ ‏اعترافه‏ ‏منذ‏ ‏الستينات‏ ‏في‏ ‏وثائقه‏ ‏البابوية‏ ‏الرسمية‏ ‏بالإسلام‏ ‏دينا‏ ‏إلهيا‏, ‏فإن‏ ‏الاعتراف‏ ‏بنبوة‏ ‘‏محمد‏’ ‏أمر‏ ‏غائب‏ ‏تماما‏. ‏لا‏ ‏يكاد‏ ‏اسم‏ ‘‏محمد‏’ ‏عليه‏ ‏السلام‏ ‏يذكر‏ ‏في‏ ‏الوثائق‏ ‏الرسمية‏ ‏للفاتيكان‏ ‏ولا‏ ‏في‏ ‏الخطب‏ ‏البابوية‏ ‏الكثيرة‏. ‏تعترف‏ ‘‏المسيحية‏’ ‏باليهودية‏ ‏وتعترف‏ ‏بالقطع‏ ‏بنبوة‏ ‘‏موسي‏’ ‏عليه‏ ‏السلام‏, ‏وهذا‏ ‏أمر‏ ‏تفرضه‏ ‏حقائق‏ ‏التاريخ‏ ‏الديني‏. ‏ومن‏ ‏الطبيعي‏ ‏كذلك‏ ‏وقد‏ ‏اندمجت‏ ‏التوراة‏ ‏والأناجيل‏ ‏في‏ ‏بنية‏ ‘‏الكتاب‏ ‏المقدس‏’ ‏أن‏ ‏تصبح‏ ‏اليهودية‏ ‏جزءا‏ ‏من‏ ‏التراث‏ ‏المسيحي‏. ‏وهو‏ ‘‏اندماج‏’ ‏من‏ ‏طرف‏ ‏واحد‏, ‏أي‏ ‏أن‏ ‏اليهودية‏ ‏لا‏ ‏تقر‏ ‏بالمسيحية‏ ‏دينا‏ ‏ولا‏ ‏تعترف‏ ‏بنبوة‏ ‏عيسي‏ ‏عليه‏ ‏السلام‏. ‘‏الإسلام‏’ ‏هو‏ ‏الدين‏ ‏الجامع‏, ‏أي‏ ‏الدين‏ ‏الذي‏ ‏لا‏ ‏يستبعد‏ ‏أيا‏ ‏من‏ ‏اليهودية‏ ‏أو‏ ‏المسيحية‏, ‏ويقر‏ ‏بنبوة‏ ‘‏موسي‏’ ‏و‏’‏عيسي‏’ ‏عليهما‏ ‏السلام‏ ‏ويعتبر‏ ‏الاعتراف‏ ‏بهما‏ ‏وتوقيرهما‏ ‏واجبا‏ ‏دينيا‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏فرد‏ ‏مسلم‏. ‏لنعترف‏ ‏إذن‏ ‏أن‏ ‏الدافع‏ ‏ليس‏ ‏تسامح‏ ‏المسلمين‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏حقيقة‏ ‏أن‏ ‏الإسلام‏ ‏هو‏ ‏الدين‏ ‏التالي‏ ‏زمانيا‏. ‏وهنا‏ ‏لا‏ ‏بد‏ ‏من‏ ‏فتح‏ ‏قوس‏: ‏أنا‏ ‏أنطلق‏ ‏هنا‏ ‏من‏ ‏التحليل‏ ‏التاريخي‏ ‏دون‏ ‏ادعاء‏ ‏أي‏ ‏مفهوم‏ ‏للحقيقة‏ ‏المطلقة‏, ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏أعلنته‏ ‏علنا‏ ‏في‏ ‏حواري‏ ‏علي‏ ‏قناة‏ ‘‏الجزيرة‏ ‏مباشرة‏’ ‏يوم‏ 15 ‏نوفمبر‏ 2007. ‏انتهي‏ ‏القوس‏.‏

الدكتور علي مبروك كدرس الفلسفة بجامعة القاهرة وطالباته الاندونيسيات

الدكتور علي مبروك كدرس الفلسفة بجامعة القاهرة وطالباته الاندونيسيات

ورغم‏ ‏كل‏ ‏الصياغات‏ ‏النبيلة‏ ‏لحوار‏ ‏الأديان‏ ‏وحوار‏ ‏الحضارات‏, ‏فعلينا‏ ‏من‏ ‏منظور‏ ‏لاهوتي‏/‏سياسي‏ ‏ألا‏ ‏نتوقع‏ ‏من‏ ‘‏الفاتيكان‏’ ‏أن‏ ‏يتعامل‏ ‏مع‏ ‘‏الإسلام‏’ ‏كما‏ ‏يتعامل‏ ‏مع‏ ‘‏اليهودية‏’, ‏ولا‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏تصيبنا‏ ‏حالة‏ ‏من‏ ‘‏الفزع‏’ ‏حين‏ ‏يعتذر‏ ‏الفاتيكان‏ ‏لليهود‏ ‏عن‏ ‏الاضطهاد‏ ‏الذي‏ ‏أصابهم‏ ‏ولا‏ ‏يعتذر‏ ‏للمسلمين‏ ‏عن‏ ‏جرائم‏ ‘‏الحروب‏ ‏الصليبية‏’. ‏إن‏ ‏الاعتراف‏ ‏الكامل‏ ‏بالإسلام‏ ‏دينا‏ ‏وبمحمد‏ ‏عليه‏ ‏السلام‏ ‏نبيا‏ ‏يهدم‏ ‏البناء‏ ‏اللاهوتي‏ ‏للكنيسة‏ ‏من‏ ‏أساسه‏, ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏السبب‏ ‘‏الكامن‏’ ‏وراء‏ ‏ما‏ ‏يبدو‏ ‏انحيازا‏ ‏غير‏ ‏مفهوم‏ ‏ضد‏ ‏الإسلام‏ ‏والمسلمين‏. ‏لكن‏ ‏علينا‏ ‏إلا‏ ‏نفصل‏ ‘‏اللاهوت‏’ ‏عن‏ ‏السياسة‏ ‏والاقتصاد‏, ‏أي‏ ‏عن‏ ‏التاريخ‏ ‏والمصالح‏. ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏هذا‏ ‏التاريخ‏ ‏وعلي‏ ‏أرض‏ ‏المصالح‏ ‏أمكن‏ ‏للفاتيكان‏ ‏أن‏ ‏يميز‏ ‏بين‏ ‏يهود‏ ‏اليوم‏ ‏ويهود‏ ‘‏الناصرة‏’ ‏زمن‏ ‏المسيح‏ ‏عليه‏ ‏السلام‏, ‏فبرأ‏ ‏يهود‏ ‘‏اليوم‏’ ‏من‏ ‏دم‏ ‏المسيح‏ ‏عليه‏ ‏السلام‏ ‏وأصدر‏ ‏وثيقته‏ ‏بذلك‏. ‏لكنه‏ ‏ومن‏ ‏علي‏ ‏أرض‏ ‏المصالح‏, ‏التي‏ ‏تجمع‏ ‏تاريخ‏ ‏الكنيسة‏ ‏والفات
يكان‏ ‏بتاريخ‏ ‏الاستعمار‏ ‏منذ‏ ‏القرن‏ ‏الثامن‏ ‏عشر‏, ‏لم‏ ‏يفصل‏ ‏بين‏ ‏يهود‏ ‘‏اليوم‏’ ‏ويهود‏ ‏التاريخ‏, ‏فأصبح‏ ‏الحق‏ ‏التاريخي‏ ‏لليهود‏ ‏في‏ ‏فلسطين‏ ‏عامة‏ ‏وفي‏ ‘‏القدس‏’ ‏خاصة‏ ‏قضية‏ ‏مسلما‏ ‏بها‏. ‏هل‏ ‏نطالب‏ ‘‏الفاتيكان‏’ ‏بالاتساق‏ ‏مع‏ ‏نفسه‏, ‏فإما‏ ‏أن‏ ‏يلغي‏ ‏وثيقة‏ ‏تبرئة‏ ‏اليهود‏ ‏من‏ ‏دم‏ ‏المسيح‏, ‏وإما‏ ‏أن‏ ‏يعلن‏ ‏أن‏ ‏يهود‏ ‏اليوم‏ ‏الذين‏ ‏لم‏ ‏يقتلوا‏ ‏المسيح‏ – ‏لا‏ ‏حق‏ ‏تاريخيا‏ ‏لهم‏ ‏ولا‏ ‏حق‏ ‏سياسيا‏ ‏ولا‏ ‏دينيا‏ ‏لا‏ ‏في‏ ‏فلسطين‏ ‏ولا‏ ‏في‏ ‏القدس

هل‏ ‏يمكن‏ ‏الآن‏ ‏أن‏ ‏نفهم‏ ‏أن‏ ‏للانحياز‏ ‏ضد‏ ‏المسلمين‏ ‏والعرب‏ ‏أسبابا‏ ‏أعمق‏ ‏من‏ ‏مجرد‏ ‘‏الخوف‏ ‏من‏ ‏الإسلام‏’ ‏وهل‏ ‏آن‏ ‏الأوان‏ ‏أن‏ ‏ندرك‏ ‏أن‏ ‘‏الفزع‏ ‏من‏ ‏الإسلام‏’ ‏حالة‏ ‏منشؤها‏ ‏العالم‏ ‏الإسلامي‏ ‏في‏ ‏ارتباكه‏ ‏التاريخي‏, ‏لكنها‏ ‏حالة‏ ‏أعطت‏ ‏مبررا‏ ‏ليصوغ‏ ‏الغرب‏ ‏السياسي‏ ‏والإعلامي‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏النفخ‏ ‏فيها‏ ‏بالتهويل‏ ‏والمبالغة‏ ‏إيديولوجية‏ ‏لتمرير‏ ‏دين‏ ‘‏العولمة‏’ ‏بمباركة‏ ‏الكنيسة‏ ‏والفاتيكان‏. ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الدين‏ ‏الجديد‏ ‏تحتل‏ ‏المسيحية‏ ‏الصهيونية‏ ‏موقعا‏ ‏ممتازا‏. ‏وفي‏ ‏القلب‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الموقع‏ ‏تصبح‏ ‏الدولة‏ ‏الصهيونية‏ ‏دولة‏ ‏الاستعمار‏ ‏الاستيطاني‏- ‏طفل‏ ‏العالم‏ ‏المدلل‏. ‏هل‏ ‏يصلح‏ ‏إسلام‏ ‏الأحكام‏ ‏العسكرية‏ ‏إسلام‏ ‏قانون‏ ‏العقوبات‏ ‏و‏’‏الحدود‏’ ‏ومطاردة‏ ‏العقل‏ ‏واضطهاد‏ ‏المرأة‏ ‏والخوف‏ ‏من‏ ‏التساؤل‏- ‏لمواجهة‏ ‏تلك‏ ‏الأخطار‏.‏

 

 

 

 

 





نصر ابوزيد درس نجيب محفوظ الادب مقاومة فكرية

26 07 2008

درس نجيب محفوظ.. الأدب مقاومة فكرية 

كتب  د.نصر حامد ابو زيد

سيظل أدب نجيب محفوظ دائماً، مصدراً للإلهام الفكري في سكة المقاومة الثقافية، بوصفها سيرورة دائمة هي جوهر الفكر والثقافة الحقيقيين. من هنا يجب التمييز دائماً بين «المبدع» و«الشخص»، فقد يكون الشخص مهادناً مسالماً رقيق الحاشية، يتجنب الخلاف والصدام، بينما «المبدع» في حالة صدام دائم مع المستقر والسائد والمقبول.. أقول هذا تعليقاً علي حوارات ولقاءات وصل بعضها إلي حد محاكمة «الشخص» نجيب محفوظ، مرة لأنه كان من أنصار «السلام» ومؤيدي «كامب ديفيد»، ومرة لأنه اشترط موافقة «الأزهر» علي نشر رواية «أولاد حارتنا» في مصر. وحين نتوقف أمام «الشخص» نظلم «المبدع»، وليس معني ما أقول أنني أتصور وجود «تناقض» ضروري بين الشخص والمبدع، فالذي يبدو لنا «تناقضاً» ليس إلا حالة «التوتر» الدائمة التي يعيشها الإنسان المبدع بين «الواقع» و«المثال»، وهذه الحالة من «التوتر» هي بؤرة الإبداع. أشباه المبدعين وحدهم – وهم كثيرون – لا يعانون من هذا التوتر، فتبدو قراراتهم الشخصية والحياتية دائماً منسجمة مع كتاباتهم، لأنهم في الحقيقة لا يبدعون واقعاً جديداً وإنما «يسجلون» الواقع كما هو، مع بعض «التحسين» أحياناً، أو بعض «التقبيح» أحياناً أخري.

نجيب محفوظ المبدع في حالة صدام دائم منشأه التوتر الحاد بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، مرة أخري أعود إلي «أولاد حارتنا»، وهنا أفتح قوساً توضيحياً لما ورد في مقالتي السابقة بشأن قيام «دار الشروق» بنشر الرواية في طبعة بيروتية بمقدمة للأستاذ عبد المنعم أبوالفتوح، فقد أرسلت لي «دار الشروق» رسالة إلكترونية رقيقة تصحح هذا الخطأ، الذي أوقعتني فيه معلومات الإنترنت، ولولا أنني لم أعتبر الأمر «غلطة» من جانب دار الشروق لكنت حرصت علي الاتصال والتأكد من صحة الخبر.. أعود إلي «أولاد حارتنا» لأبرز علاقة التشابك، أو الاشتباك، بين «الفكر» الإبداعي وبين «الأدب» الإبداعي، ولأبين أن رائعة «العم نجيب» «أولاد حارتنا» كانت التعبير الأدبي عن تيار عميق الجذور في الفكر العربي المصري الحديث، وهو تيار يمتد إلي «محمد عبده» رائد الإصلاح الديني الحديث بلا نزاع.

رواية «عم نجيب» باختصار تعالج القصص الديني، معالجة فنية أدبية، تستقطر دلالاته الاجتماعية الإنسانية، حيث يصبح الأنبياء هم المدافعون عن حقوق «المستضعفين» و«المُسْتَغَلين» في «تكية» الوجود بالمعني الكوني، يستخدم المبدع مفهوم «الفتوة» تمثيلا للقوة، التي قد تقف إلي جانب الحق فيعتدل ميزان الوجود، وقد تقف إلي جانب «الظلم» فيهتز الميزان ويعم الخراب. إن «العم نجيب» في هذا التأويل الفني للقصص الديني يواصل ما بدأه «محمد عبده» الذي يصر علي أن الهدف الأسمي والغاية القصوي للقرآن هما «الهداية»، والقصص الديني يطرح في هذا السياق لا بوصفه حقائق تاريخية بل بوصفه قصصاً يهدف إلي «العبرة والموعظة». إن القصص الديني بعبارة محمد عبده «تمثيلات» لحقائق كبري وراءها، والدليل علي أنها كذلك – يواصل محمد عبده – أن القصة الواحدة تتردد في القرآن بصيغ وعبارات مختلفة، وأن القرآن حريص علي «الإبهام» في إخفاء الأسماء والأماكن وبعض التفاصيل، ولو كان الغرض ذكر التاريخ لما كان هناك إبهام.

كانت هذه الإشارات الدالة في «تفسير المنار» من ضمن المكونات الفكرية المهمة للشيخ «أمين الخولي»، وهي المكونات التي بلورها في منهجه في «التفسير الأدبي».. يتفق «أمين الخولي» مع الإمام في أن «الهداية» هي الهدف الأسمي، ويضيف الخولي: إن الوصول إلي هذه الغاية لا يتأتي إلا بمنهج التفسير الأدبي الذي هو مقدمة لا سبيل للوصول إلي أي غاية دينية – فقهية تشريعية أو أخلاقية فلسفية – بدونها. وإذا كان القرآن – في رأي الخولي – قد مارس تأثيره في عقول العرب وقلوبهم بهذا الأسلوب الأدبي الفريد، فإن معني ذلك أن عهد «الإيمان» عند المسلم وثيق الصلة بهذه الطبيعة الأسلوبية الأدبية للقرآن.. هكذا يصبح «المدخل الأدبي» أمراً لازماً لا بديل عنه لفهم القرآن وفهم رسالته.

تواصل منهج الخولي – المنهج الأدبي في التفسير – وتعمق من خلال الدراسات التي قام بها تلاميذه.. كتب المرحوم «شكري محمد عياد» رسالته للحصول علي درجة الماجستير عن «يوم الدين والحساب في القرآن»، وكتب المرحوم «محمد أحمد خلف الله» رسالة الدكتوراة عن «الفن القصصي في القرآن الكريم» سنة ١٩٤٧، وقد كانت لهذه الرسالة أصداء سياسية انتهت برفضها من الجامعة.

وبمعاقبة المشرف «أمين الخولي» بحرمانه من تدريس «الدراسات القرآنية» أو الإشراف علي رسائل جامعية في هذا المجال.

وواصلت المرحومة الأستاذة عائشة عبد الرحمن – بنت الشاطئ – نفس المنهج في دراساتها القرآنية، خاصة في «التفسير البياني». ورغم رفض رسالة «خلف الله» فقد حصل علي الدكتوراة برسالة أخري، وقد نشر كتاب «الفن القصصي» في أكثر من طبعة بمقدمة للشيخ الخولي لم يكف فيها عن الدفاع عن المنهج لدرجة القول: «الفن القصصي حق ولو ألقوا بي في النار». جدير بالذكر أيضا أن الناقد الأدبي «سيد قطب» كان من أشد أنصار هذا المنهج كما يتضح في كتابيه «التصوير الفني في القرآن» و«مشاهد القيامة في القرآن»، وهذا العنوان الأخير يتماس دلالياً مع عنوان رسالة «شكري عياد» التي أشرنا إليها.

وجذور المنهج الأدبي التي أحياها «محمد عبده» في العصر الحديث تمتد تاريخياً إلي ما هو أعمق في الدراسات القرآنية الكلاسيكية، خصوصاً ما تعلق منها بمبحث «الإعجاز»، الذي استقر الرأي فيه علي أنه «إعجاز بلاغي»، وأشار «محمد عبده» في إيجاز إلي أهمية «علم الأساليب»، وهو تطوير لا شك فيه لمفهوم البلاغة التقليدي «علم البيان» من خلال ربطه بمفهوم «النظم»، الذي صاغه العّلامة «عبد القاهر الجرجاني». أما أمين الخولي فقد طور مفهوم البلاغة التقليدي إلي علم جديد أطلق عليه اسم «فن القول»، وهو علم يتجاوز دراسة الأساليب إلي آفاق دراسة النصوص.

إلي هذا الأفق الفكري التجديدي في علوم اللغة والبلاغة والتفسير تنتمي «أولاد حارتنا» للعم نجيب بوصفها قراءة إبداعية تأويلية للقصص الديني.

غني عن البيان أن «القصص الديني» يمثل المجال السردي الجامع للأديان، أي أنه يمثل مجال «الالتقاء» الثقافي والفكري والديني للبشرية جمعاء. وهذا يفسر احتفاء لجنة «نوبل» في تقريرها بهذا العمل، الذي يتجاوب بعمق مع الكلمة التي ألقاها نيابة عن العم نجيب الأستاذ محمد سلماوي في استوكهولم. قال العم نجيب إنه ابن حضارتين لهما إسهامات لا تنكر في وعاء الحضارة الإنسانية، الذي لا تعجبهم «أولاد حارتنا» لأنهم يظنون أنها ضد الأديان والعقائد وتمثل إهانة للأديان والعقائد – بيان الجماعة الإسلامية في نعي عم نجيب – عليهم أن يقرأوا «ملحمة الحرافيش» التي كتبها عم نجيب بعد نصف قرن تقريباً من نشر «أولاد حارتنا». المبدع الحقيقي لا يتوقف إبداعه أبداً، وإبداعك يا عم نجيب لن يتوقف أبداً رغم غيابك – غياب الشخص – لأنه الإبداع الذي اشتبك وسيظل يشتبك مع قضايا الوجود الإنساني. إبداعك أيها الراحل عن أرضنا – أرض البشر – سيلهم أجيالاً ستأتي كما ألهم أجيالاً سبقت.

 





نصر ابوزيد رسالة الى عم نجيب: المقاوم العظيم

20 07 2008

رسالة إلي عم نجيب: المقاوم العظيم

 بقلم  نصر حامد ابو زيد

 

هذه رسالة من واحد من أبنائك يا عمِّ نجيب مقرونة بدعوة من القلب أن يلهمنا الله الصبر علي الخسارة، وابتهال إلي الله العلي القدير أن يهبنا القوة والصمود للسير علي الطريق، طريق المقاومة، الذي رسمته لنا لا بكتاباتك وحدها، بل بنمط حياتك الجاد والمثابر. قد يعجب البعض من هذا الربط بين «المقاومة» وبين أدب عم نجيب وحياته، ولكن العجب يزول إذا فهمنا الدلالة الواسعة للمقاومة، أعني الدلالة التي تستوعب كل أنماط النشاط العقلي والفكري والثقافي، فضلاً عن أنماط السلوك الحياتي، التي تنقد الواقع وتسعي من خلال هذا النقد إلي طرح مفاهيم ورؤي وأفكار لواقع أفضل، تتحقق فيه قيم الحرية والعدل والمساواة بين البشر جميعاً. ولا شك أن الأدب والفن يعد أن من أرقي أدوات ووسائل المقاومة، من حيث إن مهمة الفن والأدب تتركز في استخلاص جوهر الواقع وإعادة تشكيله من خلال صياغته صياغة إبداعية (تخيلية) بحسب طبيعة الأداة التعبيرية، أو بعبارة أوضح، أن مهمة الآداب والفنون أن تحول الواقع إلي «تجربة» حية، يستعيد من خلالها «الإنسان» المتلقي «نضارة الوعي» الذي تُضَبِّبُه مشاغل الحياة اليومية. في الفن والأدب يستعيد الإنسان بهاء وجوده، ويدرك قُبح الواقع فيسعي لتغييره.

 

أدب عمِّ نجيب ينتمي إلي هذا النمط الرفيع من الأدب الإنساني، وهو لا يحتاج لشهادتي في ذلك علي أي حال. لأبدأ بعمِّ نجيب المقاوم بنمط سلوكه، وباختياره الدقيق لنمط الحياة التي تحقق له الأهداف التي حددها لنفسه بوضوح منذ البداية. تخرج في قسم الفلسفة، وبدأ الاستعداد للدراسة العُليا في الفلسفة، لكن عشقه للأدب ولفن «الرواية» بصفة خاصة كان لا يقاوم. ونحن نعلم أن صفة «الروائي» لم يكن لها شأن في الوجاهة الاجتماعية آنذاك، بدليل أن الطبعة الأولي لرواية «زينب» لمحمد حسين هيكل لم تحمل اسمه، بل حملت اسم «فلاح مصري»، هذا بالإضافة إلي أن كاتبها كان حريصاً علي أن ينفي عنها صفة «الرواية» فأسماها «مشاهد وأخلاق ريفية». كانت الصعوبة واضحة في الاختيار بالنسبة لعمِّ نجيب، وكان يمكن له أن يواصل دراساته الفلسفية في نفس الوقت الذي يواصل فيه الكتابة الإبداعية، بعض من الوجاهة الاجتماعية، التي يمكن أن يتمتع بها «الباحث»، أو «المفكر» أو «الفيلسوف» في مجتمع يقدس «الألقاب»، وبعض من الأدب، نصف هنا ونصف هناك. بعبارة أخري، كان يمكن أن يكون «اختيار» عمِّ نجيب هو ألا يختار، لكنه قرر اختيار «الرواية» في زمن لم تكن الرواية فيه تُمثل اختياراً حاسماً بعد.

 

نَعْلَم كمْ كان ترتيب نظام حياته دقيقاً، بل قاسياً، كمْ ساعةً يقرأ ومتي، وكم ساعةً يجلس للكتابة ومتي. لم يكن عمِّ نجيب ينتظر «الوحي»، بل مرَّن نفسه علي استدعائه. ومِثْلُ من يقدر علي استدعاء الوحي لابد أن يكون عمله مخططاً، فبدأ إبداعه بكتابة تاريخ مصر القديمة، ترجمة أو لا ثم إبداعاً في «رادوبيس» و«عبث الأقدار»، ثم بدأ يخطط للكتابة الروائية الإبداعية لتاريخ مصر الحديث، فكتب خان الخليلي وزقاق المدق والثلاثية (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) التي انتهي من كتابتها عام ١٩٥٢.. قامت الثورة فكان لابد من تعديل التخطيط، ويستمر الإبداع. من خلال إبداع عمِّ نجيب ندرك أن «الفيلسوف» لم يغادره، بل صار الفيلسوف روائياً، أو يمكن أن نقلب العبارة، فنقول إن الروائي يصوغ التاريخ – وهكذا الرواية صياغة للتاريخ – فلسفياً.

 

الفلسفة الكامنة في «التاريخ» تتجلي روائياً عند عمِّ نجيب، لكن هذه الفلسفة ليست مقولات ومجادلات وبراهين بقدر ما هي تجارب وأحداث وشخصيات، تجارب يستوعبها القارئ ويندمج فيها فيستعيد نضارة الوعي بالواقع. وكل ذلك كان حسناً ما دام عمِّ نجيب يتعامل مع التاريخ المحلي، تاريخ مصر القديم والحديث. ولكن حين قرر عمِّ نجيب أن يعيد قراءة التاريخ الإنساني، التاريخ الذي عبرت عنه النصوص الدينية بطريقة تمثيلية مجازية، ليستخلص منه المغزي الاجتماعي الإنساني، قامت الدُنيا ولم تقعد حتي الآن.

ماذا فعل عمِّ نجيب؟ لا شيء فقد نشرت الرواية في لبنان بعد أن منع نشرها في مصر، وكانت النسخ تُباع في مصر، فلماذا يقلق عمِّ نجيب؟ مُنح الرجل جائزة «نوبل» مع تركيز خاص علي هذه الرواية ومغزاها الإنساني، وأراد كل أحباب عمِّ نجيب أن تكرم مصر أديبها الكبير فتمنع الحظر عن نشر الرواية، لكن المعارضين للنشر أصروا علي موقفهم، فلا شيء تغير: الكفر هو الكفر، بل إن تقرير «نوبل» واحتفائه بالرواية يمكن أن يمثل دليلاً إضافياً ضد الرواية من المنظور الديني، الذي يصر عليه هؤلاء المعارضون. وحين زار ممثل الإخوان المسلمين الأستاذ «عبدالمنعم أبوالفتوح» عمِّ نجيب في عيد ميلاده السنة الماضية تحدث عن الرواية حديثاً إيجابياً، وأثير أمر نشر الرواية في مصر مجدداً، وفاجأ عمِّ نجيب الجميع بإصراره علي ضرورة موافقة «الأزهر» علي نشرها. ولأن «الأزهر» لم يستجب، فقد قامت دار الشروق بطبع الرواية في بيروت مع مقدمة للأستاذ «أبوالفتوح». لم يستسغ بعض محبي عمِّ نجيب هذا الإصرار منه علي ضرورة موافقة «الأزهر»، علي نشر الرواية، واعتبر البعض منهم أن هذا الموقف يرسخ دور المؤسسة الدينية في الرقابة علي الآداب والفنون، فضلاً عن الفكر والبحث العلمي.

 

في رأيي أن نشر الرواية في مصر أو عدم نشرها سواء، الأمر لا يستحق عناء التصادم، وعمِّ نجيب كما نعلم جميعاً لم يكن أبداً تصادمياً في يوم من الأيام، لأنه يعتمد علي «دهاء التاريخ»، لكن هذا الدهاء يكمن في عُمق إبداعية عمِّ نجيب. الرواية «أولاد حارتنا» التي كتبت ونشرت في الأهرام في نهاية الخمسينيات أبدعت إبداعاً جديداً في «ملحمة الحرافيش»، إبداعاً أكثر عمقاً في الكشف عن الصراع الإنساني من أجل تحقيق العدل علي الأرض من جهة، وتحقيق التواصل بين المعلوم والمجهول من جهة أخري. في هذا الصراع لتحقيق العدل تبرز «القوة» عنصراً إيجابياً أحياناً، وعنصراً سلبياً في أغلب الأحيان. حين تكون «القوة» في خدمة «العدل» تنفتح سبل التواصل بين الأرضي والمفارق – الملأ الأعلي بكل تجلياته الدينية والفلسفية والشعرية – وحين تصير «القوة» أداة للقهر والسيطرة والاستعلاء تنسد سبل التواصل، ويختنق الوجود الإنساني. تحدثنا حتي الآن عن «الدلالات» الفلسفية، ولا يمكن أن نهمل بُعد اللغة «الشعرية» التي تتولد عنها تلك الدلالات الثرية. ولا غرابة في ذلك فعمِّ نجيب أراد أن يكون موسيقياً، فالتحق بمعهد الموسيقي العربية حين كان طالباً بالفرقة الثالثة بكلية الآداب (قسم الفلسفة) عام ١٩٣٣، كما حكي لرجاء النقاش. الله الله يا عمِّ نجيب، هكذا يكون التحدي ويكون الصمود، أي المقاومة بسلاح الإبداع.

 

عمِّ نجيب مقاوم من طراز نادر، حياة وإبداعاً. حين اعتدت عليه يد الغدر الجاهلة عام ١٩٩٤، وهو يمد اليد بالسلام، تركت الطعنة تأثيرها علي يده التي يكتب بها. لم يستسلم عمِّ نجيب واستمر يتدرب – شأن الطفل الذي يتعلم الكتابة كما يقول محمد سلماوي – حتي استطاع أن يكتب فأبدع «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة». هكذا يصبح درس المقاومة الفكرية والإبداعية، ومقاومة إغراءات الانحراف، بالإضافة إلي المقاومة الجسدية لسطوة الضعف والمرض، هو أهم الدروس التي يعلمنا إياها عمِّ نجيب. بهذه المقاومة يا عمِّ نجيب نأمل أن نواصل طريق الكفاح والصمود والتصدي لكل ألوان القهر والاستبداد العالمي والمحلي. نأمل يا عمِّ نجيب أن نستعيد لمصر مواطنها المسرور، ذا القامة المرفوعة، ليشارك في صنع الحضارة الإنسانية بالحرية والفكر والمصنع.

 





كل سنة وانت طيب يا جميل

8 07 2008

في العاشر من يوليو يبلغ الدكتور نصر الخامسة والستين فمن كل قلبي واكيد اني اعبر عن كثيرين اقول له كل عام وانت بخير من ابن الى والد والدي الذي لم التق به غير مرات معدودة لكني اتواصل معه كل حين من خلال فكره واكيد ابي الحج سعد يؤيدني بالرغم انه عارف ان ابي الثاني هو سبب ماشكلي كلها

كل عام وانت بالصحة والسلامة

ابنك جمال





نص وتسجيل محاضرة نصر ابوزيد كاملة بالجامعة الامريكية عن الفن وخطاب التحريم

19 05 2008

 

 

 

 

الفن وخطاب التحريم

 

مساء الخير وأهلا بكم في مصر

يمكن الاستماع او تنزيل تسجيل المحاضرة بالضغط على الوصلة التالية

تسجيل المحاضرة

 

أشكركم لتحمل مشقة المجيء. هذا تكريم يفوق أي تكريم: أن تحرصوا على المجيئ رغم كل مشكلات التنقل في القاهرة. شكرا لمؤسسة المورد على هذه الدعوة الكريمة لإلقاء هذه المحاضرة في كل من بيروت والقاهرة في إطار احتفالاتها الثقافية والفنية بالربيع هذا العام. وبهذه الدعوة مكنتني من اللقاء بكم، وهو لقاء كم تمنيته منذ سنوات طويلة. اليوم تتحقق الأمنية العزيزة ويتم اللقاء بعد طول فراق. وشكرا للجامعة الأمريكية لاستضافة المحاضرة اليوم في القاهرة. وتقدير خاص للأخت العزيزة الأستاذ فريال غزول على هذا التقديم.

ألقيت هذه المحاضرة منذ يومين في مسرح “دوار الشمس” في بيروت، ومن حسن الحظ أنه لا يوجد نص مكتوب للمحاضرة، من ثم أحس بالراحة لإمكانية التواصل المباشر معكم كما حدث مع الحضور في محاضرة بيروت. وهذا خير من “دفس” الوجه في الورقة وقراءة نص معد سلفا. الآن موعد كتابة النص، وفي هذا النص المكتوب سأحاول أن أدمج “الحوار” الذي تلى المحاضرتين في هذا النص الذي أكتبه. بهذا يعتبر هذا النص المكتوب نصا حواريا لا أمتلكه وحدي، بل هو نص كل الذين شاركوا بالحوار وطرح التساؤلات بل والاعتراضات. 

 

 

تقديم:

 

خطاب التحريم لا يقتصر على الخطاب الديني، وإن كان هذا الخطاب الديني هو الأبرز حضورا والأعلى صوتا بحكم مركزية “الدين” في أفق الحياة العامة في مجتمعاتنا. هناك خطاب التحريم السياسي، وخطاب التحريم الاجتماعي،  وخطاب التحريم الثقافي، هذا فضلا عن خطاب التحريم الأكاديمي. الخطاب الديني جزء من الخطاب الثقافي العام في أي مجتمع، يزدهر الخطاب الديني بازدهار الخطاب العام، ويكون منفتحا وتحرريا وإنسانيا بقدر ما يكون الخطاب الثقافي العام كذلك. وحين يختنق الخطاب العام ويسوده التعصب وتحكمه معايير اللاعقلانية والتمترس خلف هوية تعادي الآخر وتكره الاختلاف يصاب الخطاب الديني بذات الداء: التعصب، واللاعقلانية وتحكم معاييرالهوية الجامدة، وكراهية الاختلاف.

في هذا القول نوع من التعميم بالفعل، إذ لا يفتقد الإنسان بعض البؤر المضيئة في كل الخطابات رغم سيادة خطاب الاختناق المشار إليه وهيمنته على المجال العام. لكن هذه البؤر المضيئة تمثل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها. الخطاب العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، يعيش هذه الأزمة منذ فترة ليست بالقليلة. ومهمتنا يجب أن تركز على تحليل هذا الخطاب تحليلا نقديا بهدف كشف جذوره وتعريتها مستعينين بكل بؤر الضوء المتاحة بالتفاعل معها من أجل تقويتها.

نفهم أن يصاب الخطاب السياسي بالفزع من المظاهرات، ومن تعبير الناس بطريقة سلمية عن متاعبهم ومعاناتهم بسبب الظروف المعيشية القاسية التي وصلت بالناس إلى حد معاناة الجوع لا مجرد الفقر. ونفهم تبريرات الخطاب السياسي لعجزه عن ضمان الحد الأدني لتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين بأسعار في متناول دخولهم بالاستناد إلى ارتفاع الأسعار في العالم كله. هذا كله مفهوم وإن كان غير مقبول لأنه غير مقنع، لكن من غير المفهوم ولا المتوقع أن يصدر بعض ممثلي الخطاب الديني فتوى بتحريم المظاهرات تحريما دينيا. هنا يتحول التجريم السياسي إلى خطيئة دينية. على أي نص ديني يستند خطاب التحريم هذا؟ والأدهى من ذلك أن يفتي البعض أن التدخل في تحديد الأسعار غير جائز دينيا، لأن الرسول عليه السلام لم يتدخل أبدا في تحديد الأسعار في السوق!!!! وهنا لا بد من وضع آلاف من علامات التعجب لهذه القفزة من القرن السابع إلى القرن الواحد والعشرين. ويصبح السؤال مشروعا: مثل هذا الخطاب لمن يتوجه، من يحمي ومن يخنق؟ أهو يحمي أهل الحل والعقد من غضب الناس، أم يحمي مصالح ممثليه مع أهل الحل والعقد أولئك. وأعتذر عن استخدام هذه المصطلحات البالية مثل “أهل الحل والعقد” لكن تلك هي اللغة التي تناسب مقام من يتصدى للفتوى هذه الأيام.

 

الفن حرية: الفزع من الحرية:

 

السؤال الآن: لماذا يسبب الفن فزعا لخطاب التحريم، فيحاول محاصرته ومصادرته؟ الفن هو المجال الأخصب لممارسة الحرية، وحين تصبح المجتمعات فزعة من الحرية، يكون الفن ضحية هذا الفزع. الفن هو ممارسة أقصى مستويات الحرية، يمارس الإنسان في الفن أقصى درجات التحرر, يتحرر من قيود الجسد في الرقص، من قيود الرتابة في الموسيقى، من قيود المادة في الفن التشكيلي، ومن قيود اللغة التداولية في الشعر والأدب. في الفن تتحقق إنسانية الإنسان في علاقته بالكون، حيث يستعيد الفن الإنسان من غربته التي فرضتها الثقافة بمفاهيمها وأعرافها ومؤسساتها وقيمها، في الفن وحده يتحرر الإنسان ليعيد بناء عالمه ويطور ثقافته. من أجل هذه الحرية المبدعة التي لا توجد إلا في الفن يكره المتشددون الفن على اختلاف طوائفهم سياسيا واجتماعياً وأخلاقيا ويمارسون ضد الفن والفنانين كل ضروب الاضطهاد، وفي أحسن الأحوال يضعون في طريقه الأشواك والمحاذير.

كان النحاة واللغويون يتتبعون دائما الشعراء فيما اعتبروه أخطاء، ذلك أن النحاة واللغويين يتحولون أحيانا إلى حراس للقواعد التي استنبطوها من استقرائهم للغة الكلام والتواصل، اللغة العادية. في لغة الشعر كسر لقواعد هذه اللغة العادية من أجل تجاوز إطارها المعرفي إلى آفاق جمالية ومعرفية تتأبى قدرة تلك اللغة العادية على حملها. لا تنكسر قواعد اللغة فقط على مستوى النحو وقواعده المعيارية، بل يخترق الشعر إمكانياتها الدلالية والتعبيرية بتوليد معان لا يمكن أن تتحقق إلا باختراق الدلالة المعيارية عن طريق الاستعارة والكناية والتشبيه، هذا فضلا عن البناء السردي في القصيدة. من القصص الدالة أن لغويا اسمه “عبد الله بن اسحاق الحضرمي” بلغ من كثرة تتبعه للشعراء وذمهم أن هجاه أحدهم بقوله:

ولو أن “عبد الله” مولى هجوته        ولكن “عبد الله” مولى المواليا

فقال له “أخطات: علام نصبت “مواليا”؟ فكان رد الشاعر “على ما يسوؤك وينوءك”. ذلك أن النحو المعياري يرى أن الكلمة “عبد الله” مضاف إليه وأن حقها الجر؛ فيجب أن تكون الموالٍ بدل “المواليا”. ما لا يدركه النحوي، وربما لا يهتم به، أن هذا يكسر الوزن ويحطم الإيقاع، أي ينقل الكلام من مستوى الشعر إلى مستوى اللغة العادية. وهذا ما جعل الناقد العربي الكلاسيكي يقول: “الشعراء أمراء الكلام”، أو بعبارة أخرى الشعراء هم سدنة معبد اللغة وليس النحاة.

هناك دائما علاقة توتر بين المعياري والفني على كل المستويات. ومحاكمة الفن على أساس “المعيار”، سواء كان المعيار لغويا أو أخلاقيا أو فلسفيا أو دينيا، هو خلط للمعايير وخلط للحقائق: وهو خلط ضار بالفن. هذا هو أساس التحريم في كل الخطابات التي تسعى إلى تأبيد الواقع وتكره التغيير، أي تريد أن تجمد اللحظة التاريخية، السياسية الاجتماعية الثقافية الفكرية، وتجعلها “أبدية”. الفن سعي دائم للآفاق المجهولة بطريقته الخاصة، وهو بذلك يشارك الفكر والعلم في رحلة الاكتشاف التي لا نهاية لها ما دام الإنسان يكدح في هذه الأرض التي تسمى الطبيعة أو الكون. وإذا كان الفن في كسره للمعايير يؤسس معايير جديدة تتحول إلى “مدرسة” أو “مذهب”، فإنه هو نفسه – الفن- الذي يقوم بكسر هذه المعايير والقواعد فتتأسس مدرسة جديدة ومذهب جديد. هنا أيضا يتجاوب الفن مع التقدم الفكري والعلمي، حيث تنشا معرفة جديدة بنقد المعرفة السابقة، وتتطور المعرفة العلمية بنقد النظريات السابقة. الفن والفكر والعلم سيرورة دائمة تعتمد على “النقد”، ولهذا يرهب خطاب التحريم من “النقد” ويعادية في الفكر والعلم والفن على السواء. تاريخ اضطهاد المفكرين والعلماء والفنانين يشهد بذلك.

تحريم الفن في أي خطاب هو أحد تجليات الفزع من الحرية بشكل عام في الخطاب العام. يتجلى هذا الفزع في ظاهرة تتميز بها مجتمعاتنا عن سائر المجتمعات. حين يبدأ كلام عن “الحرية” يبدأ البحث عن “الضوابط”، و”الحدود” “والمعايير”. يحدث ذلك قبل أن تبدأ الممارسة، التي هي وحدها الكفيلة بخلق المعايير والضوابط عبر الحوار والنقاش. إن التفكير بالمعايير والضوابط والحدود قبل الممارسة هو بمثابة وضع العربة قبل الحصان، الأمر الكفيل بالتحرك إلى الوراء لا إلى الأمام. دعونا نبدأ ممارسة الحرية أولا ولاتقيدوها منذ البداية بقوانين محكومة بأفق الانسداد الذي نعيشه. إن ضوابط الدين والأخلاق والعرف والقيم ليست ضوابط مطلقة كما يتوهم ذوو النوايا الطيبة، بل هي ضوابط تتحكم فيها معايير السلطة وعلاقات القوة في المجتمع. وفي المجتمعات الشمولية تتحدد المعايير والضوابط وفق مفاهيم السلطة المسيطرة. وكل هذه الضوابط والمعايير المدعاة تستند إلى بنية تحتية عميقة فحواها أولا: أن الحقيقة واحدة لا تتغير في المجتمع وفي الثقافة وفي الفكر، إنها حقيقة مطلقة لا تاريخية.ثانيا: إن هذه السلطة التي تريد وضع الضوابط والمعايير هي وحدها التي تحتكر معرفة هذه الحقيقة. إنه مفهوم “الحاكمية” الديني يتخلل الخطاب العام وإن تم التعبير عنه بمصطلحات أخرى مثل “الثوابت الاجتماعية” و”الثوابت الأخلاقية”، و”الثوابت الدينية” … الخ.    

 

فلسفة التحريم وسؤال الحقيقة:

 

طرح سؤال هام في كل من بيروت والقاهرة عن “تحريم” أفلاطون – وهو فيلسوف – للشعر ولماذا طرد الشعراء من الجمهورية وجعلها حكرا على الفلاسفة؟ والمشكلة الأفلاطونية تتمثل في مشكلة “الحقيقة”، حيث وضع أفلاطون الحقيقة في “عالم المثل”، واعتبر الواقع تشويها للحقيقة بما هو صورة انعكاسية لعالم المثل. وبما أن الشاعر يتخذ مادته الشعرية من الواقع، الذي هو صورة مشوهة للحقيقة، فالشعر يصبح تزييفا للحقيقة. فإذا أضفنا إلى ذلك أن أفلاطون اعتبر الشعر “تشويها ثانيا” للواقع المشوه أصلا، أدركنا أن الشعر – حسب أفلاطون – يشوه الحقيقة تشويها مركبا. إن الفلاسفة وحدهم هم القادرون على معرفة الحقيقة، فهم الأولى بالحكم من الشعراء.

هنا تكمن مشكلة أفلاطون، ومشكلة خطاب التحريم في كل العصور، وهي مشكلة عدم التمييز بين مستويات “الحقيقة” وتجلياتها المختلفة، فهناك “الحقيقة الفلسفية”، و”الحقيقة الاجتماعية”، و”الحقيقة السياسية”، و”الحقيقة الثقافية”، والحقيقة الدينية”، و”الحقيقة الفنية”. كل هذه الحقائق لا تتماثل وإن كانت تتقاطع وتتفاعل. مشكلة أفلاطون أنه جعل من “الحقيقة الفلسفية” معيارا – أكرر معيارا – للحكم على الشعر فطرد الشعراء من جمهوريته. لكن أرسطو انتبه للفارق بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة الشعرية باكتشافه لوظيفة الشعر – الدراما والكوميديا على السواء – بأنها “التطهير” عن طريق إثارة الانفعالات. ليست مهمة الشعر أن يعكس الحقيقة الفلسفية التي يمكن التوصل إليها بالفكر، إنما يقوم الفن بوظيفة “التطهير” الإنساني، فيرى الإنسان عالمه بشكل أكثر براءة.    

 

الفن والدين:

 

الحديث هنا عن الدين بشكل عام، أو بالأحرى الأديان، وعن الفن بشكل عام، أو بالأحرى الفنون. إن علاقة الفن بالدين علاقة عضوية يستحيل معها أن نحدد بشكل حاسم ما إذا كان الفن قد ولد في أحضان الدين، أم كان الدين هو الذي ولد في أحضان الفن. نعرف أن الإنسان البدائي، إنسان الكهف، كان يستعد للصيد بالرسم، رسم السهم يخترق أحشاء الصيد، طائرا كان أم حيوانا، وهو يتصور بذلك أن الانتصار الذي يحققه في الرسم سيتحقق حتما في الواقع. هذه قاعدة “الشبيه ينتج الشبيه” في التصورات البدائية للعالم. شيئ مثل هذا ما زال يمارس إلى اليوم في الطقوس السحرية لإزالة تأثير الحسد، حيث ترسم على ورقة صورة الشخص الذي يمكن أن يكون هو الحاسد ثم يتم تمزيق الصورة بالدبابيس ليزول أثر الحسد.

في المسيحية تمثل الصور والتماثيل (الأيقونات) إبرازا رمزيا للدلالات اللاهوتية، لكن المسيحيين لا يعبدون هذه الأيقونات كما يتوهم البعض. وفي القرن الثامن الميلادي، وربما بتأثير الإسلام ثار جدل لا هوتي حول تحريم وجود الصور في الكنائس لشبهة “الوثنية” فيها، وانتصر أنصار الصور في النهاية على محرِّميها. لكن الكنائس البروتستنية تحرِّم الصور كما هو معروف. هذا عن الصور والتصوير، فماذا عن صيغ الصلوات والأدعية والابتهالات في كل الأديان؟ تعتمد الصلوات والأدعية والابتهالات صيغا شعرية إيقاعية لا يمكن إنكارها في جميع الأديان والثقافات بلا تمييز ولا استثناء. والصلوات تكون مصحوبة بالعزف الموسيقي في الكنائس. أما في المساجد فصيغة الترتيل بإيقاعها صيغة شعرية بامتياز. ماذا عن “التماثيل”؟ ارتبطت معظم الأديان القديمة بعبادة أرواح الأسلاف (تبجييل واحترام يتطور إلى عبادة دينية) ولذلك يكون التمثال تمثيلا رمزيا لهذه الأرواح. وهذا ما يقوله محمد بن جرير الطبري شرحا لدخول الوثنية للحجاز، مع التحفظ على الدقة التاريخية في هذا الطرح. ورد في القرآن بالإضافة إلى جانب أسماء “اللات” والعُزَّى” و”مَنَاة”، (سورة النجم، رقم 53، الآيات 19-20) التي كان يعبدها العرب، ذكر لأسماء ألهة أخرى في سورة “نوح” هي “ودّ” و”سُوَاع” و”يَغوث” و”يَعوق” و”نَسْر”. يذكر الطبري في تفسيره المعروف  أن المشركين كانوا يسمون:

 “أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه فقالوا من الله اللات ومن العزيز العُزَّى وزعموا أنهن بنات الله”،[1] ، ويقول عن الأسماء الأخرى “أنها كانت في الأصل أسماء أشخاص “صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم”.[2]

يبقى للكشف عن الصلة العضوية بين الدين والفن أن نشير إلى فن العمارة، كما يتجلى في بناء المعابد والكنائس والمساجد، في هذه الفخامة والجلال. كما يتجلى في الفضاء الداخلي بضوئه الناعم وضمان امتداد الصوت في كل الأرجاء، حرصا على وصول صوت الواعظ والقارئ إلى المصلين (قبل اختراع مكبرات الصوت، والتي ما تزال معظم الكنائس الكبرى في العالم لا تستخدمها). هذا بالإضافة إلى النقوش الملونه التي تزخرف زجاج النوافذ فتزيد الضوء نعومة.  يكفي أن نذكر اسم “مايكل أنجلو” في عصر النهضة وما أضافته رسوماته ولوحاته من عمق للمعنى الديني بنقله من اللغة إلى اللون والصورة. 

وباختصار يخترق الفن – بكل تجلياته اللغوية والتصويرية والموسيقية بالإضافة إلى النحت – الفضاء الديني، لدرجة لا يتصور معها دين بلا فن. إن التحريم الديني للفنون وُجِد دائما، لكنه ظل نقاشا لا هوتيا تجريديا، في حين ظلت الحياة الدينية في كل الثقافات تغتني بالتعبيرات الفنية والأدبية في ممارسة الشعائر وفي تقديم القرابين، في الاحتفالات. الإسلام، والحياة الدينية الإسلامية ليست استثناء من هذه العلاقة العضوية كما سنفصل من بعد. 

 

الإسلام والفنون:

 

1-التصوير والنحت

 

إن كل خطابات التحريم تنطلق مما تتصوره تحريما للشعر فن  القرآن الكريم. وسنناقش هذه القضية تفصيلا فيما بعد. يكفي هنا أن نقول أن “الشعر” كان فن القوم – قبل الإسلام – ولم يكن عندهم فن غيره. لم يكن التصوير أو النحت من الفنون المألوفة في الفضاء العربي آنذاك إلا ما علمنا من الصناعة البدائية للتماثيل/الأصنام. كان من الضروري تحطيم التماثيل/الأصنام لأن معركة الإسلام الأساسية كانت ضد الشرك المتمثل في الوثنية، ذلك أن العرب كانوا يؤمنون بالله “ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله”، لكنهم كانوا يشركون مع الله آلهة ثمثلها تلك التماثيل/الأصنام. توحيدية الإسلام ترفض رفضا قاطعا هذا “الإشراك”، من هنا الحرص على التحطيم.

هل هذا التحطيم يمثل تحريما أبديا للصور والتماثيل؟ أم أن السياق – سياق قرب العهد بالشرك – هو الذي فرض هذا الموقف. واليوم لا خوف على المسلمين من العودة إلى الشرك، فلا مجال للتحريم. هذا ما قاله “محمد عبده” وآخرون في بداية القرن العشرين؛ فأفسحوا المجال للإبداع الفني المصري في مجالي التصوير والنحت. هكذا أبدع “محمود مختار” تمثال “نهضة مصر”، وهكذا تبرع فلاحو مصر من قليل قروشهم لإقامة تماثيل للزعيم “سعد زغلول” بعد وفاته في كل مديريات (محافظات) مصر المحروسة.[3] ويمكن للإنسان أن يضيف إلى اجتهاد الإمام حقائق التاريخ؛ فالعرب لم يحطموا أي تماثيل في البلاد التي فتحوها (أو غزوها)، وإلا ما احتفظت المعابد المصرية ولا المعابد البوذية بتماثيلها.

رغم تحطيم التماثيل والحرص على التوحيد النقي الذي لا تشوبه شائبة فإن الدارس للقرآن يميز بين مستويين على الأقل في التعبير القرآني عن “الله”: مستوى التنزيه، ومستوى التشبيه. يتمسك المعتزلة والفلاسفة بمستوى التنوية ويعتبرونه “أم الكتاب”، وعلى أساسه يأولون المستوى الثاني تأويلا مجازيا لنفي مشابهة الله تعالى للبشر. والمستوى الثاني هو هذا المستوى الذي يوصف فيه الله تعالى بأن له وجها وأن له يدا وعينا جنبا … الخ، وهو المستوى الذي يرفض البعض تأويله ويقولون بالإيمان به بلا تشبيه. حسب وصف المتصوفة – وابن عربي خاصة – أن المؤولة ينظرون للحقيقة بعين واحدة، وكذلك ينظر المشبهة. كلا المنزِّهة والمشبِّهة يعاني من “العور”، أي النظر بعين واحدة للحقيقة الإلهية. والحقيقة الإلهية لا تدرك إلا بالعينين “تنزيه في تشبيه” “تشبيه في تنزيه”.

وبدون أن نتبنى هذا الموقف أو ذاك، فالحقيقة أن القرآن نزل للناس كافة – أبيضهم وأسودهم وأحمرهم وأصفرهم، المتعلم والجاهل كما يقول “ابن رشد” – والإيمان لا يمكن أن يتعلق بإله بمجرد؛ فالمؤمن يحب أن يتواصل مع إلهه، يطلب منه العون والمساعدة والرعاية، يرجو منه السماح والمغفرة والعفو عن ذنوبه. هذا هو المعنى العميق للإيمان؛ فلا يتحقق كمال الإيمان إلا بالصورة المتخيلة التي يبتهل لها المؤمن ويتواصل معها في صلاته (الله في قبلة المصلي). يحتفل المتصوفة بحديث نبوي فحواه “اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

هذه التمثيلات اللغوية في القرآن – بعد التشبيه – تمثل ثمثيلا لغويا تخييليا للحقيقة الإلهية، في هذه التمثيلات يتم استبدال اللغة بالحجر. هل هذا يعني تحريم صنع التماثيل الحجرية في هذا العصر الذي زالت فيه أسباب “الكراهة”، أقول الكراهة وليس التحريم؟ 

كان علينا أن ننتظر وصول “طالبان” إلى الحكم في أفغانستان لندرك خطأ المسلمين الأوائل، لأنهم أهملوا تحطيم تماثيل بوذا. وكان علينا بالمثل أن ننتظر هذه الأيام السوداء في مصر لنعرف أن رسم الموديلات ونحت التماثيل حرام في كليات الفنون ولنعرف أن كل شوارعنا ومداخل مدننا لا بد أن يتم تطهيرها من رجس التماثيل. هذا هو الحال في خطاب التحريم الحديث، وهو خطاب ينطلق من عدم إدراك للتاريخ ومتغيرات الزمان. يتصور هذا الخطاب أن إيمان المسلمين في هذا العصر ضعيف المناعة، ومن ثم يجب حمايته من التعرض لهذه الفنون. 

في ندوة القاهرة اعترض أحد الشباب على هذا الكلام، ومؤدى اعتراضه أن التماثيل ما زالت تُعبد، وأن الانحناء للتمثال نوع من العبادة. وهذا عدم تمييز بين المعنى الديني للعبادة وبين التعبير عن الاحترام بالاحناء للتماثيل في بعض الثقافات. ولو فرضنا جدلا أنها عبادة، فليس من حق المسلم أن يفرض معاييره الإيمانية على أحد. نقطة أخرى جديرة بالإضافة في النص المكتوب: في القرآن أمر الله الملائكة أن “تسجد” لأدم، فهل كان هذا أمرا بالعبادة، أم أن طلب “السجود” – الذي هو أقرب للعبادة من الانحناء الذي يشبه بالركوع – ليس إلا تعبيرا عن أظهار التقدير والاحترام؟

 

2- الموسيقى والغناء:

 

لم يكن معروفا عند العرب قبل الإسلام إلا موسيقى الدفوف، نحن نعلم أن النبي حمل عائشة على كتفه للتفرج على رقص الأحباش على أنغام الدفوف. وحين اعترض عمر بن الخطاب كان رد النبي رفضا لهذا الاعتراض. لكن الأمر لا يحتاج لمثل هذه الاستشهادات؛ فترتيل القرآن فن موسيقي بامتياز. لهذا ليس غريبا أن تكون بداية كل فنانينا العظام من “سيد درويش” إلى “أم كلثوم” و”محمد عبد الوهاب” ترتيل القرآن والأناشيد المدحية. يعتمد فن ترتيل القرآن – علم التجويد – على مراعاة قواعد التنغيم والفصل والوصل. ويسمح هذا الفن إلى حد كبير بحرية اللأداء في فن “التصييت” داخل حدود القوانين العامة للترتيل والتجويد. لهذا يتميز “صييت” عن آخر؛ فأداء المرحوم “الشيخ محمد رفعت” لسورة الرحمن بصفة خاصة يتميز بكفاءة نقدرها جميعا حتى الآن.

إذا كانت موسيقى “الترتيل” و”التجويد” واجبا دينيا، وهي موسيقى يحملها الصوت الإنساني، لا تمييز في ذلك بين صوت الرجل وصوت المرأة، فكيف بالله يتم تحريم الموسيقى والغناء باعتبارهما مداخل للشيطان؟ ستدخلنا الإجابة على هذا السؤال إلى منطقة تحريم الكلام المصاحب للموسيقى، وهو تحريم يقوم على أساس أخلاقي يتم التعبير عنه بعبارت دينية. أن يغني “عبد الوهاب” مثلا “جينا الدنيا ما نعرف ليه”، أو أن يقول أبو القاسم الشابي “جئت لا أعرف من أين، ولكني أتيت” يتم الاعتراض من خارج الفن: الحقيقة معروفة فلا يجوز التساؤل عنها، معروف من أين جئنا، وإلى أين المصير؛ فالتساؤل هرطقة وكفر. هذا يشبه صوت أفلاطون الذي خلط بلا تمييز بين الحقيقة “الفلسفية” والحقيقة “الشعرية”. فقهاؤنا يخلطون بين الحقيقة الدينية والحقيقة اللاهوتية والحقيقة الإيمانية من جهة، ويخلطون بين كل هذه الحقائق وبين “الحقيقة الفنية” من جهة أخرى.

الحقيقة الدينية ليست واحدة، بل تتعدد بتعدد التفسيرات والتأويلات. تتحول هذه الحقيقة الدينية إلى “عقائد” عند علماء اللاهوت (علم الكلام). الحقيقة اللاهوتية ليست هي الحقيقة الإيمانية، بل هي الحقيقة المؤسساتية، وهي ليست ثابتة، إذ هناك تفسيرات لاهوتية متعددة للحقيقة الدينة. [4]  الحقيقة الإيمانية هي مجال التعبيرات الفنية، وهي تحتمل التساؤل والشك، لأنها حقيقة فردية. الطبيعة التساؤلية هي جوهر الفن، وجوهر التعبير الأدبي، هي الحقيقة الفنية. مهمة اللاهوت تقديم الإجابات التي من حق الفن والفكر أن يتحداها بطرح التساؤلات وإثارة الشكوك. بدون هذه التساؤلات والشكوك تتجمد الحقيقة اللاهوتية وتفقد خصوبتها. يقول الشيخ أمين الخولي الذي سنستشهد بأقواله كثيرا في الفقرة الأطول التالية “تكون الفكرة أحيانا كافرة ملحدة، ثم تصبح عقيدة تتطور بها الحياة”.

بعيدا عن هذا الجدل ازدهر فن الموسيقى والغناء في كل الفضاءات الثقافية الإسلامية، ليس فقط في بلاط الخلفاء، بل في كل أركان الفضاءات الاجتماعية. يكفي موسوعة كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني. فضلا عن الموسيقى والغناء ازدهر فن الرقص في الفضائين الديني والمدني على السواء. يكفي ما هو معروف في الفضاء الديني الصوفي من عزف ورقص وإنشاد في طقس “الذكر”. من منظور اللاهوت المتجمد اعتبر هذا كفرا للأسف.

إذا كان المسلمون لم يعرفوا فن “النحت” بالمعنى الذي عرفته ثقافات أخرى، فيكفي النظر إلى عمارة المساجد في إيران ومصر وسوريا وتركيا والهند وجنوب شرق آسيا حيث تتعانق فكرة المسجد مع كل التعبيرات المعمارية الثقافية في حضارات العالم. في الصين والهند لا تخطئ العين التفاعل بين عمارة المعابد البودية وعمارة المساجد. في إسبانيا تحولت الكنائس إلى مساجد وبقي طرازها المعماري ماثلا. ماذا يبقى من الحضارة الإسلامية – التي نفخر بها كما تتباهى الصلعاء بشعر جدتها – إذا حذفنا منها كل هذه الفنون؟ سيبقى اللاهوت الجامد ويبقى كلام الفقهاء الذي نلوكه بلا نقد ونكرره بلا ملل. سيبق أن يحكم حياتنا الموتى رحمهم الله. حياة بلا فن هي حياة جافة مبتذلة رخيصة. الفن حياة، والدين حياة، فكيف يتخاصمان؟

ليس معنى ذلك أنني أؤسس دينيا لقبول الفن. كان هذا سؤالا طرح في بيروت. الفن حاجة إنسانية روحية لا تحتاج لإثبات أو تبرير من أي مصدر خارجها. إن الطفل يرقص لأي نغمة قبل أن يلقنه المجتمع حدود المسموح والممنوع. كل أطفال العالم يفعلون ذلك؛ لأن إيقاع الكون ماثل في تكويننا الجسدي. هكذا الفن استعادة لعلاقة الإنسان بالكون، تلك العلاقة التي تنظمها الثقافة وتتحكم فيها معايير التنشئة والتربية فتفسدها أحيانا وتشوهها في أحيان أخرى. الفن حاجة وليس ترفا. يمكن أن نقول نفس الكلام عن “الدين” بمعنى الإيمان؛ فهو حاجة إنسانية إذا لا يستغني الإنسان أي إنسان عن “إيمان” ما هو بالنسبة له حقيقة. هنا يلتقي الدين – كحقيقة إيمانية – بالفن. وهذه هي الصعوبة في تحديد أيهما نشأ في أحضان الآخر    

 

القرآن مجمع الفنون:

 

مقدمتان ونتيجة:

 

سأبدا باختيار نصين من كتاب سيد قطب عن “التصوير الفني للقرآن”، وهو كتاب صدر عام 1945 عن دار المعارف المصرية، هما بمثابة مقدمتين ينتهي منهما سيد قطب إلى نتيجة هامة. الاختيار – اللذي بدأت به المحاضرتين في كل من بيروت والقاهرة – لا يخلو من خبث من جانبي. أقصد بالخبث هنا معنى المغزى الذي لا يخفى على القارئ أو الحاضر اللبيب. وهو معزي يتضح جليا دون خبث.

 

المقدمة الأولي:

 

n   التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن. فهو يعبر بالصورة المُحسَّة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية؛ وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور؛ وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها، فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة. فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة؛ وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد؛ وإذا النموذج الإنساني شاخص حي؛ وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية. فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة؛ فيها الحياة، وفيها الحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل. فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأُوَل، الذي وقعت فيه أو ستقع؛ حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات؛ وينسى المستمع أن هذا كلام يُتلى، ومثل يُضْرب، ويتخيل أنه منظر يُعْرَض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة، فتنم عن الأحاسيس المضمرة. إنا الحياة وليست حكاية الحياة. ص 31.

 

تعمدت هنا تأكيد بعض الكلمات باللون الأسود وبوضع خط أسفلها، وهي بترتيب مغاير لورودها في النص: التخييل، التصوير، العرض، المسرح، اللوحة، الصورة المحسة المتخيلة. تلك مفردات تحيل كلها إلى عالم الفن الواسع الفسيح، عالم يصف به سيد قطب القرآن، الذي هو بناء لغوي، أي بناء استطاعت لغته أن تخترق كل الآفاق الفنية وتوظف كل أدواتها. بل إن سيد قطب يتجاوز كل التحفظات التراثية التي ترفض استخدام مصطلح “التخييل” مثلا في وصف الأسلوب القرآني. لقد استخدم “الزمخشري” هذا المصطلح في وصف بعض الصور القرآنية فتعقبه المعلقون بالذم واصفين إياه بإساءة الأدب في وصف القرآن. سيد قطب ينطلق هنا من موقع “الناقد الأدبي”، الذي يدرك العلاقة العضوية بين الأدب والفنون البصرية والسمعية والدرامية، فيؤكد مر أخرى أن “القرآن”:

  

n      تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل؛ كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل. ص 32.

 

المقدمة الثانية:

 

n   قرأت تفسير القرآن في كتب التفسير، وسمعت تفسيره من الأساتذة. ولكني لم أجد فيما أقرأ أوأسمع ذلك القرآن اللذيد الجميل الذي كنت أجده في الطفولة والصبا. واأسفاه! لقد طُمِست كل معالم الجمال فيه؛ وخلا من اللذة والتشويق. وعدت إلى القرآن أقرؤه. في المصحف لا في كتب التفسير. وعدت أجد قرآني الجميل الحبيب؛ وأجد صوري المشوقة اللذيدة. ص 6.

 

في هذه المقدمة الثانية نلتقي مصطلحات تتصل بوظيفة الفن، فيما كانت مصطلحات المقدمة الأولى تتصل بطبيعة الفن. هنا نجد مصطلحات اللذة والجمال والتشويق، يتذوقها المؤلف في القرآن ولا يجدها في كتب التفسير ولا عند الأساتذة. لم يقل سيد قطب أن كتب التفسير ومحاضرات الأساتذة كان شاغلها وما يزال وضع القواعد والاهتمام بالمعايير لا تذوق لذة الفن ولا التنعم برحيق الجمال. هذا التذوق للذة والتنعم بالرحيق يوجد عن من انشغلوا بالبحث عن “سر الإعجاز” ومن حاولوا اكتشاف قوانينيه كما سنرى، وسيد قطب يشير باحترام وتوقير للشيخ “عبد القاهر الجرجاني” صاحب كتابي “أسرار البلاغة” و”دلائل إعجاز القرآن الكريم”.

 

النتيجة:

 

n   إن الصور في القرآن ليست جزءا منه يختلف عن سائره. إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل (ص 8). يجب إذن أن نبحث عن ”منبع السحر في القرآن“ قبل التشريع المحكم، وقبل النبوءة الغيبية، وقبل العلوم الكونية، وقبل أن يصبح القرآن وحدة مكتملة تشمل هذا كله. فقليل القرآن الذي كان أيام الدعوة الأولى كان مجردا من هذه الأشياء التي جاءت فيما بعد، وكان – مع ذلك – محتويا على هذه النبع الأصيل الذي تذوقه العرب، فقالوا: إن هذا إلا سحر يؤثر. ص 16

 

القرآن نص أدبي أولا وقبل كل شيء:

 

خطاب سيد قطب هنا جزء من الخطاب العام في الأربعينات، وهذا يؤكد ما قلناه في المقدمة. لم يكن سيد قطب وحده في التعامل مع القرآن من منظور طبيعته الأدبية، الطبيعة التي يرى قطب – مشاركا الشيخ أمين الخولي وتلاميذه – محمد احمد خلف الله وبنت الشاطئ وشكري عياد وآخرون – أنها لا تقتصر على جزء بعينه في القرآن، بل هي الطبيعة السارية في بنيته كلها. ويرى قطب أن الدراسة الأدبية يجب أن تسبق أي دراسة؛ إنها الدراسة التي تمكن الباحث من الوصول إلى النبع الأصلي “منبع السحر” الذي بهر العرب قبل التشريع وقبل النبوءات وقبل أي شيئ آخر. وهذا الفهم يتجاوب بقوة مع ما يقوله أمين الخولي بأن القرآن:

“هو كتاب العربية الأكبر، وأثرها الأدبي الأعظم وتلك صفة للقرآن يعرفها العربي مهما يختلف به الدين، أو يفترق به الهوى، ما دام شاعرا بعربيته، مدركا أن العروبة أصله في الناس وجنسه بين الأجناس، وسواء بعد ذلك أكان العربي مسيحيا أو وثنيا، أم كان طبيعيا دهريا، لا دينيا، أم كان المسلم الحنيف وهذا الدرس الأدبي للقرآن في ذلك المستوى الفني، دون نظر إلى أي اعتبار ديني، هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا، والعربية اختلاطا، مقصدا أول، وغرضا أبعد يجب أن يسبق كل غرض ويتقدم كل مقصد. ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد إلى ذلك الكتاب، فيأخذ منه ما يشاء، ويقتبس منه ما يريد، ويرجع فيه إلى ما يحب من تشريع، أو اعتقاد، أو أخلاق، أو إصلاح اجتماعي، إلى غير ذلك. وليس شيء من هذه الأغراض الثانية يتحقق على وجهه إلا حين يعتمد على تلك الدراسة الأدبية لكتاب الغربية، دراسة صحيحة، كاملة، مُفْهِمة له.”[5]  

ومثله مثل سيد قطب يرى الخولي أن عقد الإيمان – أي عقد التصديق برسالة محمد عليه السلام – هو في جوهره عقد أدبي بلاغي، إذ كان الحافز المحرك للإيمان هو الأثر البلاغي الأدبي الذي أحدثه القرآن في نفوس العرب:

“وهكذا كانت الدعوة الإسلامية عملا بلاغيا قويا، أو شطرا واضحا من هذا العمل، إذ اعتمدت على حكم نقدي، وقامت على رأي في الفن القولي وإذا كان الأمر كذلك فالعربي حين دُعِيَ إلى هذا ويواجه به، فيؤمن ويستيقن، لا يكون اعتناقه للإسلام في جليته- إلا حكما نقديا وتقريرا أدبيا بدين الله.”[6]

 

استقبال العرب للقرآن (المشابهة):

 

إن هذه الطبيعة الأدبية البلاغية هي التي أدهشت العرب، فآمن من آمن (عمر بن الخطاب) وكفر من كفر (الوليد بن المغيرة المخزومي) وهما مثالان يستشهد بهما سيد قطب للدلالة على أساسية المدخل الأدبي البلاغي الفني لتذوق القرآن وفهمه. أما قصة الوليد فتحكي المرويات أن قريشا أرسلته ليفاوض محمدا عليه السلام لعله يتخلّى عن دعواه، فتلا عليه محمد بعض القرآن. فلما عاد لقومه متغير الوجه من تأثير ما سمع قالوا: “لقد صبأ الوليد” ، أي اعتنق الإسلام وتخلّى عن دين آبائه وأجداده. ورغم إنكاره أنه صبأ فإن الرواية تذهب إلى أنه قال: “والله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنيرٌ أعلاه مشرقٌ أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلَى عليه، وإنه ليحطم ما تحته”. سندع تلك المرويات جانبا على أساس انه يمكن التشكيك في مصداقيتها بالقول إنها مرويات مُتأخرة انتحلها المسلمون بعد انتصار الإسلام ونسبوها إلى بعض مشاهير الجاهلية من العرب. ندعها لأنها لا تضيف جديدا إلى ما نجده مذكورا في القرآن نفسه عن تلك الظاهرة. ففي سورة المدِّثر، رقم 74 في ترتيب المصحف والثانية في ترتيب النزول، (الآيات من 11-26) ورد ذكر تفصيلي لهذه الواقعة المنسوبة إلى “الوليد بن المغيرة”:

ذَرْني ومن خلقت وحيدا

وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا

ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيدا

إنه كان لآياتنا عنيدا

سأرهقه صعودا

إنه فكّر وقدّر

فقُتِل كيف قدّر

ثم قُتل كيف قدّر

ثم نظر

ثم عبس وبسر

ثم أدبر واستكبر

فقال إن هذا إلا سحر يؤثر

إن هذا إلا قول البشر

سأُصليه سقر

وهي تعكس حالة من التوتر الذهني والتشتت الانفعالي أصابت الشخص المبهم في السورة- عند سماعه القرآن. وبعد إطالة التفكير والتقدير والتدبر والنظر، بتقليب الأمر على وجوهه كافة، لم يجد وصفا يفسر ما أصابه من تأثير ما سمع سوى أنه “سحر” من أقوال البشر. وسواء كان هذا الوصف تعبيرا عن مشاعره وأحاسيسه الذاتية، أم كان نوعا من الإرضاء لقومه الذين استهجنوا تأثَّره -على ما تذهب الرواية الإسلامية كما وردت في كتاب “أسباب النزول” للسيوطي- فإن الوصف كاشف عن حقيقة حالة “الغرابة” و”عدم الألفة” التي أصابت العرب بسماع القرآن. ويمكن ملاحظة البنية الإيقاعية الشعرية للأيات اعتمادا على تكرار حرف “الراء” برنينيه الذي يشبه جرس الإنذار. إن قصة أيمان “عمر بن الخطاب” لدى سماع الآيات الأولى من سورة “طه” -رغم أنه كان بصدد تأديب أخته وزوجها لما بلغه من اتباعهما دين محمد- تؤكد أن عقد “الإيمان” بأن القرآن من عند الله، ومن ثم عقد “اعتناق” الإسلام دينا، عقد تأسس مبناه على ذلك البُعد الأدبي؟

إن وصف مشركي مكة للقرآن بأنه فعل قولي يشبه أقوال الكهان، أو أنه قول شعري يشبه أقوال الشعراء، لم يكن إلا تعبيرا عن إدراك لطبيعته كنص أدبي. ولا يخرج عن هذا الإدراك وصفهم له بأنه سحر، ألم يؤثر عن محمد نفسه صلعم- أنه قال: “إن من البيان لسحرا”؟ لم يكن مشركو مكة في الحقيقة مخطئين تماما في هذا الإدراك، ألا تعتمد البنية الأسلوبية للسور المكية القصيرة المبكرة النزول على بنية “السجع”، الخصيصة البارزة في أقاويل الكهان وتعازيم السحرة؟ ثم أليس في اعتماد بنية الشكل الشعري للقصيدة العربية على “القافية” وتنويعاتها داخل “البيت” الشعري ما يؤكد التشابه الأسلوبي بين السور المشار إليها وبين الشعر؟ لكن مشكلة مشركي مكة أنهم لم يكتفوا بإدراكهم لهذا التشابه، ولو اكتفوا به مع ملاحظة “التفاوت” و”الاختلاف” أيضا لهان الأمر. مشكلتهم أنهم تجاوزوا إدراك طبيعة النص، وذهبوا إلى إنكار مصدره الإلهي باتهام محمد أنه “كاهن” وأنه “شاعر” وأنه “ساحر” وأنه افترى هذا القرآن بمساعدة آخرين؛ ومن ثم أضافوا إلى اتهاماتهم السالفة تهمة “الكذب”. تلك الاتهامات تحديدا هي التي تصدى القرآن لتفنيدها، ولا يجب علينا أن نفهم من نفي الاتهامات أن القرآن يعادي الشعر. كيف وهو نفسه شعري البناء فني الأسلوب كما يؤكد سيد قطب اعتمادا على خبرته الأدبية وحسه المرهف كناقد أدبي، هو الذي اكتشف “نجيب محفوظ” وأول من كتب عنه.

تحيلنا عبارت “سيد قطب” عن “التصوير” و”التخييل” و”العرض” و”المسرح” … الخ لكي نفهم محاولات العرب التي لم تتوقف لتحديد “هوية” هذا الذي جاء به محمد زاعما – وفق تصورهم – أنه من عند الله. فذهبوا إلى أن محمدا “كاهن” ، وإلى أنه “شاعر” و”ساحر”. وقد أورد القرآن كل هذا ورد عليه:

“فذكّر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون * أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون * قل تربصوا فإني معكم من المتربصين” (سورة الطور رقم 52 الآيات 29-31)  

وحين فشلوا في الاقتناع -أو الإقناع- بأنه “شعر”:

“وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين” (يس/69)

لم يجدوا وصفا يستريحون إليه ويرددونه سوى أنه

“أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملَى عليه بكرة وأصيلا” (الفرقان رقم 25/5)[7]

والحاصل هنا أن أهل مكة فشلوا فشلا ذريعا في محاولة تصنيف القرآن في إطار النصوص المألوفة لهم كالشعر وسجع الكُهَّان وتعازيم السحرة، ولم يجدوا في النهاية سوى الزعم بأنه ينتمي إلى مجال “قصص الأوائل” (وهذا هو معنى أساطير الأولين)، وأن محمدا “افترى” هذه القصص، أي اختلقها بمعونة آخرين أو أمليت عليه. ومن اللافت للانتباه أن رد القرآن على هذا الزعم الأخير يتركز فقط على نفي “الافتراء” و”الاكتتاب”:

“قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض” (الفرقان/6).

في سياق تلك المحاولات الفاشلة زعم البعض أنهم يمكن أن يختلقوا -أو يفتروا- مثل هذا الذي اختلقه محمد وافتراه، فقالوا:

“لو نشاء لقلنا مثل هذا” (الأنفال/31)،

 فكان رد القرآن عليهم قبول التحدي ومطالبتهم -أولا- أن يأتوا

“بحديث مثله إن كانوا صادقين” (الطور/33)،

 ثم خصص التحدي بعشر سور مفتريات، وأن يستعينوا بمن يشاءون، وذلك بعد أن أوشكت كل تلك الاتهامات الباطلة أن تنال من عزيمة محمد كما يستنبط من قوله تعالى:

“فلعلّك تارك بعض ما يوحَى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أُنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل * أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين” (هود/12-13).

ولمزيد من السخرية منهم وإثبات عجزهم تحداهم القرآن أن يجتمعوا ليأتوا بسورة واحدة مستعينين بكل من يستطيعون معاونتهم:

“وما كان هذا القرآن أن يُفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين” (يونس/37).

ثم حسم القرآن القضية حسما نهائيا حين أعلن استحالة وقوع الاستجابة، وأن يأتي العرب بشيء مثل القرآن:

لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (الإسراء/88).

 

التوتر بين “الوحي” و”الشعر” (المخالفة):

 

أليس في كل هذا السجال بين القرآن والعرب، بالإضافة إلى حالة “الدهشة” و “الغرابة” التي سببها نزول القرآن، ما يؤكد أن البُعد الأدبي هو الخصيصة المميزة للقرآن من حيث هو نص مارس فعاليته التأثيرية، والتي على أساسها آمن به من آمن وكفر به من كفر؟

لكن علينا أيضا أن ندرك علاقة التوتر التي نشأت بحكم هذا السجال بين “الوحي” و”الشعر” رغم استنادهما إلى تصور ثقافي واحد فحواه إمكانية الاتصال بين الإنسان وكائنات فوق إنسانية. وفقا للقرآن كانت الجن تسترق أخبار السماء وتوحي بها إلى الكهان، الذين على أساسها يوجهون البشر في حياتهم التجارية والاجتماعية. وكان الشعراء يتلقون الوحي من “الجن”، سكان “وادي عبقر” ومن هنا الوصف “عبقري” للشاعر. هذا “التوافق” التصوري المفهومي لم يلبث أن دخل في حالة “توتر” تتطلب التمييز بين الشعر والكهانة والسحر من جهة وبين الوحي من جهة أخرى، وهذا ما نجده ماثلا في سورة الشعراء رقم 26. هذا التوتر تم حله بالتمييز بين المسارين، مسار الشعر ومسار النبوة. من أجل تحقيق هذا الحل كان لا بد من تمييز أخر بين نوعين من الجن: الجن الذي استمع إلى القرآن يتلى فآمن به (سورة الجن)، والجن الذي لم يؤمن فأكتسب صفة “الشيطنة”. هكذا صار “الشعر” من وحي الشياطين، بينما القرآن من وحي الملك.

من الضروري أن نتوقع أن يحدث هذا التصور الجديد نوعا من التطور النوعي في فهم ظاهرة الشعر، لكن هذا التطور احتاج إلى انبثاق الدرس الأدبي متمثلا في “نقد الشعر”، ومناقشة الظواهر التعبيرية الأدبية في القرون التالية، حيث تحول مفهوم وحي الشياطين للشعراء إلى مجال للتندر والسخرية. قال أحدهم ساخرا:

إني وكل واحد من البشر               شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

ومع هذا التمييز بين “الشعر” و”النبوة” من حيث مصدر الوحي كان النبي عليه السلام في حإجة إلى الشعر في معركته ضد قومه اللذين استخدموا سلاح الشعر في حربهم ضده. هكذا تم التمييز بين نمطين من الشعر: الشعر المؤمن، والشعر الكافر. وعلينا أن ندقق في الأزمة التي أحسها النبي عليه السلام في استخدام الشعر ليهاجم قومه. التقاليد الشعرية في الهجاء تتجاوز الأفراد إلى القبيلة، وهكذا كان على “حسان بن ثابت” أن يهجو قريش التي وجهت سهام شعرائها لنقد محمد وأتباعه، على اعتبار أنهم قبيلة منشقة. تساءل النبي قائلا لحسان: كيف تهجوهم وأنا منهم؟ فكان رد حسان: أسلك منهم كما تُسل الشعرة من العجين. هكذا استقرت هواجس محمد فقال لحسان: اهجهم وروح القدس يؤيدك. هكذا استقر شعر حسان في فضاء النبوة.

القارئ لسورة الشعراء، التي يستشهد بها دائما على تحريم الشعر، يدرك بسهولة بنيتها الشعرية. إنه الشعر يهون من شأن الشعر. في أحسن الأحوال هذا تعبير عن كراهة لا عن تحريم، وهي ليست كراهة لمطلق الشعر، بل للشعر الذي لا يتواصل مع النبوة. إنها كراهة أخلاقية، أو إن شئنا كراهة أيديولوجية، وما أبعد هذا عن التحريم الديني. تمثل الشعر المقبول في شعر “حسان بن ثابت” و”عبد الله بن رواحة”. ويشهد النقاد الكلاسيكيون جميعا أن شعر حسان أصابه الضعف في الإسلام، ففقد قوته وجزالته، ومن هنا قالوا “الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل عليه الخير لان”. والمقصود في رأييي ليس الخير والشر بالمعنى الديني؛ فالشعر إذا لم يكن مثيرا ومهيجا للمشاعر والأحاسيس (قارن بمفهوم التطهير عند أرسطو) لا يعيد بناء الوعي. الشعر الذي يقول لك ما تعرف مثل الفكر الذي يعتمد التكرار والإعادة بلا إفادة. يجب أن يحمل الشعر متلقيه إلى عوالم أخرى غير مطروقه، هذا هو “النكد”.

أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ، مفكر موسوعي الأفق متعدد المساهمات في أغلب مجالات المعرفة، استمع إلى قول الشاعر:

ليس من مات فاستراح بميت       إنما الميت ميت الأحياء

فصرخ: هذا ليس بشعر وقائله ليس بشاعر، ولولا أن أدخل في الحكم بعض العنت (المبالغة) لقلت لا يخرج من صلبه شاعر. إنما الشعر صناعة وضرب من التصوير (تأكيدي). هكذا يتجاوب “الجاحظ” من فضاء القرن الثالث الهجري مع فضاء القرن الرابع عشر، قرن سيد قطب وأمين الخولي.

لو كان القرآن حرم الشعر لسكت الشعر، ولكن الشعر ازدهر مرة أخرى مع الفتن والحروب، وازدهر في بلاط الخلفاء وفي دواوين الوزراء، وتعددت طرائق الشعراء ومناهجهم. لكن الشعر قبل هذا كله كان مصدر تفسير القرآن: يقول ابن عباس (حامل لقب ترجمان القرآن): إذا تعاجم عليكم شيئ من القرآن فعليكم بالشعر فإن الشعر ديوان العرب (واضح أن الإشارة هنا للشعر الجاهلي). وبعبارة أخرى: احتاج القرآن للشعر، لعل هذا سر الهجوم الشرس الذي تعرض له طه حسين بسبب محاولته توثيق الشعر بإعادة فتح مناقشة مشكلة الانتحال. يظن البعض أن المساس بالشعر الجاهلي هو بمثابة المساس بالإطار المرجعي التفسيري للقرآن. لكن تلك قضية لا يتسع المجال لمناقشتها. سؤلت سؤالا عجبت له “هل أخطأ طه حسين أم لم يخطئ في كتاب “في الشعر الجاهلي”؟ فأجبت أن كتاب “في الأدب الجاهلي” هو النسخة الموسعة باسثناء بعض العبارات التى رأى “طه حسين” – وأنا أوافقه الرأي” لا تخل بالمنهج. لكن سؤال “المنهج” صعب على خطاب التحريم والتجريم أن يخوض فيه. إنهم يرفضون النتيجة دون فحص المقدمات، وهم يكرهون النتائج الفكرية التي لا تستوعبها عقولهم.   

 

الإعجاز الأدبي ومرجعية الشعر:

 

ازدهار الشعر دليل على أن كراهة الشعر تمثل موقفا فقهيا متزمتا من البعض. ولم يخل الأمر من مرويات ركيكية في مبناها ومعناها. من الضروري هنا التنبيه إلى قضية “الإعجاز” تمحورت في الأساس على مفهوم “التفوق الأدبي” للقرآن على كل أنماط الكلام البشري، شعرا كان أن نثرا. صحيح أنها نوقشت أيضا من منظور كلامي لاهوتي أدخلها في نسيج المعضلات اللاهوتية الخلافية بين كل من المعتزلة والأشاعرة، وأبعدها بنفس القدر عن مجالها الخاص البلاغي الأدبي. لكن هذا التداخل يعد أمرا طبيعيا في السياق الثقافي التاريخي الذي انبثقت فيه المعرفة بكل مجالاتها اللغوية والأدبية واللاهوتية والفلسفية والأخلاقية وحتى التاريخية والجغرافية-من النقاش حول نص مركزي هو القرآن. وقد استمر النقاش دائرا على مثل تلك الوتيرة لتحديد معنى الفصاحة والبلاغة، ومدى حضورها وكيفية هذا الحضور في تفسير ظاهرة “الإعجاز”.

ولا نريد أن نعيد هنا ما سبق لنا طرحه في أماكن أخرى عن هذا النقاش وطبيعته ودلالته[8]، ونتوقف عند جهد الشيخ “عبد القاهر الجرجاني” (470هـ/1078م) الذي صاغ مفهوما متماسكا لتفسير الإعجاز من منظور بلاغي نقدي. كانت القضية الأساسية في كتابي “عبد القاهر” “أسرار البلاغة” و”دلائل إعجاز القرآن الكريم” هي قضية التفرقة بين “مستويات الكلام” ، تلك المستويات التي تبدأ من مستوى الكلام العادي المألوف متدرجة إلى مستوى “الكلام المعجز” الذي يعلو على طاقة البشر الإتيان بمثله. وللتمييز بين طرفي مستويات الكلام لا بد من تحديد خصائص الكلام “الأدبي” تحديدا دقيقا. من أجل ذلك نراه لا يقنع بالتفسيرات التي طرحا أسلافه للإعجاز، كما أنه لا يكتفي بالوقوف في منطقة “اللاتعليل” التي وقفها البعض الآخر. هذا بالإضافة إلى أنه حريص كل الحرص على تحرير معاني المصطلحات التي استخدمها أسلافه وضبطها، خاصة مصطلحي “النظم” و “التأليف” الذين فسر بهما “الباقلاني” إعجاز القرآن.

في البداية يخصص عبد القاهر فصلا في “أسرار البلاغة” عن “التجنيس” ليثبت أنه جزء من بنية الدلالة في النص الأدبي، وليبدد الوهم بأنه مجرد زينة لفظية (صوتية) خارجية لا دخل لها في إنتاج الدلالة.[9] ثم هو يتوقف أمام الظاهرة نفسها في “الدلائل” ليؤكد علاقتها لا ببنية المعنى فقط بل ببنية الأسلوب كذلك، وذلك في معرض الرد على من يحصرون مفهومي “الفصاحة” و “البلاغة” في الألفاظ وحدها وتلاؤمها الصوتي والإيقاعي فقط.[10] ويكون هذا مدخله لتحرير مفهوم “التجنيس” و”السجع” فرع منه- من المعنى الذي حصره في مجرد الزينة الخارجية والبهاء الشكلي.

ولم يكن هذا الحرص على تحرير معنى مفهوم “التجنيس” مستقلا عن محاولة الشيخ لتحرير مفاهيم “الفصاحة” و “البلاغة” من سجن ثنائية “اللفظ والمعنى”، التي انحبست فيها طويلا، والخروج بها إلى رحاب علاقات التركيب، أو “النظم.”[11] وتعريف عبد القاهر للنظم بأنه “قوانين النحو” ليس المقصود به قوانين النحو المعياري الذي يكتفي بالوقوف عند حدود التمييز بين “الصواب” و “الخطأ” في الكلام العادي، بل يقصد بـ”قوانين النحو” مستويات التراكيب والأساليب ذات التأثير الجوهري في إنتاج الدلالة، كالتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والذكر والحذف، وتعدد أساليب النفي والاستفهام والأمر والنهي والقصر والإطناب والالتفات .. إلخ.[12] وهذه القوانين إنما تستنبط من دراسة “الشعر” وكلام البلغاء، وعلى أساسها يمكن التمييز بين مستويات الكلام، وتحديد ما علا منه وما سَفُل، وفقا لقدرة المتكلم على استثمار تلك القوانين استثمارا منتجا. والحال كذلك، فتحديد مستوى الكلام أمر ممكن من منظور علم البلاغة. من هذا المنطلق يرفض عبد القاهر الوقوف عند منطقة اللاتعليل، والاكتفاء بالقول إن “الإعجاز” أمر تُدْرَك صفته ولا تحيط به العبارة، كما يرفض قول القائلين:”إن عجز العرب عن معارضة القرآن ينهض حجة على من أتى بعدهم.” لا يقنع عبد القاهر إلا بالتعليل المقنع والتفسير الكاشف. لا يقنع عبد القاهر بمفهوم أن الإعجاز واقع خارج النص، فهذا لا يفسر التحدي. وكذلك لا يقنع بأن الإعجاز يقع في صدق إخباره عن الماضي وعن الحاضر والمستقبل، فذلك يحصر الإعجاز في آيات من القرآن دون سائر الآيات والصور. أما ذلك التأويل الذي يحصر الإعجاز في أنماط بعينها من التشبيه والتمثيل والمجاز والاستعارة فعبد القاهر يتساءل محقا: فماذا عن المواطن التي لا تتضمن أيا من تلك الأنماط البلاغية، وهي الأكثر في القرآن؟ لا يقنع عبد القاهر بآراء سابقيه، ويرى، وفقا لنظريته في “النظم”، أن الإعجاز كامن في بنية القرآن ذاتها وليس خارجها بأي حال من الأحوال، وهو كامن في كل آية من آياته طالت أم قصرت، وأيا كان موضوعها: قصصا أو تشريعا أو عقيدة، إنذارا أو بشارة أو وصفا، وعدا أو وعيدا .. إلخ. هذا الإعجاز ظاهرة يمكن اكتشافها في كل عصر وفق قوانين يمكن اكتشافها من تحليل الكلام البليغ، ولا تتوقف معرفته على العرب الذين عاصروا الوحي.[13]

والطريق الموصل إلى العلم بمعجزة القرآن الباقية أبدا واللآئحة دائما لمن أراد الوصول إلى معرفتها هي معرفة قوانين الكلام، التي لا مدخل لها بدورها إلا دراسة “الأدب”، والشعر بصفة خاصة. وطبقا للقاعدة الفقهية المعروفة “ما لا يتم فعل الواجب إلا به فهو واجب” تصبح دراسة “الأدب” واجبا دينيا لمن أراد الوصول إلى معرفة “براهين” الإعجاز، التي هي حجة صدق النبوة والدليل الهادي إلى الإيمان الواعي، دون إيمان التقليد. لا يكتفي عبد القاهر بتأكيد أن دراسة الشعر واجب ديني، بل يتهم أولئك الفقهاء الذين يقللون من شأن الشعر ويهونون من شأن دراسته بأنهم في الحقيقة يسدون أمام العلماء طريق العلم بأخطر قضايا الدين، ويقفون حائلا بين العالم المسلم وبين أدائه لأهم واجباته العلمية:

“وذلك أنا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبهرت، هي أنه كان على حد من الفصاحة تقصر عنها قوى البشر، ومنتهيا إلى غاية لا يُطْمَحُ إليها بالفِكَر، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يُشَكُّ أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيها قصب الرهان، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل، وزاد فيه بعض الشعر على بعض (إذا كان الأمر كذلك) كان الصاد عن ذلك (=دراسة الشعر ومعرفة قوانين التباين والتفاضل فيه) صادا عن أن تُعْرَف حجة الله تعالى، وكان مثْلُه مثل من يتصدى للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالى ويقوموا به ويتلوه ويقرأوه فمن حال بيننا وبين ما له كان حفظنا إياه ، واجتهادنا في أن نؤديه ونرعاه كان كمن رام أن يُنْسيناه (=القرآن) جملة، ويُذْهِبَه من قلوبنا دَفعةً. فسواء من منعك الشيء الذي تنتزع منه الشاهد والدليل (=على إعجاز القرآن، وهو دراسة الشعر والأدب) ومن منعك السبيل إلى انتزاع تلك الدلالة، والاطلاع على تلك الشهادة.”[14] (الزيادة بين الأقواس من وضعنا لبيان المعنى.)

ليس علم الشعر إذن، فيما يرى عبد القاهر، مجرد علم مساعد لفهم القرآن يتساوى مع غيره من العلوم المساعدة، بل هو “العلم” الذي لا غناء عنه، والذي يحتل قبل أي علم آخر مرتبة الضرورة القصوى، لأنه يقع في مرتبة “الوجوب” الدينية. من هنا يصبح علم العلوم، لا في الكشف عن “الإعجاز” فقط، بل في حسم الخلاف في قضايا “التفسير والتأويل”، وفي حماية “المفسِّر” و “المؤوِّل” من المغالطة في الدعوى أو الوقوع في أسر أوهامه الإيديولوجية. إن علم الشعر بلغة عبد القاهر:

“باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة، ومعان شريفة، ورأيت له أثرا في الدين عظيما وفائدة جسيمة، ووجدته سببا إلى حسم كثير من الفساد فيما يعود إلى التنزيل، وإصلاح أنواع من الخلل فيما يتعلق بالتأويل، وإنه ليؤمِّنك من أن تُغالِط في دعواك، وتدافع عن مغزاك، ويربأ بك عن أن تستبين الهدى ثم لا تُهْدى إليه، وتُدِلَّ بعرفان ثم لا تستطيع أن تدُلَّ عليه، و(يؤمِّنُك) أن تكون عالما في ظاهر مُقلِّد، ومستبينا في صورة شاك، وأن يسألك السائل عن حجة يُلقي بها الخصم في آية من كتاب الله تعالى أو غير ذلك فلا ينصرف عنك بمقنع.”[15] (ما بين الأقواس إضافة من عندنا لإبراز المعنى.)

 

خاتمة:

 

إذا كان عبد القاهر قد حل أزمة “التوتر” بين الشعر والوحي باتخاذ الشعر منطلقا لفهم خصائص الكلام البليغ، فإن “سيد قطب” وأبناء جيله قد وسعوا منظور القرآن ليشمل كل الفنون كما رأينا. ولم يكن ممكنا لعبد القاهر أن يخطو هذه الخطوة دون إنجازات سابقيه المعرفية في مجال اللغة والبلاغة واللاهوت والفلسفة. ولم يكن يكن ممكنا لسيد قطب وأبناء جيله فتح مجال الرؤية إلا بما قام به رواد النهضة أمثال “محمد عبده” رائد المدخل الأدبي والتحليل السردي بلا منازع. وهو نفسه “محمد عبده” الذي فتح أفق المعنى الديني لاحتضان فني التصوير والنحت بفتاواه الجريئة التي اخترقت حوائط التقليد والركود وأعادت المعنى الديني إلى جماعة المؤمنين. من هذا المجال الخصب الواعد والمحمل بالبشارة كتب محفوظ “أولاد حارتنا”، التأويل الأدبي الإبداعي للقصص الديني، لكن المناخ كان قد تغير، وكانت وعود البشارة بالمستقبل المضيئ تعاني من اختناق الحريات. لم يتفهم كثيرون إصرار محفوظ – بعد حصوله على نوبل – على عدم طبع الرواية في مصر إلا بعد موافقة الأزهر. وفي يقيني أن محفوظ أعاد كتابة “أولاد حارتنا” في “ملحمة الحرافيش”، فانتقل بها من شكل “الأليجوري/التمثيل الشفاف إلى بنية سردية أكثر تعقيدا وغنى.    

من نافلة القول أن نقول إن الاعتراض على الأعمال السردية – فضيحة “وليمة لأعشاب البحر” ورويات أخرى إلى جانب “أولاد حارتنا” يقوم على خلط بين “الأصوات” في الفنون السردية. بسبب هذا الخلط يحاسب المؤلف على أقوال الشخصيات، كما يحاسب صناع الفيلم أو المصور والنحات. كان “حسان بن ثابت” ينشد شعرا في المسجد النبوي، شعرا حسبه البعض فاحشا؛ لأنه يتضمن مفردة لغوية تنتمي لمجال العلاقة الجنسية. اعترض المعترض “أفحش في مسجد رسول الله؟” فقال حسان “إنما الفحش عند النساء”، وهذا تمييز دقيق بين “الفعل” و”القول الشعري”.

الدين لا يحرم الفنون، إنما يحرمها من يتصورون أنفسهم حماة الدين والأخلاق والأعراف والتقاليد. وهم أنفسهم حماة الأمر الواقع من رجال الحكم ومن يلف لفهم من بعض الإعلاميين والمثقفين. إنها أولا وأخيرا قضية “الحرية” في كل الفضاءات الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية. رفع حصار الحماية الذي يمارسه الاستبداد، كأن الشعوب لم تتجاوز مرحلة الطفولة. أي تحليل لخطاب التحريم في أي مجال سيجد مفهوم “الحماية” قارا فيه: حماية المشاهد (التليفزيون وكل الفنون المرئية)، حماية القارئ (مصادرة الكتب والأعمال الشعرية والروائية)، حماية الأخلاق والقيم (المراقبة على المصنفات). كل الاستبداد يرتد إلى ادعاء الحماية؛ لأن المستبد “أب” و”راع” و”حكيم” و”ملهم” و”خالد” نفديه بالروح والدم. الفن كالتعليم كالفكر كالبحث العلمي كالإعلام الحر أضواء تعري هذه الأقنعة. من هنا الخطورة على كل أشكال الاستبداد ومستوياته. ومن هنا حاجتنا للفن وللحرية.


[1]  جامع البيان في تأويل آي القرآن، دار الريان للتراث، القاهرة، 1407هجرية-1987م، ج 27 ص: 34.

[2]  السابق، ج 29، ص: 62.

[3] شكرا للصديق الشاعر زين العابدين لتزويدي بهذه المعلومات في تعليقه في بيروت.

[4]  من المهم هنا الإشارة إلى وضوح هذه التمييزات في الفكر الكلاسيكي؛ فعنوان كتاب “أبو الحسن الأشعري” المعروف هو “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين” فعبر عن هذا التعدد باسم “مقالات”. أما ابن رشد فاستخدم اسم عقائد في عنوان كتابه “مناهج الأدلة في عقائد أهل الملة”. الإسلام إذن ملة واحدة من حيث هو دين، لكنه عقائد مختلفة من حيث التفسيرات والتأويلات.  

[5]  السابق، أمين الخولي: مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير، دار المعرفة، القاهرة ط1 1961، ص: 303-304.

[6]  السابق، ص: 97.

[7] انظر أيضا الأنعام/25، والأنفال/31، والنحل/24، والمؤمنون/83، والنمل/68، والأحقاف/17، والقلم/15، والمطففين/13)

[8] انظر على سبيل المثال “مفهوم النص:دراسة في علوم القرآن”، المركز الثقافي العربي ، بيروت ط4 1998،  الفصل الخاص عن “الإعجاز”، ص: 139-168.

[9] انظر: أسرار البلاغة ، شرح وتعليق: محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة القاهرة، ط1 1973، الجزء الأول، ص: 99-111.

[10] انظر: دلائل إعجاز القرآن الكريم، قراءة وتعليق: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة 1984، ص: 61-62.

[11]  انظر مناقشاته المفصلة لإزالة وهم ثنائية “اللفظ والمعنى” في “الدلائل”، ص: 417 وما بعدها، وكذلك في “الأسرار”، جزء أول، ص:97 وما بعدها.

[12] انظر “الدلائل”، ص: 81-28.

[13] دلائل الإعجاز، ص: 10.

[14]  السابق، ص: 8-9.

[15]  السابق، ص: 41-42.

الفن وخطاب التحريم

 

مساء الخير وأهلا بكم في مصر

يمكن الاستماع او تنزيل تسجيل المحاضرة بالضغط على الوصلة التالية

http://www.4shared.com/file/46514583/3b48fb8/full_lecture.html

 

أشكركم لتحمل مشقة المجيء. هذا تكريم يفوق أي تكريم: أن تحرصوا على المجيئ رغم كل مشكلات التنقل في القاهرة. شكرا لمؤسسة المورد على هذه الدعوة الكريمة لإلقاء هذه المحاضرة في كل من بيروت والقاهرة في إطار احتفالاتها الثقافية والفنية بالربيع هذا العام. وبهذه الدعوة مكنتني من اللقاء بكم، وهو لقاء كم تمنيته منذ سنوات طويلة. اليوم تتحقق الأمنية العزيزة ويتم اللقاء بعد طول فراق. وشكرا للجامعة الأمريكية لاستضافة المحاضرة اليوم في القاهرة. وتقدير خاص للأخت العزيزة الأستاذ فريال غزول على هذا التقديم.

ألقيت هذه المحاضرة منذ يومين في مسرح “دوار الشمس” في بيروت، ومن حسن الحظ أنه لا يوجد نص مكتوب للمحاضرة، من ثم أحس بالراحة لإمكانية التواصل المباشر معكم كما حدث مع الحضور في محاضرة بيروت. وهذا خير من “دفس” الوجه في الورقة وقراءة نص معد سلفا. الآن موعد كتابة النص، وفي هذا النص المكتوب سأحاول أن أدمج “الحوار” الذي تلى المحاضرتين في هذا النص الذي أكتبه. بهذا يعتبر هذا النص المكتوب نصا حواريا لا أمتلكه وحدي، بل هو نص كل الذين شاركوا بالحوار وطرح التساؤلات بل والاعتراضات. 

 

 

تقديم:

 

خطاب التحريم لا يقتصر على الخطاب الديني، وإن كان هذا الخطاب الديني هو الأبرز حضورا والأعلى صوتا بحكم مركزية “الدين” في أفق الحياة العامة في مجتمعاتنا. هناك خطاب التحريم السياسي، وخطاب التحريم الاجتماعي،  وخطاب التحريم الثقافي، هذا فضلا عن خطاب التحريم الأكاديمي. الخطاب الديني جزء من الخطاب الثقافي العام في أي مجتمع، يزدهر الخطاب الديني بازدهار الخطاب العام، ويكون منفتحا وتحرريا وإنسانيا بقدر ما يكون الخطاب الثقافي العام كذلك. وحين يختنق الخطاب العام ويسوده التعصب وتحكمه معايير اللاعقلانية والتمترس خلف هوية تعادي الآخر وتكره الاختلاف يصاب الخطاب الديني بذات الداء: التعصب، واللاعقلانية وتحكم معاييرالهوية الجامدة، وكراهية الاختلاف.

في هذا القول نوع من التعميم بالفعل، إذ لا يفتقد الإنسان بعض البؤر المضيئة في كل الخطابات رغم سيادة خطاب الاختناق المشار إليه وهيمنته على المجال العام. لكن هذه البؤر المضيئة تمثل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها. الخطاب العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، يعيش هذه الأزمة منذ فترة ليست بالقليلة. ومهمتنا يجب أن تركز على تحليل هذا الخطاب تحليلا نقديا بهدف كشف جذوره وتعريتها مستعينين بكل بؤر الضوء المتاحة بالتفاعل معها من أجل تقويتها.

نفهم أن يصاب الخطاب السياسي بالفزع من المظاهرات، ومن تعبير الناس بطريقة سلمية عن متاعبهم ومعاناتهم بسبب الظروف المعيشية القاسية التي وصلت بالناس إلى حد معاناة الجوع لا مجرد الفقر. ونفهم تبريرات الخطاب السياسي لعجزه عن ضمان الحد الأدني لتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين بأسعار في متناول دخولهم بالاستناد إلى ارتفاع الأسعار في العالم كله. هذا كله مفهوم وإن كان غير مقبول لأنه غير مقنع، لكن من غير المفهوم ولا المتوقع أن يصدر بعض ممثلي الخطاب الديني فتوى بتحريم المظاهرات تحريما دينيا. هنا يتحول التجريم السياسي إلى خطيئة دينية. على أي نص ديني يستند خطاب التحريم هذا؟ والأدهى من ذلك أن يفتي البعض أن التدخل في تحديد الأسعار غير جائز دينيا، لأن الرسول عليه السلام لم يتدخل أبدا في تحديد الأسعار في السوق!!!! وهنا لا بد من وضع آلاف من علامات التعجب لهذه القفزة من القرن السابع إلى القرن الواحد والعشرين. ويصبح السؤال مشروعا: مثل هذا الخطاب لمن يتوجه، من يحمي ومن يخنق؟ أهو يحمي أهل الحل والعقد من غضب الناس، أم يحمي مصالح ممثليه مع أهل الحل والعقد أولئك. وأعتذر عن استخدام هذه المصطلحات البالية مثل “أهل الحل والعقد” لكن تلك هي اللغة التي تناسب مقام من يتصدى للفتوى هذه الأيام.

 

الفن حرية: الفزع من الحرية:

 

السؤال الآن: لماذا يسبب الفن فزعا لخطاب التحريم، فيحاول محاصرته ومصادرته؟ الفن هو المجال الأخصب لممارسة الحرية، وحين تصبح المجتمعات فزعة من الحرية، يكون الفن ضحية هذا الفزع. الفن هو ممارسة أقصى مستويات الحرية، يمارس الإنسان في الفن أقصى درجات التحرر, يتحرر من قيود الجسد في الرقص، من قيود الرتابة في الموسيقى، من قيود المادة في الفن التشكيلي، ومن قيود اللغة التداولية في الشعر والأدب. في الفن تتحقق إنسانية الإنسان في علاقته بالكون، حيث يستعيد الفن الإنسان من غربته التي فرضتها الثقافة بمفاهيمها وأعرافها ومؤسساتها وقيمها، في الفن وحده يتحرر الإنسان ليعيد بناء عالمه ويطور ثقافته. من أجل هذه الحرية المبدعة التي لا توجد إلا في الفن يكره المتشددون الفن على اختلاف طوائفهم سياسيا واجتماعياً وأخلاقيا ويمارسون ضد الفن والفنانين كل ضروب الاضطهاد، وفي أحسن الأحوال يضعون في طريقه الأشواك والمحاذير.

كان النحاة واللغويون يتتبعون دائما الشعراء فيما اعتبروه أخطاء، ذلك أن النحاة واللغويين يتحولون أحيانا إلى حراس للقواعد التي استنبطوها من استقرائهم للغة الكلام والتواصل، اللغة العادية. في لغة الشعر كسر لقواعد هذه اللغة العادية من أجل تجاوز إطارها المعرفي إلى آفاق جمالية ومعرفية تتأبى قدرة تلك اللغة العادية على حملها. لا تنكسر قواعد اللغة فقط على مستوى النحو وقواعده المعيارية، بل يخترق الشعر إمكانياتها الدلالية والتعبيرية بتوليد معان لا يمكن أن تتحقق إلا باختراق الدلالة المعيارية عن طريق الاستعارة والكناية والتشبيه، هذا فضلا عن البناء السردي في القصيدة. من القصص الدالة أن لغويا اسمه “عبد الله بن اسحاق الحضرمي” بلغ من كثرة تتبعه للشعراء وذمهم أن هجاه أحدهم بقوله:

ولو أن “عبد الله” مولى هجوته        ولكن “عبد الله” مولى المواليا

فقال له “أخطات: علام نصبت “مواليا”؟ فكان رد الشاعر “على ما يسوؤك وينوءك”. ذلك أن النحو المعياري يرى أن الكلمة “عبد الله” مضاف إليه وأن حقها الجر؛ فيجب أن تكون الموالٍ بدل “المواليا”. ما لا يدركه النحوي، وربما لا يهتم به، أن هذا يكسر الوزن ويحطم الإيقاع، أي ينقل الكلام من مستوى الشعر إلى مستوى اللغة العادية. وهذا ما جعل الناقد العربي الكلاسيكي يقول: “الشعراء أمراء الكلام”، أو بعبارة أخرى الشعراء هم سدنة معبد اللغة وليس النحاة.

هناك دائما علاقة توتر بين المعياري والفني على كل المستويات. ومحاكمة الفن على أساس “المعيار”، سواء كان المعيار لغويا أو أخلاقيا أو فلسفيا أو دينيا، هو خلط للمعايير وخلط للحقائق: وهو خلط ضار بالفن. هذا هو أساس التحريم في كل الخطابات التي تسعى إلى تأبيد الواقع وتكره التغيير، أي تريد أن تجمد اللحظة التاريخية، السياسية الاجتماعية الثقافية الفكرية، وتجعلها “أبدية”. الفن سعي دائم للآفاق المجهولة بطريقته الخاصة، وهو بذلك يشارك الفكر والعلم في رحلة الاكتشاف التي لا نهاية لها ما دام الإنسان يكدح في هذه الأرض التي تسمى الطبيعة أو الكون. وإذا كان الفن في كسره للمعايير يؤسس معايير جديدة تتحول إلى “مدرسة” أو “مذهب”، فإنه هو نفسه – الفن- الذي يقوم بكسر هذه المعايير والقواعد فتتأسس مدرسة جديدة ومذهب جديد. هنا أيضا يتجاوب الفن مع التقدم الفكري والعلمي، حيث تنشا معرفة جديدة بنقد المعرفة السابقة، وتتطور المعرفة العلمية بنقد النظريات السابقة. الفن والفكر والعلم سيرورة دائمة تعتمد على “النقد”، ولهذا يرهب خطاب التحريم من “النقد” ويعادية في الفكر والعلم والفن على السواء. تاريخ اضطهاد المفكرين والعلماء والفنانين يشهد بذلك.

تحريم الفن في أي خطاب هو أحد تجليات الفزع من الحرية بشكل عام في الخطاب العام. يتجلى هذا الفزع في ظاهرة تتميز بها مجتمعاتنا عن سائر المجتمعات. حين يبدأ كلام عن “الحرية” يبدأ البحث عن “الضوابط”، و”الحدود” “والمعايير”. يحدث ذلك قبل أن تبدأ الممارسة، التي هي وحدها الكفيلة بخلق المعايير والضوابط عبر الحوار والنقاش. إن التفكير بالمعايير والضوابط والحدود قبل الممارسة هو بمثابة وضع العربة قبل الحصان، الأمر الكفيل بالتحرك إلى الوراء لا إلى الأمام. دعونا نبدأ ممارسة الحرية أولا ولاتقيدوها منذ البداية بقوانين محكومة بأفق الانسداد الذي نعيشه. إن ضوابط الدين والأخلاق والعرف والقيم ليست ضوابط مطلقة كما يتوهم ذوو النوايا الطيبة، بل هي ضوابط تتحكم فيها معايير السلطة وعلاقات القوة في المجتمع. وفي المجتمعات الشمولية تتحدد المعايير والضوابط وفق مفاهيم السلطة المسيطرة. وكل هذه الضوابط والمعايير المدعاة تستند إلى بنية تحتية عميقة فحواها أولا: أن الحقيقة واحدة لا تتغير في المجتمع وفي الثقافة وفي الفكر، إنها حقيقة مطلقة لا تاريخية.ثانيا: إن هذه السلطة التي تريد وضع الضوابط والمعايير هي وحدها التي تحتكر معرفة هذه الحقيقة. إنه مفهوم “الحاكمية” الديني يتخلل الخطاب العام وإن تم التعبير عنه بمصطلحات أخرى مثل “الثوابت الاجتماعية” و”الثوابت الأخلاقية”، و”الثوابت الدينية” … الخ.    

 

فلسفة التحريم وسؤال الحقيقة:

 

طرح سؤال هام في كل من بيروت والقاهرة عن “تحريم” أفلاطون – وهو فيلسوف – للشعر ولماذا طرد الشعراء من الجمهورية وجعلها حكرا على الفلاسفة؟ والمشكلة الأفلاطونية تتمثل في مشكلة “الحقيقة”، حيث وضع أفلاطون الحقيقة في “عالم المثل”، واعتبر الواقع تشويها للحقيقة بما هو صورة انعكاسية لعالم المثل. وبما أن الشاعر يتخذ مادته الشعرية من الواقع، الذي هو صورة مشوهة للحقيقة، فالشعر يصبح تزييفا للحقيقة. فإذا أضفنا إلى ذلك أن أفلاطون اعتبر الشعر “تشويها ثانيا” للواقع المشوه أصلا، أدركنا أن الشعر – حسب أفلاطون – يشوه الحقيقة تشويها مركبا. إن الفلاسفة وحدهم هم القادرون على معرفة الحقيقة، فهم الأولى بالحكم من الشعراء.

هنا تكمن مشكلة أفلاطون، ومشكلة خطاب التحريم في كل العصور، وهي مشكلة عدم التمييز بين مستويات “الحقيقة” وتجلياتها المختلفة، فهناك “الحقيقة الفلسفية”، و”الحقيقة الاجتماعية”، و”الحقيقة السياسية”، و”الحقيقة الثقافية”، والحقيقة الدينية”، و”الحقيقة الفنية”. كل هذه الحقائق لا تتماثل وإن كانت تتقاطع وتتفاعل. مشكلة أفلاطون أنه جعل من “الحقيقة الفلسفية” معيارا – أكرر معيارا – للحكم على الشعر فطرد الشعراء من جمهوريته. لكن أرسطو انتبه للفارق بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة الشعرية باكتشافه لوظيفة الشعر – الدراما والكوميديا على السواء – بأنها “التطهير” عن طريق إثارة الانفعالات. ليست مهمة الشعر أن يعكس الحقيقة الفلسفية التي يمكن التوصل إليها بالفكر، إنما يقوم الفن بوظيفة “التطهير” الإنساني، فيرى الإنسان عالمه بشكل أكثر براءة.    

 

الفن والدين:

 

الحديث هنا عن الدين بشكل عام، أو بالأحرى الأديان، وعن الفن بشكل عام، أو بالأحرى الفنون. إن علاقة الفن بالدين علاقة عضوية يستحيل معها أن نحدد بشكل حاسم ما إذا كان الفن قد ولد في أحضان الدين، أم كان الدين هو الذي ولد في أحضان الفن. نعرف أن الإنسان البدائي، إنسان الكهف، كان يستعد للصيد بالرسم، رسم السهم يخترق أحشاء الصيد، طائرا كان أم حيوانا، وهو يتصور بذلك أن الانتصار الذي يحققه في الرسم سيتحقق حتما في الواقع. هذه قاعدة “الشبيه ينتج الشبيه” في التصورات البدائية للعالم. شيئ مثل هذا ما زال يمارس إلى اليوم في الطقوس السحرية لإزالة تأثير الحسد، حيث ترسم على ورقة صورة الشخص الذي يمكن أن يكون هو الحاسد ثم يتم تمزيق الصورة بالدبابيس ليزول أثر الحسد.

في المسيحية تمثل الصور والتماثيل (الأيقونات) إبرازا رمزيا للدلالات اللاهوتية، لكن المسيحيين لا يعبدون هذه الأيقونات كما يتوهم البعض. وفي القرن الثامن الميلادي، وربما بتأثير الإسلام ثار جدل لا هوتي حول تحريم وجود الصور في الكنائس لشبهة “الوثنية” فيها، وانتصر أنصار الصور في النهاية على محرِّميها. لكن الكنائس البروتستنية تحرِّم الصور كما هو معروف. هذا عن الصور والتصوير، فماذا عن صيغ الصلوات والأدعية والابتهالات في كل الأديان؟ تعتمد الصلوات والأدعية والابتهالات صيغا شعرية إيقاعية لا يمكن إنكارها في جميع الأديان والثقافات بلا تمييز ولا استثناء. والصلوات تكون مصحوبة بالعزف الموسيقي في الكنائس. أما في المساجد فصيغة الترتيل بإيقاعها صيغة شعرية بامتياز. ماذا عن “التماثيل”؟ ارتبطت معظم الأديان القديمة بعبادة أرواح الأسلاف (تبجييل واحترام يتطور إلى عبادة دينية) ولذلك يكون التمثال تمثيلا رمزيا لهذه الأرواح. وهذا ما يقوله محمد بن جرير الطبري شرحا لدخول الوثنية للحجاز، مع التحفظ على الدقة التاريخية في هذا الطرح. ورد في القرآن بالإضافة إلى جانب أسماء “اللات” والعُزَّى” و”مَنَاة”، (سورة النجم، رقم 53، الآيات 19-20) التي كان يعبدها العرب، ذكر لأسماء ألهة أخرى في سورة “نوح” هي “ودّ” و”سُوَاع” و”يَغوث” و”يَعوق” و”نَسْر”. يذكر الطبري في تفسيره المعروف  أن المشركين كانوا يسمون:

 “أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه فقالوا من الله اللات ومن العزيز العُزَّى وزعموا أنهن بنات الله”،[1] ، ويقول عن الأسماء الأخرى “أنها كانت في الأصل أسماء أشخاص “صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم”.[2]

يبقى للكشف عن الصلة العضوية بين الدين والفن أن نشير إلى فن العمارة، كما يتجلى في بناء المعابد والكنائس والمساجد، في هذه الفخامة والجلال. كما يتجلى في الفضاء الداخلي بضوئه الناعم وضمان امتداد الصوت في كل الأرجاء، حرصا على وصول صوت الواعظ والقارئ إلى المصلين (قبل اختراع مكبرات الصوت، والتي ما تزال معظم الكنائس الكبرى في العالم لا تستخدمها). هذا بالإضافة إلى النقوش الملونه التي تزخرف زجاج النوافذ فتزيد الضوء نعومة.  يكفي أن نذكر اسم “مايكل أنجلو” في عصر النهضة وما أضافته رسوماته ولوحاته من عمق للمعنى الديني بنقله من اللغة إلى اللون والصورة. 

وباختصار يخترق الفن – بكل تجلياته اللغوية والتصويرية والموسيقية بالإضافة إلى النحت – الفضاء الديني، لدرجة لا يتصور معها دين بلا فن. إن التحريم الديني للفنون وُجِد دائما، لكنه ظل نقاشا لا هوتيا تجريديا، في حين ظلت الحياة الدينية في كل الثقافات تغتني بالتعبيرات الفنية والأدبية في ممارسة الشعائر وفي تقديم القرابين، في الاحتفالات. الإسلام، والحياة الدينية الإسلامية ليست استثناء من هذه العلاقة العضوية كما سنفصل من بعد. 

 

الإسلام والفنون:

 

1-التصوير والنحت

 

إن كل خطابات التحريم تنطلق مما تتصوره تحريما للشعر فن  القرآن الكريم. وسنناقش هذه القضية تفصيلا فيما بعد. يكفي هنا أن نقول أن “الشعر” كان فن القوم – قبل الإسلام – ولم يكن عندهم فن غيره. لم يكن التصوير أو النحت من الفنون المألوفة في الفضاء العربي آنذاك إلا ما علمنا من الصناعة البدائية للتماثيل/الأصنام. كان من الضروري تحطيم التماثيل/الأصنام لأن معركة الإسلام الأساسية كانت ضد الشرك المتمثل في الوثنية، ذلك أن العرب كانوا يؤمنون بالله “ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله”، لكنهم كانوا يشركون مع الله آلهة ثمثلها تلك التماثيل/الأصنام. توحيدية الإسلام ترفض رفضا قاطعا هذا “الإشراك”، من هنا الحرص على التحطيم.

هل هذا التحطيم يمثل تحريما أبديا للصور والتماثيل؟ أم أن السياق – سياق قرب العهد بالشرك – هو الذي فرض هذا الموقف. واليوم لا خوف على المسلمين من العودة إلى الشرك، فلا مجال للتحريم. هذا ما قاله “محمد عبده” وآخرون في بداية القرن العشرين؛ فأفسحوا المجال للإبداع الفني المصري في مجالي التصوير والنحت. هكذا أبدع “محمود مختار” تمثال “نهضة مصر”، وهكذا تبرع فلاحو مصر من قليل قروشهم لإقامة تماثيل للزعيم “سعد زغلول” بعد وفاته في كل مديريات (محافظات) مصر المحروسة.[3] ويمكن للإنسان أن يضيف إلى اجتهاد الإمام حقائق التاريخ؛ فالعرب لم يحطموا أي تماثيل في البلاد التي فتحوها (أو غزوها)، وإلا ما احتفظت المعابد المصرية ولا المعابد البوذية بتماثيلها.

رغم تحطيم التماثيل والحرص على التوحيد النقي الذي لا تشوبه شائبة فإن الدارس للقرآن يميز بين مستويين على الأقل في التعبير القرآني عن “الله”: مستوى التنزيه، ومستوى التشبيه. يتمسك المعتزلة والفلاسفة بمستوى التنوية ويعتبرونه “أم الكتاب”، وعلى أساسه يأولون المستوى الثاني تأويلا مجازيا لنفي مشابهة الله تعالى للبشر. والمستوى الثاني هو هذا المستوى الذي يوصف فيه الله تعالى بأن له وجها وأن له يدا وعينا جنبا … الخ، وهو المستوى الذي يرفض البعض تأويله ويقولون بالإيمان به بلا تشبيه. حسب وصف المتصوفة – وابن عربي خاصة – أن المؤولة ينظرون للحقيقة بعين واحدة، وكذلك ينظر المشبهة. كلا المنزِّهة والمشبِّهة يعاني من “العور”، أي النظر بعين واحدة للحقيقة الإلهية. والحقيقة الإلهية لا تدرك إلا بالعينين “تنزيه في تشبيه” “تشبيه في تنزيه”.

وبدون أن نتبنى هذا الموقف أو ذاك، فالحقيقة أن القرآن نزل للناس كافة – أبيضهم وأسودهم وأحمرهم وأصفرهم، المتعلم والجاهل كما يقول “ابن رشد” – والإيمان لا يمكن أن يتعلق بإله بمجرد؛ فالمؤمن يحب أن يتواصل مع إلهه، يطلب منه العون والمساعدة والرعاية، يرجو منه السماح والمغفرة والعفو عن ذنوبه. هذا هو المعنى العميق للإيمان؛ فلا يتحقق كمال الإيمان إلا بالصورة المتخيلة التي يبتهل لها المؤمن ويتواصل معها في صلاته (الله في قبلة المصلي). يحتفل المتصوفة بحديث نبوي فحواه “اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

هذه التمثيلات اللغوية في القرآن – بعد التشبيه – تمثل ثمثيلا لغويا تخييليا للحقيقة الإلهية، في هذه التمثيلات يتم استبدال اللغة بالحجر. هل هذا يعني تحريم صنع التماثيل الحجرية في هذا العصر الذي زالت فيه أسباب “الكراهة”، أقول الكراهة وليس التحريم؟ 

كان علينا أن ننتظر وصول “طالبان” إلى الحكم في أفغانستان لندرك خطأ المسلمين الأوائل، لأنهم أهملوا تحطيم تماثيل بوذا. وكان علينا بالمثل أن ننتظر هذه الأيام السوداء في مصر لنعرف أن رسم الموديلات ونحت التماثيل حرام في كليات الفنون ولنعرف أن كل شوارعنا ومداخل مدننا لا بد أن يتم تطهيرها من رجس التماثيل. هذا هو الحال في خطاب التحريم الحديث، وهو خطاب ينطلق من عدم إدراك للتاريخ ومتغيرات الزمان. يتصور هذا الخطاب أن إيمان المسلمين في هذا العصر ضعيف المناعة، ومن ثم يجب حمايته من التعرض لهذه الفنون. 

في ندوة القاهرة اعترض أحد الشباب على هذا الكلام، ومؤدى اعتراضه أن التماثيل ما زالت تُعبد، وأن الانحناء للتمثال نوع من العبادة. وهذا عدم تمييز بين المعنى الديني للعبادة وبين التعبير عن الاحترام بالاحناء للتماثيل في بعض الثقافات. ولو فرضنا جدلا أنها عبادة، فليس من حق المسلم أن يفرض معاييره الإيمانية على أحد. نقطة أخرى جديرة بالإضافة في النص المكتوب: في القرآن أمر الله الملائكة أن “تسجد” لأدم، فهل كان هذا أمرا بالعبادة، أم أن طلب “السجود” – الذي هو أقرب للعبادة من الانحناء الذي يشبه بالركوع – ليس إلا تعبيرا عن أظهار التقدير والاحترام؟

 

2- الموسيقى والغناء:

 

لم يكن معروفا عند العرب قبل الإسلام إلا موسيقى الدفوف، نحن نعلم أن النبي حمل عائشة على كتفه للتفرج على رقص الأحباش على أنغام الدفوف. وحين اعترض عمر بن الخطاب كان رد النبي رفضا لهذا الاعتراض. لكن الأمر لا يحتاج لمثل هذه الاستشهادات؛ فترتيل القرآن فن موسيقي بامتياز. لهذا ليس غريبا أن تكون بداية كل فنانينا العظام من “سيد درويش” إلى “أم كلثوم” و”محمد عبد الوهاب” ترتيل القرآن والأناشيد المدحية. يعتمد فن ترتيل القرآن – علم التجويد – على مراعاة قواعد التنغيم والفصل والوصل. ويسمح هذا الفن إلى حد كبير بحرية اللأداء في فن “التصييت” داخل حدود القوانين العامة للترتيل والتجويد. لهذا يتميز “صييت” عن آخر؛ فأداء المرحوم “الشيخ محمد رفعت” لسورة الرحمن بصفة خاصة يتميز بكفاءة نقدرها جميعا حتى الآن.

إذا كانت موسيقى “الترتيل” و”التجويد” واجبا دينيا، وهي موسيقى يحملها الصوت الإنساني، لا تمييز في ذلك بين صوت الرجل وصوت المرأة، فكيف بالله يتم تحريم الموسيقى والغناء باعتبارهما مداخل للشيطان؟ ستدخلنا الإجابة على هذا السؤال إلى منطقة تحريم الكلام المصاحب للموسيقى، وهو تحريم يقوم على أساس أخلاقي يتم التعبير عنه بعبارت دينية. أن يغني “عبد الوهاب” مثلا “جينا الدنيا ما نعرف ليه”، أو أن يقول أبو القاسم الشابي “جئت لا أعرف من أين، ولكني أتيت” يتم الاعتراض من خارج الفن: الحقيقة معروفة فلا يجوز التساؤل عنها، معروف من أين جئنا، وإلى أين المصير؛ فالتساؤل هرطقة وكفر. هذا يشبه صوت أفلاطون الذي خلط بلا تمييز بين الحقيقة “الفلسفية” والحقيقة “الشعرية”. فقهاؤنا يخلطون بين الحقيقة الدينية والحقيقة اللاهوتية والحقيقة الإيمانية من جهة، ويخلطون بين كل هذه الحقائق وبين “الحقيقة الفنية” من جهة أخرى.

الحقيقة الدينية ليست واحدة، بل تتعدد بتعدد التفسيرات والتأويلات. تتحول هذه الحقيقة الدينية إلى “عقائد” عند علماء اللاهوت (علم الكلام). الحقيقة اللاهوتية ليست هي الحقيقة الإيمانية، بل هي الحقيقة المؤسساتية، وهي ليست ثابتة، إذ هناك تفسيرات لاهوتية متعددة للحقيقة الدينة. [4]  الحقيقة الإيمانية هي مجال التعبيرات الفنية، وهي تحتمل التساؤل والشك، لأنها حقيقة فردية. الطبيعة التساؤلية هي جوهر الفن، وجوهر التعبير الأدبي، هي الحقيقة الفنية. مهمة اللاهوت تقديم الإجابات التي من حق الفن والفكر أن يتحداها بطرح التساؤلات وإثارة الشكوك. بدون هذه التساؤلات والشكوك تتجمد الحقيقة اللاهوتية وتفقد خصوبتها. يقول الشيخ أمين الخولي الذي سنستشهد بأقواله كثيرا في الفقرة الأطول التالية “تكون الفكرة أحيانا كافرة ملحدة، ثم تصبح عقيدة تتطور بها الحياة”.

بعيدا عن هذا الجدل ازدهر فن الموسيقى والغناء في كل الفضاءات الثقافية الإسلامية، ليس فقط في بلاط الخلفاء، بل في كل أركان الفضاءات الاجتماعية. يكفي موسوعة كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني. فضلا عن الموسيقى والغناء ازدهر فن الرقص في الفضائين الديني والمدني على السواء. يكفي ما هو معروف في الفضاء الديني الصوفي من عزف ورقص وإنشاد في طقس “الذكر”. من منظور اللاهوت المتجمد اعتبر هذا كفرا للأسف.

إذا كان المسلمون لم يعرفوا فن “النحت” بالمعنى الذي عرفته ثقافات أخرى، فيكفي النظر إلى عمارة المساجد في إيران ومصر وسوريا وتركيا والهند وجنوب شرق آسيا حيث تتعانق فكرة المسجد مع كل التعبيرات المعمارية الثقافية في حضارات العالم. في الصين والهند لا تخطئ العين التفاعل بين عمارة المعابد البودية وعمارة المساجد. في إسبانيا تحولت الكنائس إلى مساجد وبقي طرازها المعماري ماثلا. ماذا يبقى من الحضارة الإسلامية – التي نفخر بها كما تتباهى الصلعاء بشعر جدتها – إذا حذفنا منها كل هذه الفنون؟ سيبقى اللاهوت الجامد ويبقى كلام الفقهاء الذي نلوكه بلا نقد ونكرره بلا ملل. سيبق أن يحكم حياتنا الموتى رحمهم الله. حياة بلا فن هي حياة جافة مبتذلة رخيصة. الفن حياة، والدين حياة، فكيف يتخاصمان؟

ليس معنى ذلك أنني أؤسس دينيا لقبول الفن. كان هذا سؤالا طرح في بيروت. الفن حاجة إنسانية روحية لا تحتاج لإثبات أو تبرير من أي مصدر خارجها. إن الطفل يرقص لأي نغمة قبل أن يلقنه المجتمع حدود المسموح والممنوع. كل أطفال العالم يفعلون ذلك؛ لأن إيقاع الكون ماثل في تكويننا الجسدي. هكذا الفن استعادة لعلاقة الإنسان بالكون، تلك العلاقة التي تنظمها الثقافة وتتحكم فيها معايير التنشئة والتربية فتفسدها أحيانا وتشوهها في أحيان أخرى. الفن حاجة وليس ترفا. يمكن أن نقول نفس الكلام عن “الدين” بمعنى الإيمان؛ فهو حاجة إنسانية إذا لا يستغني الإنسان أي إنسان عن “إيمان” ما هو بالنسبة له حقيقة. هنا يلتقي الدين – كحقيقة إيمانية – بالفن. وهذه هي الصعوبة في تحديد أيهما نشأ في أحضان الآخر    

 

القرآن مجمع الفنون:

 

مقدمتان ونتيجة:

 

سأبدا باختيار نصين من كتاب سيد قطب عن “التصوير الفني للقرآن”، وهو كتاب صدر عام 1945 عن دار المعارف المصرية، هما بمثابة مقدمتين ينتهي منهما سيد قطب إلى نتيجة هامة. الاختيار – اللذي بدأت به المحاضرتين في كل من بيروت والقاهرة – لا يخلو من خبث من جانبي. أقصد بالخبث هنا معنى المغزى الذي لا يخفى على القارئ أو الحاضر اللبيب. وهو معزي يتضح جليا دون خبث.

 

المقدمة الأولي:

 

n   التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن. فهو يعبر بالصورة المُحسَّة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية؛ وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور؛ وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها، فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة. فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة؛ وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد؛ وإذا النموذج الإنساني شاخص حي؛ وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية. فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة؛ فيها الحياة، وفيها الحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل. فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأُوَل، الذي وقعت فيه أو ستقع؛ حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات؛ وينسى المستمع أن هذا كلام يُتلى، ومثل يُضْرب، ويتخيل أنه منظر يُعْرَض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة، فتنم عن الأحاسيس المضمرة. إنا الحياة وليست حكاية الحياة. ص 31.

 

تعمدت هنا تأكيد بعض الكلمات باللون الأسود وبوضع خط أسفلها، وهي بترتيب مغاير لورودها في النص: التخييل، التصوير، العرض، المسرح، اللوحة، الصورة المحسة المتخيلة. تلك مفردات تحيل كلها إلى عالم الفن الواسع الفسيح، عالم يصف به سيد قطب القرآن، الذي هو بناء لغوي، أي بناء استطاعت لغته أن تخترق كل الآفاق الفنية وتوظف كل أدواتها. بل إن سيد قطب يتجاوز كل التحفظات التراثية التي ترفض استخدام مصطلح “التخييل” مثلا في وصف الأسلوب القرآني. لقد استخدم “الزمخشري” هذا المصطلح في وصف بعض الصور القرآنية فتعقبه المعلقون بالذم واصفين إياه بإساءة الأدب في وصف القرآن. سيد قطب ينطلق هنا من موقع “الناقد الأدبي”، الذي يدرك العلاقة العضوية بين الأدب والفنون البصرية والسمعية والدرامية، فيؤكد مر أخرى أن “القرآن”:

  

n      تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل؛ كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل. ص 32.

 

المقدمة الثانية:

 

n   قرأت تفسير القرآن في كتب التفسير، وسمعت تفسيره من الأساتذة. ولكني لم أجد فيما أقرأ أوأسمع ذلك القرآن اللذيد الجميل الذي كنت أجده في الطفولة والصبا. واأسفاه! لقد طُمِست كل معالم الجمال فيه؛ وخلا من اللذة والتشويق. وعدت إلى القرآن أقرؤه. في المصحف لا في كتب التفسير. وعدت أجد قرآني الجميل الحبيب؛ وأجد صوري المشوقة اللذيدة. ص 6.

 

في هذه المقدمة الثانية نلتقي مصطلحات تتصل بوظيفة الفن، فيما كانت مصطلحات المقدمة الأولى تتصل بطبيعة الفن. هنا نجد مصطلحات اللذة والجمال والتشويق، يتذوقها المؤلف في القرآن ولا يجدها في كتب التفسير ولا عند الأساتذة. لم يقل سيد قطب أن كتب التفسير ومحاضرات الأساتذة كان شاغلها وما يزال وضع القواعد والاهتمام بالمعايير لا تذوق لذة الفن ولا التنعم برحيق الجمال. هذا التذوق للذة والتنعم بالرحيق يوجد عن من انشغلوا بالبحث عن “سر الإعجاز” ومن حاولوا اكتشاف قوانينيه كما سنرى، وسيد قطب يشير باحترام وتوقير للشيخ “عبد القاهر الجرجاني” صاحب كتابي “أسرار البلاغة” و”دلائل إعجاز القرآن الكريم”.

 

النتيجة:

 

n   إن الصور في القرآن ليست جزءا منه يختلف عن سائره. إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل (ص 8). يجب إذن أن نبحث عن ”منبع السحر في القرآن“ قبل التشريع المحكم، وقبل النبوءة الغيبية، وقبل العلوم الكونية، وقبل أن يصبح القرآن وحدة مكتملة تشمل هذا كله. فقليل القرآن الذي كان أيام الدعوة الأولى كان مجردا من هذه الأشياء التي جاءت فيما بعد، وكان – مع ذلك – محتويا على هذه النبع الأصيل الذي تذوقه العرب، فقالوا: إن هذا إلا سحر يؤثر. ص 16

 

القرآن نص أدبي أولا وقبل كل شيء:

 

خطاب سيد قطب هنا جزء من الخطاب العام في الأربعينات، وهذا يؤكد ما قلناه في المقدمة. لم يكن سيد قطب وحده في التعامل مع القرآن من منظور طبيعته الأدبية، الطبيعة التي يرى قطب – مشاركا الشيخ أمين الخولي وتلاميذه – محمد احمد خلف الله وبنت الشاطئ وشكري عياد وآخرون – أنها لا تقتصر على جزء بعينه في القرآن، بل هي الطبيعة السارية في بنيته كلها. ويرى قطب أن الدراسة الأدبية يجب أن تسبق أي دراسة؛ إنها الدراسة التي تمكن الباحث من الوصول إلى النبع الأصلي “منبع السحر” الذي بهر العرب قبل التشريع وقبل النبوءات وقبل أي شيئ آخر. وهذا الفهم يتجاوب بقوة مع ما يقوله أمين الخولي بأن القرآن:

“هو كتاب العربية الأكبر، وأثرها الأدبي الأعظم وتلك صفة للقرآن يعرفها العربي مهما يختلف به الدين، أو يفترق به الهوى، ما دام شاعرا بعربيته، مدركا أن العروبة أصله في الناس وجنسه بين الأجناس، وسواء بعد ذلك أكان العربي مسيحيا أو وثنيا، أم كان طبيعيا دهريا، لا دينيا، أم كان المسلم الحنيف وهذا الدرس الأدبي للقرآن في ذلك المستوى الفني، دون نظر إلى أي اعتبار ديني، هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا، والعربية اختلاطا، مقصدا أول، وغرضا أبعد يجب أن يسبق كل غرض ويتقدم كل مقصد. ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد إلى ذلك الكتاب، فيأخذ منه ما يشاء، ويقتبس منه ما يريد، ويرجع فيه إلى ما يحب من تشريع، أو اعتقاد، أو أخلاق، أو إصلاح اجتماعي، إلى غير ذلك. وليس شيء من هذه الأغراض الثانية يتحقق على وجهه إلا حين يعتمد على تلك الدراسة الأدبية لكتاب الغربية، دراسة صحيحة، كاملة، مُفْهِمة له.”[5]  

ومثله مثل سيد قطب يرى الخولي أن عقد الإيمان – أي عقد التصديق برسالة محمد عليه السلام – هو في جوهره عقد أدبي بلاغي، إذ كان الحافز المحرك للإيمان هو الأثر البلاغي الأدبي الذي أحدثه القرآن في نفوس العرب:

“وهكذا كانت الدعوة الإسلامية عملا بلاغيا قويا، أو شطرا واضحا من هذا العمل، إذ اعتمدت على حكم نقدي، وقامت على رأي في الفن القولي وإذا كان الأمر كذلك فالعربي حين دُعِيَ إلى هذا ويواجه به، فيؤمن ويستيقن، لا يكون اعتناقه للإسلام في جليته- إلا حكما نقديا وتقريرا أدبيا بدين الله.”[6]

 

استقبال العرب للقرآن (المشابهة):

 

إن هذه الطبيعة الأدبية البلاغية هي التي أدهشت العرب، فآمن من آمن (عمر بن الخطاب) وكفر من كفر (الوليد بن المغيرة المخزومي) وهما مثالان يستشهد بهما سيد قطب للدلالة على أساسية المدخل الأدبي البلاغي الفني لتذوق القرآن وفهمه. أما قصة الوليد فتحكي المرويات أن قريشا أرسلته ليفاوض محمدا عليه السلام لعله يتخلّى عن دعواه، فتلا عليه محمد بعض القرآن. فلما عاد لقومه متغير الوجه من تأثير ما سمع قالوا: “لقد صبأ الوليد” ، أي اعتنق الإسلام وتخلّى عن دين آبائه وأجداده. ورغم إنكاره أنه صبأ فإن الرواية تذهب إلى أنه قال: “والله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنيرٌ أعلاه مشرقٌ أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلَى عليه، وإنه ليحطم ما تحته”. سندع تلك المرويات جانبا على أساس انه يمكن التشكيك في مصداقيتها بالقول إنها مرويات مُتأخرة انتحلها المسلمون بعد انتصار الإسلام ونسبوها إلى بعض مشاهير الجاهلية من العرب. ندعها لأنها لا تضيف جديدا إلى ما نجده مذكورا في القرآن نفسه عن تلك الظاهرة. ففي سورة المدِّثر، رقم 74 في ترتيب المصحف والثانية في ترتيب النزول، (الآيات من 11-26) ورد ذكر تفصيلي لهذه الواقعة المنسوبة إلى “الوليد بن المغيرة”:

ذَرْني ومن خلقت وحيدا

وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا

ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيدا

إنه كان لآياتنا عنيدا

سأرهقه صعودا

إنه فكّر وقدّر

فقُتِل كيف قدّر

ثم قُتل كيف قدّر

ثم نظر

ثم عبس وبسر

ثم أدبر واستكبر

فقال إن هذا إلا سحر يؤثر

إن هذا إلا قول البشر

سأُصليه سقر

وهي تعكس حالة من التوتر الذهني والتشتت الانفعالي أصابت الشخص المبهم في السورة- عند سماعه القرآن. وبعد إطالة التفكير والتقدير والتدبر والنظر، بتقليب الأمر على وجوهه كافة، لم يجد وصفا يفسر ما أصابه من تأثير ما سمع سوى أنه “سحر” من أقوال البشر. وسواء كان هذا الوصف تعبيرا عن مشاعره وأحاسيسه الذاتية، أم كان نوعا من الإرضاء لقومه الذين استهجنوا تأثَّره -على ما تذهب الرواية الإسلامية كما وردت في كتاب “أسباب النزول” للسيوطي- فإن الوصف كاشف عن حقيقة حالة “الغرابة” و”عدم الألفة” التي أصابت العرب بسماع القرآن. ويمكن ملاحظة البنية الإيقاعية الشعرية للأيات اعتمادا على تكرار حرف “الراء” برنينيه الذي يشبه جرس الإنذار. إن قصة أيمان “عمر بن الخطاب” لدى سماع الآيات الأولى من سورة “طه” -رغم أنه كان بصدد تأديب أخته وزوجها لما بلغه من اتباعهما دين محمد- تؤكد أن عقد “الإيمان” بأن القرآن من عند الله، ومن ثم عقد “اعتناق” الإسلام دينا، عقد تأسس مبناه على ذلك البُعد الأدبي؟

إن وصف مشركي مكة للقرآن بأنه فعل قولي يشبه أقوال الكهان، أو أنه قول شعري يشبه أقوال الشعراء، لم يكن إلا تعبيرا عن إدراك لطبيعته كنص أدبي. ولا يخرج عن هذا الإدراك وصفهم له بأنه سحر، ألم يؤثر عن محمد نفسه صلعم- أنه قال: “إن من البيان لسحرا”؟ لم يكن مشركو مكة في الحقيقة مخطئين تماما في هذا الإدراك، ألا تعتمد البنية الأسلوبية للسور المكية القصيرة المبكرة النزول على بنية “السجع”، الخصيصة البارزة في أقاويل الكهان وتعازيم السحرة؟ ثم أليس في اعتماد بنية الشكل الشعري للقصيدة العربية على “القافية” وتنويعاتها داخل “البيت” الشعري ما يؤكد التشابه الأسلوبي بين السور المشار إليها وبين الشعر؟ لكن مشكلة مشركي مكة أنهم لم يكتفوا بإدراكهم لهذا التشابه، ولو اكتفوا به مع ملاحظة “التفاوت” و”الاختلاف” أيضا لهان الأمر. مشكلتهم أنهم تجاوزوا إدراك طبيعة النص، وذهبوا إلى إنكار مصدره الإلهي باتهام محمد أنه “كاهن” وأنه “شاعر” وأنه “ساحر” وأنه افترى هذا القرآن بمساعدة آخرين؛ ومن ثم أضافوا إلى اتهاماتهم السالفة تهمة “الكذب”. تلك الاتهامات تحديدا هي التي تصدى القرآن لتفنيدها، ولا يجب علينا أن نفهم من نفي الاتهامات أن القرآن يعادي الشعر. كيف وهو نفسه شعري البناء فني الأسلوب كما يؤكد سيد قطب اعتمادا على خبرته الأدبية وحسه المرهف كناقد أدبي، هو الذي اكتشف “نجيب محفوظ” وأول من كتب عنه.

تحيلنا عبارت “سيد قطب” عن “التصوير” و”التخييل” و”العرض” و”المسرح” … الخ لكي نفهم محاولات العرب التي لم تتوقف لتحديد “هوية” هذا الذي جاء به محمد زاعما – وفق تصورهم – أنه من عند الله. فذهبوا إلى أن محمدا “كاهن” ، وإلى أنه “شاعر” و”ساحر”. وقد أورد القرآن كل هذا ورد عليه:

“فذكّر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون * أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون * قل تربصوا فإني معكم من المتربصين” (سورة الطور رقم 52 الآيات 29-31)  

وحين فشلوا في الاقتناع -أو الإقناع- بأنه “شعر”:

“وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين” (يس/69)

لم يجدوا وصفا يستريحون إليه ويرددونه سوى أنه

“أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملَى عليه بكرة وأصيلا” (الفرقان رقم 25/5)[7]

والحاصل هنا أن أهل مكة فشلوا فشلا ذريعا في محاولة تصنيف القرآن في إطار النصوص المألوفة لهم كالشعر وسجع الكُهَّان وتعازيم السحرة، ولم يجدوا في النهاية سوى الزعم بأنه ينتمي إلى مجال “قصص الأوائل” (وهذا هو معنى أساطير الأولين)، وأن محمدا “افترى” هذه القصص، أي اختلقها بمعونة آخرين أو أمليت عليه. ومن اللافت للانتباه أن رد القرآن على هذا الزعم الأخير يتركز فقط على نفي “الافتراء” و”الاكتتاب”:

“قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض” (الفرقان/6).

في سياق تلك المحاولات الفاشلة زعم البعض أنهم يمكن أن يختلقوا -أو يفتروا- مثل هذا الذي اختلقه محمد وافتراه، فقالوا:

“لو نشاء لقلنا مثل هذا” (الأنفال/31)،

 فكان رد القرآن عليهم قبول التحدي ومطالبتهم -أولا- أن يأتوا

“بحديث مثله إن كانوا صادقين” (الطور/33)،

 ثم خصص التحدي بعشر سور مفتريات، وأن يستعينوا بمن يشاءون، وذلك بعد أن أوشكت كل تلك الاتهامات الباطلة أن تنال من عزيمة محمد كما يستنبط من قوله تعالى:

“فلعلّك تارك بعض ما يوحَى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أُنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل * أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين” (هود/12-13).

ولمزيد من السخرية منهم وإثبات عجزهم تحداهم القرآن أن يجتمعوا ليأتوا بسورة واحدة مستعينين بكل من يستطيعون معاونتهم:

“وما كان هذا القرآن أن يُفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين” (يونس/37).

ثم حسم القرآن القضية حسما نهائيا حين أعلن استحالة وقوع الاستجابة، وأن يأتي العرب بشيء مثل القرآن:

لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (الإسراء/88).

 

التوتر بين “الوحي” و”الشعر” (المخالفة):

 

أليس في كل هذا السجال بين القرآن والعرب، بالإضافة إلى حالة “الدهشة” و “الغرابة” التي سببها نزول القرآن، ما يؤكد أن البُعد الأدبي هو الخصيصة المميزة للقرآن من حيث هو نص مارس فعاليته التأثيرية، والتي على أساسها آمن به من آمن وكفر به من كفر؟

لكن علينا أيضا أن ندرك علاقة التوتر التي نشأت بحكم هذا السجال بين “الوحي” و”الشعر” رغم استنادهما إلى تصور ثقافي واحد فحواه إمكانية الاتصال بين الإنسان وكائنات فوق إنسانية. وفقا للقرآن كانت الجن تسترق أخبار السماء وتوحي بها إلى الكهان، الذين على أساسها يوجهون البشر في حياتهم التجارية والاجتماعية. وكان الشعراء يتلقون الوحي من “الجن”، سكان “وادي عبقر” ومن هنا الوصف “عبقري” للشاعر. هذا “التوافق” التصوري المفهومي لم يلبث أن دخل في حالة “توتر” تتطلب التمييز بين الشعر والكهانة والسحر من جهة وبين الوحي من جهة أخرى، وهذا ما نجده ماثلا في سورة الشعراء رقم 26. هذا التوتر تم حله بالتمييز بين المسارين، مسار الشعر ومسار النبوة. من أجل تحقيق هذا الحل كان لا بد من تمييز أخر بين نوعين من الجن: الجن الذي استمع إلى القرآن يتلى فآمن به (سورة الجن)، والجن الذي لم يؤمن فأكتسب صفة “الشيطنة”. هكذا صار “الشعر” من وحي الشياطين، بينما القرآن من وحي الملك.

من الضروري أن نتوقع أن يحدث هذا التصور الجديد نوعا من التطور النوعي في فهم ظاهرة الشعر، لكن هذا التطور احتاج إلى انبثاق الدرس الأدبي متمثلا في “نقد الشعر”، ومناقشة الظواهر التعبيرية الأدبية في القرون التالية، حيث تحول مفهوم وحي الشياطين للشعراء إلى مجال للتندر والسخرية. قال أحدهم ساخرا:

إني وكل واحد من البشر               شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

ومع هذا التمييز بين “الشعر” و”النبوة” من حيث مصدر الوحي كان النبي عليه السلام في حإجة إلى الشعر في معركته ضد قومه اللذين استخدموا سلاح الشعر في حربهم ضده. هكذا تم التمييز بين نمطين من الشعر: الشعر المؤمن، والشعر الكافر. وعلينا أن ندقق في الأزمة التي أحسها النبي عليه السلام في استخدام الشعر ليهاجم قومه. التقاليد الشعرية في الهجاء تتجاوز الأفراد إلى القبيلة، وهكذا كان على “حسان بن ثابت” أن يهجو قريش التي وجهت سهام شعرائها لنقد محمد وأتباعه، على اعتبار أنهم قبيلة منشقة. تساءل النبي قائلا لحسان: كيف تهجوهم وأنا منهم؟ فكان رد حسان: أسلك منهم كما تُسل الشعرة من العجين. هكذا استقرت هواجس محمد فقال لحسان: اهجهم وروح القدس يؤيدك. هكذا استقر شعر حسان في فضاء النبوة.

القارئ لسورة الشعراء، التي يستشهد بها دائما على تحريم الشعر، يدرك بسهولة بنيتها الشعرية. إنه الشعر يهون من شأن الشعر. في أحسن الأحوال هذا تعبير عن كراهة لا عن تحريم، وهي ليست كراهة لمطلق الشعر، بل للشعر الذي لا يتواصل مع النبوة. إنها كراهة أخلاقية، أو إن شئنا كراهة أيديولوجية، وما أبعد هذا عن التحريم الديني. تمثل الشعر المقبول في شعر “حسان بن ثابت” و”عبد الله بن رواحة”. ويشهد النقاد الكلاسيكيون جميعا أن شعر حسان أصابه الضعف في الإسلام، ففقد قوته وجزالته، ومن هنا قالوا “الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل عليه الخير لان”. والمقصود في رأييي ليس الخير والشر بالمعنى الديني؛ فالشعر إذا لم يكن مثيرا ومهيجا للمشاعر والأحاسيس (قارن بمفهوم التطهير عند أرسطو) لا يعيد بناء الوعي. الشعر الذي يقول لك ما تعرف مثل الفكر الذي يعتمد التكرار والإعادة بلا إفادة. يجب أن يحمل الشعر متلقيه إلى عوالم أخرى غير مطروقه، هذا هو “النكد”.

أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ، مفكر موسوعي الأفق متعدد المساهمات في أغلب مجالات المعرفة، استمع إلى قول الشاعر:

ليس من مات فاستراح بميت       إنما الميت ميت الأحياء

فصرخ: هذا ليس بشعر وقائله ليس بشاعر، ولولا أن أدخل في الحكم بعض العنت (المبالغة) لقلت لا يخرج من صلبه شاعر. إنما الشعر صناعة وضرب من التصوير (تأكيدي). هكذا يتجاوب “الجاحظ” من فضاء القرن الثالث الهجري مع فضاء القرن الرابع عشر، قرن سيد قطب وأمين الخولي.

لو كان القرآن حرم الشعر لسكت الشعر، ولكن الشعر ازدهر مرة أخرى مع الفتن والحروب، وازدهر في بلاط الخلفاء وفي دواوين الوزراء، وتعددت طرائق الشعراء ومناهجهم. لكن الشعر قبل هذا كله كان مصدر تفسير القرآن: يقول ابن عباس (حامل لقب ترجمان القرآن): إذا تعاجم عليكم شيئ من القرآن فعليكم بالشعر فإن الشعر ديوان العرب (واضح أن الإشارة هنا للشعر الجاهلي). وبعبارة أخرى: احتاج القرآن للشعر، لعل هذا سر الهجوم الشرس الذي تعرض له طه حسين بسبب محاولته توثيق الشعر بإعادة فتح مناقشة مشكلة الانتحال. يظن البعض أن المساس بالشعر الجاهلي هو بمثابة المساس بالإطار المرجعي التفسيري للقرآن. لكن تلك قضية لا يتسع المجال لمناقشتها. سؤلت سؤالا عجبت له “هل أخطأ طه حسين أم لم يخطئ في كتاب “في الشعر الجاهلي”؟ فأجبت أن كتاب “في الأدب الجاهلي” هو النسخة الموسعة باسثناء بعض العبارات التى رأى “طه حسين” – وأنا أوافقه الرأي” لا تخل بالمنهج. لكن سؤال “المنهج” صعب على خطاب التحريم والتجريم أن يخوض فيه. إنهم يرفضون النتيجة دون فحص المقدمات، وهم يكرهون النتائج الفكرية التي لا تستوعبها عقولهم.   

 

الإعجاز الأدبي ومرجعية الشعر:

 

ازدهار الشعر دليل على أن كراهة الشعر تمثل موقفا فقهيا متزمتا من البعض. ولم يخل الأمر من مرويات ركيكية في مبناها ومعناها. من الضروري هنا التنبيه إلى قضية “الإعجاز” تمحورت في الأساس على مفهوم “التفوق الأدبي” للقرآن على كل أنماط الكلام البشري، شعرا كان أن نثرا. صحيح أنها نوقشت أيضا من منظور كلامي لاهوتي أدخلها في نسيج المعضلات اللاهوتية الخلافية بين كل من المعتزلة والأشاعرة، وأبعدها بنفس القدر عن مجالها الخاص البلاغي الأدبي. لكن هذا التداخل يعد أمرا طبيعيا في السياق الثقافي التاريخي الذي انبثقت فيه المعرفة بكل مجالاتها اللغوية والأدبية واللاهوتية والفلسفية والأخلاقية وحتى التاريخية والجغرافية-من النقاش حول نص مركزي هو القرآن. وقد استمر النقاش دائرا على مثل تلك الوتيرة لتحديد معنى الفصاحة والبلاغة، ومدى حضورها وكيفية هذا الحضور في تفسير ظاهرة “الإعجاز”.

ولا نريد أن نعيد هنا ما سبق لنا طرحه في أماكن أخرى عن هذا النقاش وطبيعته ودلالته[8]، ونتوقف عند جهد الشيخ “عبد القاهر الجرجاني” (470هـ/1078م) الذي صاغ مفهوما متماسكا لتفسير الإعجاز من منظور بلاغي نقدي. كانت القضية الأساسية في كتابي “عبد القاهر” “أسرار البلاغة” و”دلائل إعجاز القرآن الكريم” هي قضية التفرقة بين “مستويات الكلام” ، تلك المستويات التي تبدأ من مستوى الكلام العادي المألوف متدرجة إلى مستوى “الكلام المعجز” الذي يعلو على طاقة البشر الإتيان بمثله. وللتمييز بين طرفي مستويات الكلام لا بد من تحديد خصائص الكلام “الأدبي” تحديدا دقيقا. من أجل ذلك نراه لا يقنع بالتفسيرات التي طرحا أسلافه للإعجاز، كما أنه لا يكتفي بالوقوف في منطقة “اللاتعليل” التي وقفها البعض الآخر. هذا بالإضافة إلى أنه حريص كل الحرص على تحرير معاني المصطلحات التي استخدمها أسلافه وضبطها، خاصة مصطلحي “النظم” و “التأليف” الذين فسر بهما “الباقلاني” إعجاز القرآن.

في البداية يخصص عبد القاهر فصلا في “أسرار البلاغة” عن “التجنيس” ليثبت أنه جزء من بنية الدلالة في النص الأدبي، وليبدد الوهم بأنه مجرد زينة لفظية (صوتية) خارجية لا دخل لها في إنتاج الدلالة.[9] ثم هو يتوقف أمام الظاهرة نفسها في “الدلائل” ليؤكد علاقتها لا ببنية المعنى فقط بل ببنية الأسلوب كذلك، وذلك في معرض الرد على من يحصرون مفهومي “الفصاحة” و “البلاغة” في الألفاظ وحدها وتلاؤمها الصوتي والإيقاعي فقط.[10] ويكون هذا مدخله لتحرير مفهوم “التجنيس” و”السجع” فرع منه- من المعنى الذي حصره في مجرد الزينة الخارجية والبهاء الشكلي.

ولم يكن هذا الحرص على تحرير معنى مفهوم “التجنيس” مستقلا عن محاولة الشيخ لتحرير مفاهيم “الفصاحة” و “البلاغة” من سجن ثنائية “اللفظ والمعنى”، التي انحبست فيها طويلا، والخروج بها إلى رحاب علاقات التركيب، أو “النظم.”[11] وتعريف عبد القاهر للنظم بأنه “قوانين النحو” ليس المقصود به قوانين النحو المعياري الذي يكتفي بالوقوف عند حدود التمييز بين “الصواب” و “الخطأ” في الكلام العادي، بل يقصد بـ”قوانين النحو” مستويات التراكيب والأساليب ذات التأثير الجوهري في إنتاج الدلالة، كالتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والذكر والحذف، وتعدد أساليب النفي والاستفهام والأمر والنهي والقصر والإطناب والالتفات .. إلخ.[12] وهذه القوانين إنما تستنبط من دراسة “الشعر” وكلام البلغاء، وعلى أساسها يمكن التمييز بين مستويات الكلام، وتحديد ما علا منه وما سَفُل، وفقا لقدرة المتكلم على استثمار تلك القوانين استثمارا منتجا. والحال كذلك، فتحديد مستوى الكلام أمر ممكن من منظور علم البلاغة. من هذا المنطلق يرفض عبد القاهر الوقوف عند منطقة اللاتعليل، والاكتفاء بالقول إن “الإعجاز” أمر تُدْرَك صفته ولا تحيط به العبارة، كما يرفض قول القائلين:”إن عجز العرب عن معارضة القرآن ينهض حجة على من أتى بعدهم.” لا يقنع عبد القاهر إلا بالتعليل المقنع والتفسير الكاشف. لا يقنع عبد القاهر بمفهوم أن الإعجاز واقع خارج النص، فهذا لا يفسر التحدي. وكذلك لا يقنع بأن الإعجاز يقع في صدق إخباره عن الماضي وعن الحاضر والمستقبل، فذلك يحصر الإعجاز في آيات من القرآن دون سائر الآيات والصور. أما ذلك التأويل الذي يحصر الإعجاز في أنماط بعينها من التشبيه والتمثيل والمجاز والاستعارة فعبد القاهر يتساءل محقا: فماذا عن المواطن التي لا تتضمن أيا من تلك الأنماط البلاغية، وهي الأكثر في القرآن؟ لا يقنع عبد القاهر بآراء سابقيه، ويرى، وفقا لنظريته في “النظم”، أن الإعجاز كامن في بنية القرآن ذاتها وليس خارجها بأي حال من الأحوال، وهو كامن في كل آية من آياته طالت أم قصرت، وأيا كان موضوعها: قصصا أو تشريعا أو عقيدة، إنذارا أو بشارة أو وصفا، وعدا أو وعيدا .. إلخ. هذا الإعجاز ظاهرة يمكن اكتشافها في كل عصر وفق قوانين يمكن اكتشافها من تحليل الكلام البليغ، ولا تتوقف معرفته على العرب الذين عاصروا الوحي.[13]

والطريق الموصل إلى العلم بمعجزة القرآن الباقية أبدا واللآئحة دائما لمن أراد الوصول إلى معرفتها هي معرفة قوانين الكلام، التي لا مدخل لها بدورها إلا دراسة “الأدب”، والشعر بصفة خاصة. وطبقا للقاعدة الفقهية المعروفة “ما لا يتم فعل الواجب إلا به فهو واجب” تصبح دراسة “الأدب” واجبا دينيا لمن أراد الوصول إلى معرفة “براهين” الإعجاز، التي هي حجة صدق النبوة والدليل الهادي إلى الإيمان الواعي، دون إيمان التقليد. لا يكتفي عبد القاهر بتأكيد أن دراسة الشعر واجب ديني، بل يتهم أولئك الفقهاء الذين يقللون من شأن الشعر ويهونون من شأن دراسته بأنهم في الحقيقة يسدون أمام العلماء طريق العلم بأخطر قضايا الدين، ويقفون حائلا بين العالم المسلم وبين أدائه لأهم واجباته العلمية:

“وذلك أنا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبهرت، هي أنه كان على حد من الفصاحة تقصر عنها قوى البشر، ومنتهيا إلى غاية لا يُطْمَحُ إليها بالفِكَر، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يُشَكُّ أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيها قصب الرهان، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل، وزاد فيه بعض الشعر على بعض (إذا كان الأمر كذلك) كان الصاد عن ذلك (=دراسة الشعر ومعرفة قوانين التباين والتفاضل فيه) صادا عن أن تُعْرَف حجة الله تعالى، وكان مثْلُه مثل من يتصدى للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالى ويقوموا به ويتلوه ويقرأوه فمن حال بيننا وبين ما له كان حفظنا إياه ، واجتهادنا في أن نؤديه ونرعاه كان كمن رام أن يُنْسيناه (=القرآن) جملة، ويُذْهِبَه من قلوبنا دَفعةً. فسواء من منعك الشيء الذي تنتزع منه الشاهد والدليل (=على إعجاز القرآن، وهو دراسة الشعر والأدب) ومن منعك السبيل إلى انتزاع تلك الدلالة، والاطلاع على تلك الشهادة.”[14] (الزيادة بين الأقواس من وضعنا لبيان المعنى.)

ليس علم الشعر إذن، فيما يرى عبد القاهر، مجرد علم مساعد لفهم القرآن يتساوى مع غيره من العلوم المساعدة، بل هو “العلم” الذي لا غناء عنه، والذي يحتل قبل أي علم آخر مرتبة الضرورة القصوى، لأنه يقع في مرتبة “الوجوب” الدينية. من هنا يصبح علم العلوم، لا في الكشف عن “الإعجاز” فقط، بل في حسم الخلاف في قضايا “التفسير والتأويل”، وفي حماية “المفسِّر” و “المؤوِّل” من المغالطة في الدعوى أو الوقوع في أسر أوهامه الإيديولوجية. إن علم الشعر بلغة عبد القاهر:

“باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة، ومعان شريفة، ورأيت له أثرا في الدين عظيما وفائدة جسيمة، ووجدته سببا إلى حسم كثير من الفساد فيما يعود إلى التنزيل، وإصلاح أنواع من الخلل فيما يتعلق بالتأويل، وإنه ليؤمِّنك من أن تُغالِط في دعواك، وتدافع عن مغزاك، ويربأ بك عن أن تستبين الهدى ثم لا تُهْدى إليه، وتُدِلَّ بعرفان ثم لا تستطيع أن تدُلَّ عليه، و(يؤمِّنُك) أن تكون عالما في ظاهر مُقلِّد، ومستبينا في صورة شاك، وأن يسألك السائل عن حجة يُلقي بها الخصم في آية من كتاب الله تعالى أو غير ذلك فلا ينصرف عنك بمقنع.”[15] (ما بين الأقواس إضافة من عندنا لإبراز المعنى.)

 

خاتمة:

 

إذا كان عبد القاهر قد حل أزمة “التوتر” بين الشعر والوحي باتخاذ الشعر منطلقا لفهم خصائص الكلام البليغ، فإن “سيد قطب” وأبناء جيله قد وسعوا منظور القرآن ليشمل كل الفنون كما رأينا. ولم يكن ممكنا لعبد القاهر أن يخطو هذه الخطوة دون إنجازات سابقيه المعرفية في مجال اللغة والبلاغة واللاهوت والفلسفة. ولم يكن يكن ممكنا لسيد قطب وأبناء جيله فتح مجال الرؤية إلا بما قام به رواد النهضة أمثال “محمد عبده” رائد المدخل الأدبي والتحليل السردي بلا منازع. وهو نفسه “محمد عبده” الذي فتح أفق المعنى الديني لاحتضان فني التصوير والنحت بفتاواه الجريئة التي اخترقت حوائط التقليد والركود وأعادت المعنى الديني إلى جماعة المؤمنين. من هذا المجال الخصب الواعد والمحمل بالبشارة كتب محفوظ “أولاد حارتنا”، التأويل الأدبي الإبداعي للقصص الديني، لكن المناخ كان قد تغير، وكانت وعود البشارة بالمستقبل المضيئ تعاني من اختناق الحريات. لم يتفهم كثيرون إصرار محفوظ – بعد حصوله على نوبل – على عدم طبع الرواية في مصر إلا بعد موافقة الأزهر. وفي يقيني أن محفوظ أعاد كتابة “أولاد حارتنا” في “ملحمة الحرافيش”، فانتقل بها من شكل “الأليجوري/التمثيل الشفاف إلى بنية سردية أكثر تعقيدا وغنى.    

من نافلة القول أن نقول إن الاعتراض على الأعمال السردية – فضيحة “وليمة لأعشاب البحر” ورويات أخرى إلى جانب “أولاد حارتنا” يقوم على خلط بين “الأصوات” في الفنون السردية. بسبب هذا الخلط يحاسب المؤلف على أقوال الشخصيات، كما يحاسب صناع الفيلم أو المصور والنحات. كان “حسان بن ثابت” ينشد شعرا في المسجد النبوي، شعرا حسبه البعض فاحشا؛ لأنه يتضمن مفردة لغوية تنتمي لمجال العلاقة الجنسية. اعترض المعترض “أفحش في مسجد رسول الله؟” فقال حسان “إنما الفحش عند النساء”، وهذا تمييز دقيق بين “الفعل” و”القول الشعري”.

الدين لا يحرم الفنون، إنما يحرمها من يتصورون أنفسهم حماة الدين والأخلاق والأعراف والتقاليد. وهم أنفسهم حماة الأمر الواقع من رجال الحكم ومن يلف لفهم من بعض الإعلاميين والمثقفين. إنها أولا وأخيرا قضية “الحرية” في كل الفضاءات الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية. رفع حصار الحماية الذي يمارسه الاستبداد، كأن الشعوب لم تتجاوز مرحلة الطفولة. أي تحليل لخطاب التحريم في أي مجال سيجد مفهوم “الحماية” قارا فيه: حماية المشاهد (التليفزيون وكل الفنون المرئية)، حماية القارئ (مصادرة الكتب والأعمال الشعرية والروائية)، حماية الأخلاق والقيم (المراقبة على المصنفات). كل الاستبداد يرتد إلى ادعاء الحماية؛ لأن المستبد “أب” و”راع” و”حكيم” و”ملهم” و”خالد” نفديه بالروح والدم. الفن كالتعليم كالفكر كالبحث العلمي كالإعلام الحر أضواء تعري هذه الأقنعة. من هنا الخطورة على كل أشكال الاستبداد ومستوياته. ومن هنا حاجتنا للفن وللحرية.


[1]  جامع البيان في تأويل آي القرآن، دار الريان للتراث، القاهرة، 1407هجرية-1987م، ج 27 ص: 34.

[2]  السابق، ج 29، ص: 62.

[3] شكرا للصديق الشاعر زين العابدين لتزويدي بهذه المعلومات في تعليقه في بيروت.

[4]  من المهم هنا الإشارة إلى وضوح هذه التمييزات في الفكر الكلاسيكي؛ فعنوان كتاب “أبو الحسن الأشعري” المعروف هو “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين” فعبر عن هذا التعدد باسم “مقالات”. أما ابن رشد فاستخدم اسم عقائد في عنوان كتابه “مناهج الأدلة في عقائد أهل الملة”. الإسلام إذن ملة واحدة من حيث هو دين، لكنه عقائد مختلفة من حيث التفسيرات والتأويلات.  

[5]  السابق، أمين الخولي: مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير، دار المعرفة، القاهرة ط1 1961، ص: 303-304.

[6]  السابق، ص: 97.

[7] انظر أيضا الأنعام/25، والأنفال/31، والنحل/24، والمؤمنون/83، والنمل/68، والأحقاف/17، والقلم/15، والمطففين/13)

[8] انظر على سبيل المثال “مفهوم النص:دراسة في علوم القرآن”، المركز الثقافي العربي ، بيروت ط4 1998،  الفصل الخاص عن “الإعجاز”، ص: 139-168.

[9] انظر: أسرار البلاغة ، شرح وتعليق: محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة القاهرة، ط1 1973، الجزء الأول، ص: 99-111.

[10] انظر: دلائل إعجاز القرآن الكريم، قراءة وتعليق: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة 1984، ص: 61-62.

[11]  انظر مناقشاته المفصلة لإزالة وهم ثنائية “اللفظ والمعنى” في “الدلائل”، ص: 417 وما بعدها، وكذلك في “الأسرار”، جزء أول، ص:97 وما بعدها.

[12] انظر “الدلائل”، ص: 81-28.

[13] دلائل الإعجاز، ص: 10.

[14]  السابق، ص: 8-9.

[15]  السابق، ص: 41-42.

 

 

 

 





نصر ابوزيد ثقافة التنمية وتنمية الثقافة

26 02 2008

ثقافة التنمية وتنمية الثقافة

 ليس في عنوان هذا المقال أية محاولة للتفاصح أو التبالغ (من البلاغة) . وإن بدا أنه يمكن إدراجه أسلوبياً تحت ما اصطلح القدماء – بدءاً بالجاحظ (ت: 255هـ) – على تسميته باسم «رد العجز على الصدر» . وإذا كان كثير ممن تناولوا الموضوع يضعون «الثقافة» طرفاً في مقابل طرف «التنمية» ، فإن هذا الوضع يزيد المشكل تعقيداً ، في حين يتصور أصحابه أنه يقترب به من حدود الفهم ، ويقودهم إلى الحل .

 والحقيقة أننا لسنا بإزاء طرفين في علاقة ، أياً كانت طبيعة هذه العلاقة ، حتى لو وصلنا بها إلى افاق التفاعل الجدلي بالمعني العلمي . إن ما نطلق عليه – تجاوزاً – اسم «العلاقة بين الثقافة والتنمية» لا يتشابه مع العلاقة الجدلية بين البني التحتية والبني الفوقية في تشكيلة اجتماعية بعينها ، وذلك لأن التنمية مشروعات وخطط قصدية واعية من جانب أصحابها لتحريك الواقع في اتجاه تحقيق أهداف بعينها .

والواقع الذي تستهدفه التنمية بناء عضوي متكامل ينتظم في كل مركب من الاجتماعي والاقتصادي والسياسي (الراهن والتاريخي التراثي) والثقافي بالمعني الشامل ، الذي ينتظم بدوره من الأعراف والتقاليد وأنماط السلوك والفكر والدين والأدب والفن ، المدون والشفاهي (الراهن والتاريخي التراثي أيضاً) . هذه التركيبية المعقدة في بنية الواقع -هدف التنمية- تستلزم أن تكون التنمية شاملة حتى تحقق أهدافها في تحريك الواقع نحو الأهداف المرجوة .  ا

لتنمية إذن ليست طرفاً مقابل الثقافة ، بل هي هي ، بما أنها خطط ومشروعات ذات طابع فكري عقلاني ، يستند إلى تحليل الواقع واكتشاف علاقاته التركيبية المعقدة ، طموحاً إلى تحريكه إلى الأفضل والأرقي والأنفع . انها نشاط ذهني ينتمي إلى مجال الثقافة ، فكيف تعد طرفاً في مقابل ذاتها .

وإذا نظرنا للمشكلة من جانبها الآخر ، أي من جانب الثقافة ، فإننا ننظر في الحقيقة إلى الوجه الآخر للعملة ، وهذا معناه أن «ثقافة التنمية» و«تنمية الثقافة» ليسا مفهومين متقابلين يمكن أن يتحقق أحدهما في استقلال عن الآخر . ولسنا بحاجة للتأكد أن هذا الفهم العضوي لجانبي التنمية / الثقافة (أو الثقافة / التنمية) – ولا نقول الطرفين – إنما ينطبق على التنمية الحقة / الثقافة الحقة ، التي تحقق وتعبر عن مصالح المنتجين الحقيقيين في المجتمع . وفي الحالات المرضية تكون هناك خطط ومشروعات للتنمية ، لكنها لا تنجح في تحقيق تحريك المجتمع ورفع مستوي المواطن وإشباع حاجاته المادية والروحية ، ولنلاحظ أن إحدى الدلالات اللغوية للصيغة الرباعية للفعل -أنمي أو نمي- الرفع والإشباع ، يقال : أنمي النار ونمّاها : أي رفعها وأشبع وقودها .

 قد يقال في مثل هذه الأحوال إن خطط التنمية لم تراع ظروف الواقع ، وقد يقال ان المشكلة تكمن في القائمين على تنفيذها ، وقد يقال إنها فشلت لأن الجماهير – صاحبة المصلحة الحقيقية – لم تتحمس لها بالقدر الكافي . وأياً كان ما يقال من تعليل للفشل فإن العلة -علة المرض- تكمن في «العقل» المخطط أو في «العقل» المنفذ ، أي تكمن في الوجه الثقافي .وإذا كان من قبيل تحصيل الحاصل أن نقول إنه ليست هناك تنمية مطلقة أو ثقافة مطلقة ، فلعله ليس من ذلك القبيل القول إن خطط التنمية في واقع بعينه توضع وفق توجيهات محددة من جانب القوي الاجتماعية القابضة على زمام السلطة السياسية في ذلك الواقع .

 ومن الطبيعي أن تكون تلك التوجهات والموجهات محققة لما تتصوره تلك القوي مصالح المجتمع ككل ، في حين أن تصوراتها تلك لا تعكس إلا مصالحها التي تصوغها -أيديولوچياً- بوصفها مصلحة المجتمع كله . وإذ يتم إدماج مصلحة الجماعات والقوي الاجتماعية الأخري في مصلحة الجماعة القابضة على زمام السلطة فإن ذلك يحدث -وبشكل متزامن- على مستوي الخطاب الثقافي الإعلامي المعبر عن توجهات القوي المسيطرة .

وبعبارة أخري يمكن القول إن خطط التنمية تمثل في جانب منها شكلاً من أشكال التوجيه الفكري والثقافي الذي يريد أن يستوعب الثقافات الفرعية للجماعات والقوي الأخري بالهيمنة عليها وابتلاعها من خلال خطاب ثقافي إعلامي يحقق نفس التوجهات المشار إليها . لكن الثقافات الأخري ، خاصة ثقافة الطبقات والقوي المنتجة ، تقاوم محاولات الهيمنة والابتلاع بكل وسائل المقاومة المتاحة لها ، والتي تصل في مجتمعات القهر البوليسي إلى حد المقاومة السلبية بالامتناع عن المشاركة في الإنتاج – كل أنماط الإنتاج المادي والمعنوي – عن طريق وسائل التراخي والتكاسل واللامبالاة . وإذ تفشل خطط التنمية في تحقيق الأهداف المعلنة – أيديولوچياً – يتم تحميل التبعة على كاهل الطبقات المنتجة ومعاقبتها بمزيد من الاستغلال والقهر الاجتماعي ، على الرغم من تحقق الأهداف والمصالح الحقيقية – غير المعلنة – للقوي المسيطرة والقابضة على زمام السلطة .ولا تكتفي القوي المسيطرة بالتحدث باسم المصالح العامة وبابتلاع ثقافة الطبقات المنتجة ، بل تتجاوز ذلك إلى تأويل التاريخ والتراث – بمعناه الشامل الواسع – ليكون ناطقاً باسمها ، حاملاً لطموحاتها ومحققاً لمصالحها وآمالها . وهكذا تحاول الاستيلاء على الماضي إحكاماً لقبضتها على الحاضر ، كما تصوغ مصالحها في لغة مصالح الجماهير ، وكما تنتج ثقافتها وتبثها على الناس باسم الثقافة الوطنية ، وتنشر قيمها على أنها القيم الحقة النابعة من تراثنا وحضارتنا . وفي غياب ديمقراطية حقيقية تسمح بتداول السلطة السياسية ، وبوجود منابر ثقافية وفكرية حرة تعبر عن كل الاتجاهات والقوي في الواقع ، تتجمد حركة المجتمع ، ويصاب عقل الأمة بالتعفن ، ويصبح أي حديث عن التنمية حديث خرافة .

 التنمية إذن هي الوجه الآخر للثقافة ، والثقافة هي التنمية ، وكلتاهما وجهان لحقيقة واحدة ، هي البنية العلوية المتجادلة مع البنية التحتية للتشكيلة الاجتماعية .في ظل توحيدنا السابق بين الثقافة والتنمية بوصفها وجهين لبيئة واحدة ، يستحيل الحديث عن علاقة ، أياً كانت درجة التفاعل بين طرفيها ، ومن منظورنا الحديث عن الثقافة فتشير دلالة القول -بالتضمن- إلى التنمية ، وحين يتحدث غيرنا عن التنمية فلابد أن تكون الدلالة مشيرة أيضاً إلى الثقافة والحديث عن الثقافة حديث عن «العقل» المنتج لها ، وهو أيضاً حديث عن «الذاكرة» الحافظة لها من التبدد أو الشتت والضياع .. وإذا كان عقل الأمة صحيحاً معافي من الآفات والتناقضات ، فإنه يكون قادراً على إنتاج وعي بالعالم ومعرفة بالطبيعة والإنسان ، أي يكون قادراً على إنتاج العلم . وإذا كانت الذاكرة حرة تتمتع بالحيوية والنضارة أمكن لها أن تصل الحاضر بالماضي في علاقة جدلية خلاقة مثمرة ، تتحول فيها التقاليد والموروثات إلى حوافز للتقدم ، وتسقط منها المعوقات إلى قاع النسيان .

 لكن سلامة العقل ونضارة الذاكرة تستلزم -إن شئنا المضي مع الاستعارة أو ترشيحها- سلامة الجسد الحامل لها ومتانة بنيته . وإذا كان الجسد متعدد الأعضاء فمن الضروري في الجسد السليم أن يؤدي كل عضو وظيفته في تناغم وتآلف مع الأعضاء الأخري . وقبل أن تحسبنا الاستعارة بإغرائها البياني إلى وهدة التصور الكلاسيكي للعلاقة الاجتماعية بمماثلتها بأعضاء الجسد الإنساني – وهو التصور الذي يؤدي إلى تثبيتها في شكل أبدي ذي أبعاد قدرية مفروضة من السماء – نسرع إلى بيان أن التناغم والتوافق المطلوبين يجب أن يتحقق بين جماعات ومصالح وتصورات ، وذلك من خلال التفاعل الجدلي الخصب . وبعبارة أخري نقول إن التعددية الاجتماعية الفكرية لا يجب أن يلغي طرف الآخرين بالهيمنة أو الثقافي في إطار سياسي ديمقراطي حقيقي . هذا ما نعنيه بالجسد الذي إذا صح صح به العقل وصحت به الذاكرة ، وتحرك الواقع دائماً حركة نامية متطورة . العقل العربي بين سلطتينالتساؤل عن الأزمة الراهنة للثقافة العربية – وهي أزمة التنمية بمعناها الحقيقي – يشد الخيط إلى جذور الأزمة في التاريخ والتراث .

 ودون دخول في إشكاليات تعريف التراث وتحديد مجالاته – وهي إشكاليات لا ينبغي التقيل من أهميتها – نكتفي هنا بالتراث القريب المباشر ، ونعني به التراث العربي الإسلامي ، الذي لا يشكك أحد في أنه استوعب التاريخ والتراث السابقين عليه . ويبدو أن العقل العربي في التاريخ والتراث بالمعني السابق ظل مشدوداً إلى سلطتين قاما دائماً بدور الكابح الذي يمنعه من الإنتاج الحر للمعرفة . هاتان السلطتان هما سلطة النص الديني والسلطة السياسية الحاكمة . ولقد تم فرض السلطتين بشكل تزامني في الصراع العلوي / الأموي ، الذي دارت رحاه بين الخليفة الرابع على بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان في موقعة «صفين» ، حيث أمر معاوية جنوده الذين كانوا على وشك الانهزام أن يرفعوا المصاحف للاحتكام إليها في حسم الصراع .

 وقد كان الداهية عمرو بن العاص هو صاحب ذلك التكتيك ، وكان واثقاً من نتيجته في بلبلة عقول أتباع على واختلافهم ، وهذا ما تحقق بالفعل كما ذكر المؤرخون ولكن الذي لم يذكره المؤرخون ، ربما لأنهم لم يدركوه ، أن تلك «الحيلة» كانت موجهة بنفس القدر لجنود معاوية ، تزييفاً لوعيهم ، بإقناعهم أن قوادهم يخوضون حرباً دينية مقدسة ، وذلك إخفاء للأطماع والمصالح الدنيوية الطبقية المباشرة . وقد أثمرت الحيلة الأيديولوچية نتائجها في تحويل الوعي بالصراع من مجال الصراع الاجتماعي السياسي إلى مجال الصراع حول إدراك معني النصوص الدينية ، وحول تأويلها .

 ومنذ تلك اللحظة التاريخية والمسلمون يخوضون صراعاتهم الاجتماعية والسياسية باسم الدين وتحت مظلة النصوص .لكن السلوك الأموي لم يكن لحظة البداية الباكرة ، فقد تم من قبل وربما عشية وفاة النبي صلي الله عليه وسلم في خلاف السقيفة بين المهاجرين من أهل مكة والأنصار من أهل المدينة حول من يخلف النبي ، ثم توحيد السلطتين الدينية والدنيوية في سلطة واحدة هي سلطة قريش . وهذا فتح الباب على مصراعيه لعودة الصراع الهاشمي/ الأموي الذي كان مستعراً قبل الإسلام ، في ثوب جديد وفي ظل العقيدة الجديدة ، وهو الصراع الذي استمر بعد ذلك ، وشكلت تجلياته ومظاهره المختلفة ملامح التاريخ الاجتماعي السياسي للمسلمين حتى القضاء على الخلافة العباسية باستيلاء المغول على بغداد .

 وإذ توحدت السلطتان الدينية والدنيوية كان تأويل النص الديني دائماً شأناً من شئون الدولة ، وصار رجل الدين – فقيهاً أم مفسراً أو محدثاً – موظفاً في بلاط الدولة / الخلافة. في هذا السياق يمكن أن نفهم حرص الدولة -ممثلة في الخليفة الثالث عثمان بن عفان- على القضاء على تعددية النص التي تمثلت في السماح بقراءته وفقاً للهجات العربية المختلفة – التي حصرت في العدد سبعة – وذلك بإلغاء كل القراءات لحساب القراءة بلهجة قريش .

 ولم يكن من الغريب أن يعلن في عهد الخليفة نفسه بشكل صريح ومباشر مبدأ الحكم الثيوقراطي ، وذلك في رد الخليفة على الثوار الذين جاءوا يشكون إليه من عسف الولاة وظلمهم وفوجئوا في طريق عودتهم بالبريد يحمل أمراً بقتلهم مختوماً بخاتم الخليفة ، فعادوا إلى مقر الخلافة ، وتأزمت الأمور حتى خيروه بين الموت أو العزل من المنصب – كان الرد : «لا أخلع قميصاً ألبسنيه الله» . وهكذا أصبحت الخلافة هبة ربانية لا اختيارات إنسانية ، وكان تقرير هذا المبدأ بمثابة إلغاء تام للفارق بين الديني والدنيوي من جهة ، وتحويل للسلطة السياسية إلى «نص» إلهي ، الأمر الذي جعل امتلاك السياسة للنصوص الدينية تحصيل حاصل .لا غرابة إذن أن يبرر الأمويون أحقيتهم للخلافة بالاستناد إلى حقهم في الثأر من الثوار ، وأن يجعلوا من دماء الخليفة المقتول رايتهم في قتال بني هاشم .

 وقد أدي التوحيد بين سلطة النص الديني وسلطة النظام السياسي إلى نتائج خطيرة على مستوي آليات العقل العربي المسلم في إنتاج المعرفة ، حيث أصبحت النصوص الدينية الإطار المرجعي الأول والأخير بالنسبة لكل القوي الاجتماعية والسياسية ، هذا من جهة . ومن جهة أخري ظل تأويل النصوص يدور دائماً وعين المفكر وعقله على اتجاه السلطة السياسية ، تأييداً أو معارضة ، وبذلك انحصرت حركة العقل بين قطبين أحدهما النص الديني ، وثانيهما السلطة السياسية . ومثل هذا الحصر ، أو بالأحري السجن ، يؤدي لا إلى جعل النشاط العقلي نشاطاً هامشياً فحسب ، بل يجعله نشاطاً تبريرياً من الدرجة الأولي .

 وحين يمارس المثقف / المفكر فعالية التفكير وعينه على السلطة السياسية مؤيداً لها ، فإنه يتجاوز التبريرية إلى التواطئية . وبعبارة أخري تبدو التبريرية لصيقة الصلة بمحاولة المفكر إيجاد مرجعية دينية نصية لمواقفه الفكرية ، حيث تتميع أصالة الموقف لحساب الثبات الأيديولوچي الراسخ للنصوص الدينية . وحين تضاف إلى هذه التبريرية الانتماء الأيديولوچي لموقف السلطة ، يتحول الموقف إلى التواطئية .ونستطيع أن نضرب أمثلة كثيرة من تاريخنا الثقافي القديم والحديث لكشف بعدى التبريرية والتواطئية في بنية العقل العربي ، ونعني بالتحديد العقل السائد والمسيطر . ولعل في أحداث الخليج وما كشف عنه ما يقف شاهداً معاصراً حياً على تلك البنية المسيطرة والسائدة .

 ولا نريد أن نخوض في جذور الأزمة وأسبابها القريبة والبعيدة ، ودور البنية العقلية السائدة في تداعياتها ، وتكفينا الإشارة إلى محاولة كل الأطراف -باستثناء أمريكا وأوروبا واليابان والاتحاد السوفيتي- الاستناد إلى مرجعية الدين تبريراً للمواقف ، وترسيخاً لمصداقيتها في وعي الجماهير . لكن ما يحدث في واقعنا الثقافي الراهن من سجن نشاط العقل بين سلطة النصوص الدينية وبين براثن السلطة السياسية ليس إلا امتداداً للبنية القديمة التي بدأت بتوحيد السلطتين الدينية والدنيوية ، وما أدي إليه ذلك من تأميم السلطة للنصوص الدينية ، وابتلاعها تماماً لحسابها الأيديولوچي ،يرتبط البعد التواطئي التبريري في بنية العقل العربي بسيطرة فعالية التفكير الديني الغيبي التواكلية على نشاط ذلك العقل فترات طويلة من التاريخ .

 ولم يقلل من سلطة تلك السيطرة بزوغ بعض الاتجاهات والتيارات العقلانية بين الحين والآخر . فقد ظلت تلك التيارات هامشية ولم تستطع لأسباب كثيرة معقدة ومتشابكة -ليس هنا مجال شرحها وتحليلها- أن تكون اتجاهات مركزياً في أية فترة من فترات تاريخنا . والمعتزلة الذين يستشهد بهم عادة في مجال العقلانية الدينية ظلوا هامشيين ، وحين واتتهم الفرصة في عصر المأمون ارتبط فكرها بالبلاط ، وتحولوا إلى متواطئين تبريريين في محنة «خلق القرآن» ، وأصبحوا أداة في جهاز السلطة لقمع المخالفين في الرأي باسم العقلانية . وقد كان حدث المحنة كاشفاً للطبيعة التبريرية للنسق العقلي الاعتزإلى ، ولم يكن مؤسساً له ، أو بعبارة أخري نقول : لم يتحول المعتزلة إلى التبريرية بحكم عوامل خارجية سياسية بقدر ما كانت العوامل الخارجية السياسية عوامل مساعدة في كشف المستور والمطمور في نسقهم الفكري .

 ومن المؤكد أن المثقف المعتزلي لم يستطع أن يؤسس نسقاً فكرياً حراً من آفة التبريرية – التي بدأت دينية ثم تحولت إلى سياسية – بحكم أنه ظل مرتبطاً في فعاليته الذهنية – فعالية إنتاج الأفكار وصياغة المفاهيم – بالنظام السياسي بشكل أو بآخر . ولأن النظام السياسي العربي صاغ نفسه منذ البدايات الأولي بوصفه امتداداً للنبوة والوحي – في شكل الخلافة – لم تستطع العقلانية الدينية تجاوز إطار تأويل النصوص الدينية إلى تأسيس رؤية عقلانية حقة للعالم والواقع والإنسان .وليس معني ما سبق أن «التبربرية العقلية» و«التواطئية» السياسة سمة للفكر ذي الطابع الديني الواضح والمباشر فقط ، بل يمكن القول إنها تحولت إلى طابع عقلي في بنية الثقافة العربية . ولم تنج من سيطرة هذا الطابع كثير من التيارات العلمانية العربية في تاريخنا الحديث ، فالقوميون وضعوا الدين والعرق أساسين أوليين للقومية العربية ، ولم يخفف من حدة تلك الصياغة التعامل مع الدين بوصفه معطي ثقافياً لا مجرد نسق من العقائد والشعائر .

 ومن اللافت للانتباه أن هذا المفهوم الأخير للدين لم يتم تأسيسه بشكل علمي راسخ ، بل ظل شعاراً مرفوعاً بشكل خطابي لتحقيق هدفين : الأول منهما ضمان تأييد العامة ، والثاني مساجلة الاتجاهات السلفية الدينية التي لا تري جامعاً للبشر يوحد بينهم إلا العقائد . وبعبارة أخري ظل مفهوم القوميين للدين مفهوماً أيديولوچياً يستخدم في مجال السجال السياسي . وبعد أن سقطت الشعارات في عصر الهزائم لم يبق إلا الدين العقائدي الشعائري ، ولم يبق من «العرقية »القومية إلا الطائفية تفتت أركان العالم العربي ، وتمنع الوجود الصهيوني شرعية دينية وعرقية . وإذا كان القول بأن استيلاء النظام العراقي على أرض الكويت بالقوة يعطي لإسرائيل مشروعية في بقاء احتلالها للأرض العربية : – قولاً صحيحاً في مجمله ، فإنه يحتاج إلى إضافة أن الوجود الصهيوني الإسرائيلي ذاته قد حصل على مشروعية قيامه من الفكر القومي العربي ذاته .

 إن إسرائيل التي تقوم أيديولوچياً على أساس الدين والعرق تحقق المفهوم العربي للقومية بأجلي معانيه ، هذا بالإضافة إلى عاملي الثقافة والتاريخ المشتركين اللذين تحاول أجهزتها الثقافية والإعلامية تأصيلهما ولو بالتزييف والسطو على التراث العربي الفلسطيني.ولم تنج من الوقوع في وهدة التبريرية والتواطئية كثير من فصائل اليسار العربي وتياراته ، فاستخدم الدين لتبرير الاشتراكية العربية ، التي هي وسطية تلفيقية بين الماركسية العلمية وبين الرأسمالية . والقاريء لميثاق العمل الوطني المصري يدرك هذه الحقيقة بجلاء . لكن ذلك لم يمنع الحزب الشيوعي المصري من حل نفسه ، وتحولت كوادره إلى العمل السياسي والثقافي في نظام مصر الستينيات . وتكرر بشكل ما الموقف الاعتزإلى المشار إليه سابقاً، موقف التواطؤ مع النظام السياسي وتبرير توجهاته . وفي الخطاب السياسي المعاصر ارتبك الأمر واختلط ، وأصبح الدين إطاراً مرجعياً لكل الاتجاهات ، فخصوم الاتجاهات السلفية -مثلاً- لا يختلفون معهم جذرياً في شأن مرجعية النصوص الدينية بل يختلفون معهم حول معناها .

ويصبح الجدل بين السلفيين وخصومهم جدلاً حول تأويل النصوص لا جدلاً حول هموم الواقع التي يتحتم أن تستنبت منها الحلول . إن غاية كثير من الأبحاث والدراسات التي يقدمها بعض العلمانيين هي إثبات أن «الدين ليس كما يفهمه السلفيون . إنه ليس كذلك بل كذا» . وفي مثل هذا الجدل تتبدي التواطئية وينزلق البحث والدرس إلى التبريرية الأيديولوچية لا إلى فهم الظواهر باكتشاف أصولها ورصد غاياتها .وتبدو مشكلة المثقف العربي تاريخياً أنه يمارس إنتاج الفكر وعينه على السلطة السياسية ، وسواء أكان موقفه منها الرفض أو القبول فإنه لا يستطيع الفكاك من أسر طابعها الأيديولوچي ذي التوجه الديني الظاهر أحياناً والباطن أحياناً أخري . والدليل الواضح على ذلك موقف البعض من جماعات الإسلام السياسي ، فهم في حيرة بين أمرين : بين التحالف مع بعض فصائل هذه الجماعات ، بما أنها تنتمي إلى المعارضة السياسية وتناهض نظام الحكم القائم ، وهنا تأتي التفرقة بين «المعتدلين» و«المتطرفين» لتبرير هذا الموقف ، موقف التحالف .

 الأمر الثاني المحير هو الموقف من الجماعات الدينية التي ينطبق عليها وفقاً للتصنيف السابق اسم «المتطرفين» ، فمناهضة هذه الجماعات سياسياً وفكرياً يضع المثقف – وإن بشكل غير مباشر – في خندق النظام السياسي الذي يسعي للقضاء عليها وتصفيتها بكل الطرق والوسائل . وفي وسط موقف الحيرة  المعقد هذا ، يحدث التستر على طبيعة الأيديولوچيا الدينية المتطرفة إلى أبعد الحدود للنظم السياسية العربية ، ويقع المثقف في التبريرية التواطئية بقصد أو عن غير قصد . وليس هذا من قبيل ممارسة السياسة بالفكر أو ممارسة الفكر لأهداف سياسية وقتية فحسب ، بل هو علاوة على ذلك هروب من تأسيس المعرفة والوعي بالاستغراق في الأيديولوچيا .ولا خلاص من تلك الوضعية إلا بتحرير العقل من سلطة النصوص الدينية ، وإطلاقه حراً يتجادل مع الطبيعة والواقع الاجتماعي والانساني ، فينتج المعرفة التي يصل بها إلى مزيد من التحرر ، فيصقل أدواته ، ويطور آلياته .

 ولابد له بالمثل من التحرر من السجن الآخر ، سجن الدوران في فلك السلطة السياسية وأيديولوچيتها ، تأييداً أو معارضة ، وذلك للخروج من أسر إنتاج الأيديولوچيا إلى فضاء إنتاج المعرفة العلمية بالواقع وبالتراث ، بل وبالسلطة ذاتها . الذاكرة بين المحو والإثباتإذا كان العقل هو منتج المعرفة ، فإنه لا ينتجها في فراغ تأملي مفارق للنشاط المادي ، الذي يتحدد على أساسه مستوي تطور الجماعة التي ينتج العقل لها المعرفة . والذاكرة الجمعية – الثقافة – هي التي تختزن الخبرات والمعارف ، وبذلك تمنح النشاط العقلي قدرته على التواصل والاستمرار والتطور . وحين يحدث انقطاع في بنية الذاكرة يبدو العقل كما لو كان يبدأ دائما ًمن نقطة الصفر ، وهذا ما يبدو أنه يتكرر دائماً في تاريخنا الثقافي ، لا العربي الإسلامي فقط ، بل إيغالاً في الزمن إلى مصر القديمة ، مصر الفرعونية . ومن اللافت للانتباه أن جدلية المحو / الإثبات تمارس نشاطها في ذاكرتنا الثقافية ، لا وفقاً لقوانين التطور الثقافي الطبيعية ، حيث ينبثق الجديد من القديم ويتجاوزه تجاوزاً جدلياً ، بل يتم ذلك بفعل تدخل سلطة ذات طابع أيديولوچي تحاول محو السابق بوصفه نقيضاً ، وإثبات ذاتها بوصفها بديلاً . وقد سهل عمليات المحو والإثبات الصناعية تلك ما سبقت الإشارة إليه من توحد السلطتين الدينية والدنيوية ، وهو ما أعطي للسلطة السياسية ، ولأيديولوچيتها المسيطرة ، قوة الإلزام ، وحقق لها من ثم قدرة دائمة على إعادة بناء الذاكرة الثقافية .شهدت المعابد والمسلات المصرية القديمة هذا الصراع الدائم بين المحو والإثبات ، لا على مستوي الأسرات الحاكمة فقط ، بل على مستوي العصور الملكية داخل الأسرة الواحدة .وكان الصراع يحتدم كلما أصبح الكهنة ، والآلهة الذين يخدمونهم ، طرفاً في تلك الصراعات ، فيتحول الصراع إلى صراع بين الآلهة ، ويفرض الإله الأقوي أناشيده وصلواته ، نافياً أناشيد الالهة الأخري وصلواتها . وهكذا صار البحث في تاريخ الثقافة المصرية القديمة ، أو محاولة إعادة بناء تاريخها من الشذرات والمزق التي وصلت إلينا ، أمراً مرهقاً لا يصل في أحسن الأحوال إلا إلى نتائج احتمالية .

 ومما له دلالة في هذا الصدد أن ما كتبه المؤرخون اليونان أو الرومان يعد المصادر الأساسية لمعرفة التاريخ المصري القديم ، دون المسجل على حوائط المعابد ، أو المدون في المدونات الهيروغليفية. ولا غرابة بعد ذلك كله أن يحدث الانقطاع الملموس على جميع المستويات بين تلك المرحلة من التاريخ وما تلاها ، باستثناء ما وعته الذاكرة الشعبية الجمعية من عادات وتقاليد وأعراف دخلت في بنية الثقافات التالية ، وما زال بعضها حياً إلى اليوم .إذا انتقلنا إلى التاريخ العربي الإسلامي نجد أن الإسلام حل الأديان المتعددة في جزيرة العرب فاستبدل بالآلهة المتعددة إلهاً واحداً ، واستوعب اليهودية والمسيحية كلتيهما عن طريق الانتساب إلى النبي إبراهيم بشكل مباشر . وكانت الدعوة إلى الإله الواحد تهدف إلى استبدال نظام الدولة العربية الموحدة بالنظام القبلي القائم على الصراع والتناحر ، لذلك كان الإله الواحد ، معبود الدولة الجديدة ، وهو إله إبراهيم الجد الأعلى للعرب أولاد إسماعيل .

 لكن الإسلام لم ينف التعددية القبلية نفياً كاملاً ، بل احتفظ لها بأهم خصائصها الثقافية متمثلة في اللهجة الخاصة إلى درجة السماح بتعدد قراءات النص الديني – القرآن – وفقاً للسان كل قبيلة ، وذلك فيما عرف بـ«الأحرف السبعة» . وبعبارة أخري يمكن القول إن الإسلام أراد إقامة الوحدة السياسية دون القضاء على التعددية التي تم القضاء عليها لحساب قريش بعد أن استولت على الإسلام ذاته ، وحولته لأيديولوچيتها الخاصة . وإذ استولت قريش على زمام الذاكرة العربية بدأ الصراع بين أبناء العموم – وهو صراع له مرتكزاته الاجتماعية الاقتصادية لا شك في ذلك – يفعل فعله في عمليات المحو والإثبات .كانت عمليات المحو والإثبات تلك تتم على جميع المستويات ، على مستوي التاريخ كان انتحال الشعر ونسبته إلى مشاهير شعراء ما قبل الإسلام ، نوعاً من تزوير الوثائق التاريخية لحساب هذا الطرف أو ذاك .

 وعلى مستوي الأدلة الدينية النصية كان مجال الحديث النبوي – الذي اعتبر مصدراً ثانياً للمعرفة الدينية – يتسع للمرويات الموضوعة على لسان النبي صلي الله عليه وسلم حتى تضخمت الأحاديث تضخماً أرهق العلماء الذين بذلوا جهوداً مشكورة للتمييز بين الأصيل والزائف . ولم ينج النص القرآني من آثار عمليات المحو والإثبات تلك ، فقد زعم الشيعة أن مصحف عثمان – وهو المصحف الموجود بين أيدينا اليوم – قد محيت منه عمداً كل النصوص الدالة على إمامة على وعلى فضل أهل البيت على العرب والناس كافة . وقد لجأ الشيعة إثباتاً لحق إمامهم ولحقهم في السلطة إلى الاتساع في استخدام آلية تأويل النص العثماني ، وذلك تعويضاً لما يزعمونه نصوصاً صريحة تم إخفاؤها ومحوها . هذا بالطبع إلى جانب الكم الهائل من الأحاديث النبوية التي تروي عن أئمتهم لإثبات تلك الحقوق . ولم يكن الأمويون والعباسيون ، في صراع كل منهم ضد العلويين ، أو صراعهم ضد بعضهم البعض ، بمنأى عن القيام بجهد في تلك العمليات ، ولا نذكر في هذا السياق عمليات نبش القبور والتمثيل بالجثث وقتل الأطفال وخصاء الرجال بالإضافة إلى تحريم ذكر الأسماء على المنابر ، ولو كان في رواية سند حديث .

وكما كان انتقال السلطة يتم بوسيلة الصراع العسكري ، كان انتقال الفكر من مرحلة إلى أخري يتم بوسيلة «الانقلاب» هكذا كان انتقال الحياة الفكرية من «النقل» إلى «العقل» وتبني نهج التفكير الاعتزإلى بالانقلاب الذي قام به الخليفة المأمون بعد تغلبه عسكرياً على أخيه الأمين . ولذلك كان من السهل أن يحدث الانقلاب الفكري المضاد في عصر المتوكل من الاعتزال إلى الأشعرية ، المذهب الأيديولوچي الذي ما يزال سائداً حتى الآن لا في العالم العربي فحسب ، بل في معظم أنحاء العالم الإسلامي . وبعد عصر الإمبراطورية الإسلامية الكبرى وانقسام الدولة إلى دويلات ظل الصراع بين الأنظمة صراعاً حول السيطرة السياسية والهيمنة الدينية في نفس الوقت ، في شكل ادعاء الحق في الخلافة . وانحسم الصراع في النهاية لحساب الأتراك ، وتبني العثمانيون الخلافة الإسلامية ، ذات الأيديولوچية الممتزجة من أنساق فكرية وعقائدية متعددة إلى حد التناقض أحياناً . هكذا حدث التجاور بين النسق الأشعري الكلامي ، والنسق الصوفي العرفاني ، والنسق الفلسفي الإشراقي وتم محو النسق الاعتزإلى الكلامي والنسق الفلسفي العقلي حيث انحصر الأول في ذاكرة الشيعة الزيدية في اليمن حتى تم العثور على مؤلفاتهم في منتصف القرن الحإلى ، عن طريق البعثة العلمية المصرية التي ترأس أعمالها طه حسين .

 أما نسق التفكير الفلسفي العقلي فقد مثله مثل الإرهاصات التجريبية العلمية ، نسقاً هامشياًً ، أفادت منه أوروبا في بناء نهضتها ، وكان قد تم نفيه نفياً شبه تام بالأيديولوچية الغزالية (نسبة لأبي حامد الغزإلى المتوفي 505هـ) .وقد ظل طابع الانقلابات العسكرية للاستيلاء على السلطة السياسية ، وما يقترن به من انقلابات فكرية للسيطرة على العقل والهيمنة على الذاكرة ، هو الطابع المهيمن على عملية انتقال السلطة في عالمنا العربي بعد زوال السيطرة المباشرة للاستعمار الأجنبي وحتى هذه اللحظة وقد زاد من تعقيد المشكل ما أضافه التحدي الثقافي الأوروبي من تناقض بين تيارين أساسيين يتبني أولهما مفهوم التقدم على الطريقة الأوروبية ، بينما يلوذ الثاني بمفهوم التقدم بالإسلام ، أي بالعودة إلى المنابع الأولي لشخصيتنا الحضارية التاريخية .

 وقد أدي ذلك الموقف المعقد إلى حالة أشبه بحالة انفصام الشخصية تتبدي مظاهرها في أشكال متعددة : انفصام التعليم إلى نظامين التعليم الديني والتعليم المدني ، وزاد الانفصام الآن بتقسيم التعليم المدني إلى تعليم أجنبي «مدارس أجنبية» وتعليم حكومي . ومن الطبيعي في ظل هذا الانقسام أن يكون هناك تعليم ديني إسلامي وتعليم ديني مسيحي ، ولا يكاد المسلم يعلم عن المسيحية إلا ما يقوله الوعاظ وخطباء المساجد ، ولا يكاد المسيحي بالمثل يعلم عن الإسلام إلا ما تبثه أجهزة الإعلام ، وما يقال في شبه سرية داخل المؤسسات المسيحية التي لا تجرؤ على المناقشة الحرة للإسلام بالقدر الذي تناقش به المسيحية في أروقة المساجد وعلى المنابر .

 هكذا تتحول المعرفة الدينية إلى معرفة سرية غنوصية ، خاصة إذا اتصل الأمر بالدين المسيحي في مصر . ويتجاوز الأمر ذلك إلى أن يسقط تاريخ مصر المسيحية من مقررات التعليم سقوطاً شبه كامل ، وكأنه تاريخ أمة غير الأمة المصرية . ولم يدرك أحد حتى الآن أن وجود جامعة حكومية ، هي جامعة الأزهر ، لا يقبل فيها الطلاب المسيحيون حتى في الكليات العلمية – كالطب والتجارة واللغات – أمر يتعارض مع الدستور والقانون الذي يقر تكافؤ فرص التعليم بين المواطنين . وحيث أنشئت الجامعة المصرية – جامعة القاهرة – أنشئت جامعة مدنية بكل كلياتها وأقسامها ، لكنها الآن تضم كلية دار العلوم التي لا تقبل إلا المسلمين .

 ورغم أن قسم اللغة العربية في كلية الآداب لا يفرق في قواعد القبول فيه بين الطلاب على أساس الدين ، فقد لوحظ أخيراً إحجام الطلاب المسيحيين عن الالتحاق به .وليس انقسام التعليم هو المظهر الوحيد لانفصام الشخصية الوطنية ، وإن كان هو المظهر البارز ، فهناك العديد من المظاهر الأخري يطول بنا أمر تعدادها ، ونظرة واحدة إلى الشارع المصري في مدينة القاهرة يبرز كم التناقض الهائل على جميع المستويات ، بدءاً من الأزياء ووسائل الانتقال (تتجاور المرسيدس مع الدواب) إلى تفاوت لغة الخطاب . ومعني ذلك كله أن عمليات المحو والإزالة بوسائل الخطاب الأيديولوچي السلطوي لا تؤدي إلا إلى الخفوت الظاهر ، الأمر الذي يختلف اختلافاً جذرياً عن عمليات النفي الجدلي الطبيعية ، العمليات التي لا تؤدي إلى تجاور الظواهر والأنساق الفكرية . وبانقلاب سلطوي آخر ، ينطلق خطاب أيديولوچي آخر ، يقوم بإظهار المضمر وإضمار الظاهر ، وتظل الذاكرة نهب هذه العمليات المستمرة من الاستدعاء والكبت ، ويصبح من السهل تزييفها ، وتزييف التاريخ كله من ثم .

 هكذا يبدأ التاريخ دائماً من نقطة الصفر على المستوي السياسي ، وتتوقف الذاكرة عن ممارسة فعاليتها الحرة على المستوي الثقافي . ولا خلاص من هذا الموقف ، ولا استعادة للذاكرة إلا بالإقرار بالتعددية السياسية والفكرية ، وترسيخ مبدأ الصراع الحر الخلاق بين الاتجاهات المتعددة ، والتحول من نظام الوثب على السلطة إلى نظام التداول الديمقراطي الحق .ولابد من التنبه في النهاية إلى خطر أيديولوچية «الوسطية» التي يروج لها البعض الآن ويعود بتاريخها إلى مراحل التكوين الإسلامية لحضارتنا وثقافتنا ويتفاوت خطاب طرح هذه الأيديولوچية بين الفلسفي (زكي نجيب محمود) والأدبي (عبدالحميد إبراهيم) والديني الإعلامي وغير الإعلامي ، فضلاً عن الخطاب السياسي . ويقترن بهذه الوسطية في كل أنماط الخطاب المشار إليها مفهوم أننا أمة من طراز لا يصلح لها ما يصلح لغيرها من مؤسسات اجتماعية أو سياسية ، فضلاً عن الأنساق الفكرية التي عندنا منها ما يكفينا وزيادة . وتتبدي خطورة تلك الوسطية في أنها تتنكر للتعددية ، وتسعي إلى إلغاء الصراع بالإيهام بالتوازن والاعتدال الذي لا يعطي الغلبة لجانب على آخر .

 إنها التلفيقية الأيديولوچية التي يمكن لأي جماعة تستولي على السلطة السياسية بالانقلاب العسكري أن تستخدمها ضد كل الجماعات الأخري ، ويصبح الاتهام بالتطرف أو بإحداث الفتنة ، أو بالشغب والتشويش والشوشرة ، اتهامات جاهزة دائماً لكبت المعارضة وقمعها .وإذا كانت الثقافة / التنمية وجهين لعملة واحدة ، فهل يتصور إحداث تنمية حقة دون إجماع اجتماعي ، وكيف تتحقق التنمية في غياب القطاع الأكبر من الشعب موضوع التنمية وهدفها . ولا يمكن بالمثل الحديث عن ثقافة حقيقية دون الحد الأدني من التجانس الفكري الذي لا يلغي التعدد ولا ينفيه . ودون هذا الحد الأدني من التجانس لا يتحقق الإجماع اللازم للتخطيط للتنمية ولا لتحقيقها . وهل يتم ذلك كله إلا بتحرير العقل من سلطتي : النصوص الدينية والسلطة السياسية ، وبتحرير الذاكرة من عمليات المحو والإثبات الأيديولوچية ، أي بتحرير الثقافة من عوائق النمو ، أي بتنميتها . هكذا تتبدد أي شبهة للتفاصح أو التبالغ حين نتحدث عن تنمية الثقافة وعن ثقافة التنمية بوصفها مفهوماً واحداً لا مفهومين متقابلين.

  

 





نصر ابوزيد تجريف التدين وخصاء العقل 2

15 02 2008
تجريف التدين وخصاء العقل» (٢) بقلم  د.نصر حامد ابو زيد 17-10-2006

  يظل السؤال: لماذا يحتاج الناس إلي رأي المفتي في كل شيء تقريبا؟ العولمة والتكنولوجيا لا يفسران الأمر بقدر ما يمثلان إطارا للاحتواء وقنوات للتبادل السلعي، أعني سلعة «السؤال» و«الجواب»: أين جوهر المشكل إذن؟

لماذا صار الناس عاجزين عن «الثقة» في الإجابات التي ظلت ردحا طويلا من الزمن ترضيهم و تشكل إطارا خلفيا لممارساتهم الدينية والدنيوية؟ في صباي المبكر كنت أراقب الناس في المسجد، كيف يتوضأون وكيف يصلون، وكنت أتعرض لاعتراضات من بعض الكبار، لأنني أصلي مثلا عاري الرأس، وكانوا يعتقدون أن غطاء الرأس شرط من شروط صحة الصلاة.

كنت قادرا علي رد اعتراضهم ثقة في معلوماتي الدينية رغم صغر سني آنذاك. أذكر مرة أنني تعبت من كثرة نقد أحدهم، وكان يعمل كاتبا في المحكمة لمسألة عري رأسي في الصلاة، وهو نقد تجاوز حدود الوصف بالجهل ـ إنني جاهل بشؤون الدين ـ ووصل إلي حد الشتيمة. في فورة رد فعل حماسي قلت له: هل تعرف حدود عورة الرجل يا جاهل؟” كانت مأساة أن يتجرأ صبي علي مخاطبة من هو أكبر منه سنا بمثل هذا القول. بلغ الأمر أبي فغضب مني وعاقبني، هذا رغم أنه اتفق معي علي أن الرجل «جاهل».

عاقبني أبي علي إساءة الأدب في مخاطبة الأكبر سنا. كانت عبارة أبي التي لا أنساها «هو جاهل، لكنك قليل الأدب»!أذكر هذه الواقعة بهدف بيان أن الصبي المتعلم في قرية كان قادرا علي الحجاج، لأن التعليم في ذلك الوقت كان يمثل قيمة في المجتمع، الأب في هذه الحالة يميز بين «المعرفة» و«الأدب»، ويتوقع من ابنه «المتعلم» أن يكون «مؤدبا» في حجاجه ضد «الجهل»، وهو منظور أخلاقي راق لا شك.

ارتفعت نسبة التعليم في البلاد، وكثر عدد الجامعات وازداد عدد الخريجين، ومع ذلك فقد استشري إحساس فادح بالجهل، خاصة إذا اتصل الأمر بشؤون الدين، وهي مفارقة حادة، يزيد من حدة هذه المفارقة الازدياد الملحوظ في عدد المساجد، بما تتضمنه من دروس وعظية، وازدياد البرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون، هذا بالإضافة إلي الندوات والمنتديات الدينية، رغم كل مصادر المعرفة المتاحة يسأل الناس دائما أسئلتهم عن العظيم والحقير، والتافه والجاد، فيتصدي منتجو الفتاوي لملء الفراغ، من أين نشأ هذا الفراغ إذن؟

 إنه التعليم في مصر الذي تم تجريفه، فتم تجريف العقل، فأصبح من السهل تجريف «التدين»، وبل أخشي أن أقول إنه تم تجريف «الدين» نفسه. وهو خطر يجب أن يشغل الباحثين والعلماء الذين يؤرقهم سؤال الخراب الشامل في الوعي، إن تجريف التعليم أدي إلي «خصاء» العقل، فانعدمت القدرة علي التفكير المستقل عند الفرد، وأصبح كل فرد يحتاج لدليل يرشده في كل خطوة يخطوها في حياته الخاصة أو العامة.

انزعجنا جميعا لصفر المونديال، ولأصفار الجامعات، وصرخنا لمحرقة بني سويف، وتصدينا للبلطجة في الانتخابات وفي الحياة المصرية بشكل عام. بكينا دموعا حارة لقتلي العبّارات، ووقفنا صفا واحدا ضد «الطائفية»، وضد قتل المصلين الآمنين في الكنائس، وها هي الجموع من كل الفئات من قضاة وأساتذة ومحامين وإعلاميين وكتّاب وفنانين تحاول أن تتصدي للفساد والطغيان.

 كل ذلك يحدث، ولافتة الدين مرفوعة في كل مكان، لكنه دين بلا روح ولا أخلاق. إنه دين «الحجاب» وتقصير الثياب والتجهم ضد المواطن غير المسلم، وتهديد المسلم الذي يحمل رأيا مخالفا للإجابات الجاهزة، فهذا الدين الذي تم تجريفه لا يتسع للآراء ولا يتحمل رأيا ولو كان صحيحا. إنه دين تم اختصاره في تقسيم الأشياء وأنماط السلوك، بل والأفكار إما «حرام» أو «حلال»، ولا شيء بينهما. لا مجال للمباح الذي سكتت عنه الشريعة، فكل الأسئلة والفتاوي تحاول أن تستنطق الشريعة في كل ما سكتت عنه، ولا مجال من باب أولي لمجرد «المكروه» ـ الذي ليس حراما ـ ولا «للمندوب» الذي ليس واجبا.

 إن المبالغة في تأكيد «التدين» بهذا التجريف والاختصار المؤذي تكشف عن غياب «التدين» الحقيقي، التدين الذي يتسع لمساحة الخطأ، لأنه يؤمن بالمغفرة، ويتسع للتسامح لأنه يؤمن بترك الخلق للخالق، كل من يتصور نفسه متدينا شديد التدين، يري أن من واجبه أن يفرض تدينه علي الناس، الأقرب فالأقرب، بكل الوسائل مهما كانت غلظتها وفظاظتها.

نعم لابد من التمييز بين «الدين» و«التدين»، وهو تمييز بين مفهومين لا فصل بين مجالين. السبب في إصراري علي عدم الفصل ـ خلافا لكثيرين ـ أن «التدين» شأنه شأن «الخصوبة» في الأرض الزراعية يعتمد علي مدي تفاعل «الدين» مع معطيات العصر المتجددة، التي هي بمثابة التعرض لأشعة الشمس وللهواء والأمطار والرياح. إذا توقف «الدين» عن عملية التفاعل الحر تتجمد الخصوبة، أي يصاب «التدين» بالجمود، بل بالعفن.

أرجو أن يكون التمييز الآن قد صار واضحا، وأن يكون صار قد واضحا بالمثل المقصود بالدين من أنه «الفكر الديني».مرة أخري يحلو للبعض الفصل الحاد ـ لا مجرد التمييز ـ بين «الدين» و«الفكر الديني»، وهو فصل أجدني لا أرتضيه من منطلق علمي، فـ«الدين» ليس في النهاية سوي تصور ذهني لحقيقة جوهرية مفارقة يستوعبها قلب المؤمن بشكل عفوي تلقائي. و«الفكر الديني» ـ وليس غيره ـ هو الذي يملأ التصور بمضمون يمكن فهمه واستيعابه. وبعبارة أخري: إذا كان الدين هو «المطلق» في ضمير المؤمن وقلبه ـ وليس له مكان سوي هذا ـ فإن «الفكر الديني» هو «التعين» في مجالات الفكر والثقافة.

 أما «التدين» فهو التحقق الاجتماعي في السلوك لهذا المتعين في الفكر والثقافة، الذي قد يكون تعبيرا أرضيا ـ وأكرر أرضيا ـ عن المطلق.ولعل الأمر يستدعي إضافة لابد منها هنا. إن «الفكر الديني» حين يقوم بتعيين «المطلق» يضفي عليه ملامح ويخلع عليه سمات، قد تساهم في ازدياد خصوبة «التدين»، أو قد تصنع العكس. في عقل المتعصب ـ سواء وصل إلي حد ممارسة الإرهاب أو ظل عند حدود التعصب اللفظي ـ يستكن مطلق تحوطه سمات «الغضب» و«الغيرة» و«الانتقام»، وهي سمات وملامح تهيمن علي سمات وملامح أخري ممكنة للمطلق، مثل سمات «الرحمة» و«العفو» و«التسامح». من السهل الحكم علي الشخص المتعصب بأنه «مريض»، ولكن حين يكون «التعصب» حالة اجتماعية، وليس مجرد حالات فردية، لابد من تلمس العلة في «الفكر الديني» السائد.

وصلنا الآن إلي بنية ثلاثية تتكون من عناصر ثلاثة، هي: الدين «المطلق» و«الفكر الديني» و«التدين»، وهي كما رأينا عناصر يمكن التمييز بينها، لكن الفصل بينها مستحيل. يميل البعض إلي وضع العناصر المكونة لهذه البنية الثلاثية في شكل مثلث هندسي يكون فيه «المطلق» رأس المثلث في حين يحتل «الفكر الديني» و«التدين» طرفي القاعدة. والحقيقة أن هذا الوضع الهرمي يفترض تأثير الأعلي ـ علي رأس المثلث ـ في الأدني، أو بعبارة أخري يفترض أن «المطلق» هو المحدد للفكر الديني، الذي يقوم بدوره بصياغة التدين. هذا التصور يصح في حالة واحدة فقط، هي إمكانية أن نعرّف «المطلق» أو نحدد ملامحه خارج «الفكر الديني» وخارج «التدين». ولأن هذا مستحيل، إلا في حالة ادعاء الألوهية والعياذ بالله، فإن المدخل «الإنساني» هو المدخل الذي لا مدخل غيره إلا بادعاءات لا محل لمناقشتها هنا.

جريدة المصري 17-اكتوبر 2006خادم الرواق جمال عمر





تجريف التدين وخصاء العقل 2 نصر ابوزيد

26 01 2008
تجريف التدين وخصاء العقل» (٢) بقلم  د.نصر حامد ابو زيد 17-10-2006
  يظل السؤال: لماذا يحتاج الناس إلي رأي المفتي في كل شيء تقريبا؟ العولمة والتكنولوجيا لا يفسران الأمر بقدر ما يمثلان إطارا للاحتواء وقنوات للتبادل السلعي، أعني سلعة «السؤال» و«الجواب»: أين جوهر المشكل إذن؟ لماذا صار الناس عاجزين عن «الثقة» في الإجابات التي ظلت ردحا طويلا من الزمن ترضيهم و تشكل إطارا خلفيا لممارساتهم الدينية والدنيوية؟ في صباي المبكر كنت أراقب الناس في المسجد، كيف يتوضأون وكيف يصلون، وكنت أتعرض لاعتراضات من بعض الكبار، لأنني أصلي مثلا عاري الرأس، وكانوا يعتقدون أن غطاء الرأس شرط من شروط صحة الصلاة. كنت قادرا علي رد اعتراضهم ثقة في معلوماتي الدينية رغم صغر سني آنذاك. أذكر مرة أنني تعبت من كثرة نقد أحدهم، وكان يعمل كاتبا في المحكمة لمسألة عري رأسي في الصلاة، وهو نقد تجاوز حدود الوصف بالجهل ـ إنني جاهل بشؤون الدين ـ ووصل إلي حد الشتيمة. في فورة رد فعل حماسي قلت له: هل تعرف حدود عورة الرجل يا جاهل؟”

كانت مأساة أن يتجرأ صبي علي مخاطبة من هو أكبر منه سنا بمثل هذا القول. بلغ الأمر أبي فغضب مني وعاقبني، هذا رغم أنه اتفق معي علي أن الرجل «جاهل». عاقبني أبي علي إساءة الأدب في مخاطبة الأكبر سنا. كانت عبارة أبي التي لا أنساها «هو جاهل، لكنك قليل الأدب»!أذكر هذه الواقعة بهدف بيان أن الصبي المتعلم في قرية كان قادرا علي الحجاج، لأن التعليم في ذلك الوقت كان يمثل قيمة في المجتمع، الأب في هذه الحالة يميز بين «المعرفة» و«الأدب»، ويتوقع من ابنه «المتعلم» أن يكون «مؤدبا» في حجاجه ضد «الجهل»، وهو منظور أخلاقي راق لا شك.

ارتفعت نسبة التعليم في البلاد، وكثر عدد الجامعات وازداد عدد الخريجين، ومع ذلك فقد استشري إحساس فادح بالجهل، خاصة إذا اتصل الأمر بشؤون الدين، وهي مفارقة حادة، يزيد من حدة هذه المفارقة الازدياد الملحوظ في عدد المساجد، بما تتضمنه من دروس وعظية، وازدياد البرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون، هذا بالإضافة إلي الندوات والمنتديات الدينية، رغم كل مصادر المعرفة المتاحة يسأل الناس دائما أسئلتهم عن العظيم والحقير، والتافه والجاد، فيتصدي منتجو الفتاوي لملء الفراغ، من أين نشأ هذا الفراغ إذن؟ إنه التعليم في مصر الذي تم تجريفه، فتم تجريف العقل، فأصبح من السهل تجريف «التدين»، وبل أخشي أن أقول إنه تم تجريف «الدين» نفسه.

 وهو خطر يجب أن يشغل الباحثين والعلماء الذين يؤرقهم سؤال الخراب الشامل في الوعي، إن تجريف التعليم أدي إلي «خصاء» العقل، فانعدمت القدرة علي التفكير المستقل عند الفرد، وأصبح كل فرد يحتاج لدليل يرشده في كل خطوة يخطوها في حياته الخاصة أو العامة.انزعجنا جميعا لصفر المونديال، ولأصفار الجامعات، وصرخنا لمحرقة بني سويف، وتصدينا للبلطجة في الانتخابات وفي الحياة المصرية بشكل عام. بكينا دموعا حارة لقتلي العبّارات، ووقفنا صفا واحدا ضد «الطائفية»، وضد قتل المصلين الآمنين في الكنائس، وها هي الجموع من كل الفئات من قضاة وأساتذة ومحامين وإعلاميين وكتّاب وفنانين تحاول أن تتصدي للفساد والطغيان. كل ذلك يحدث، ولافتة الدين مرفوعة في كل مكان، لكنه دين بلا روح ولا أخلاق. إنه دين «الحجاب» وتقصير الثياب والتجهم ضد المواطن غير المسلم، وتهديد المسلم الذي يحمل رأيا مخالفا للإجابات الجاهزة، فهذا الدين الذي تم تجريفه لا يتسع للآراء ولا يتحمل رأيا ولو كان صحيحا. إنه دين تم اختصاره في تقسيم الأشياء وأنماط السلوك، بل والأفكار إما «حرام» أو «حلال»، ولا شيء بينهما.

 لا مجال للمباح الذي سكتت عنه الشريعة، فكل الأسئلة والفتاوي تحاول أن تستنطق الشريعة في كل ما سكتت عنه، ولا مجال من باب أولي لمجرد «المكروه» ـ الذي ليس حراما ـ ولا «للمندوب» الذي ليس واجبا. إن المبالغة في تأكيد «التدين» بهذا التجريف والاختصار المؤذي تكشف عن غياب «التدين» الحقيقي، التدين الذي يتسع لمساحة الخطأ، لأنه يؤمن بالمغفرة، ويتسع للتسامح لأنه يؤمن بترك الخلق للخالق، كل من يتصور نفسه متدينا شديد التدين، يري أن من واجبه أن يفرض تدينه علي الناس، الأقرب فالأقرب، بكل الوسائل مهما كانت غلظتها وفظاظتها.

نعم لابد من التمييز بين «الدين» و«التدين»، وهو تمييز بين مفهومين لا فصل بين مجالين. السبب في إصراري علي عدم الفصل ـ خلافا لكثيرين ـ أن «التدين» شأنه شأن «الخصوبة» في الأرض الزراعية يعتمد علي مدي تفاعل «الدين» مع معطيات العصر المتجددة، التي هي بمثابة التعرض لأشعة الشمس وللهواء والأمطار والرياح. إذا توقف «الدين» عن عملية التفاعل الحر تتجمد الخصوبة، أي يصاب «التدين» بالجمود، بل بالعفن.

 أرجو أن يكون التمييز الآن قد صار واضحا، وأن يكون صار قد واضحا بالمثل المقصود بالدين من أنه «الفكر الديني».مرة أخري يحلو للبعض الفصل الحاد ـ لا مجرد التمييز ـ بين «الدين» و«الفكر الديني»، وهو فصل أجدني لا أرتضيه من منطلق علمي، فـ«الدين» ليس في النهاية سوي تصور ذهني لحقيقة جوهرية مفارقة يستوعبها قلب المؤمن بشكل عفوي تلقائي. و«الفكر الديني» ـ وليس غيره ـ هو الذي يملأ التصور بمضمون يمكن فهمه واستيعابه. وبعبارة أخري: إذا كان الدين هو «المطلق» في ضمير المؤمن وقلبه ـ وليس له مكان سوي هذا ـ فإن «الفكر الديني» هو «التعين» في مجالات الفكر والثقافة. أما «التدين» فهو التحقق الاجتماعي في السلوك لهذا المتعين في الفكر والثقافة، الذي قد يكون تعبيرا أرضيا ـ وأكرر أرضيا ـ عن المطلق.

ولعل الأمر يستدعي إضافة لابد منها هنا. إن «الفكر الديني» حين يقوم بتعيين «المطلق» يضفي عليه ملامح ويخلع عليه سمات، قد تساهم في ازدياد خصوبة «التدين»، أو قد تصنع العكس. في عقل المتعصب ـ سواء وصل إلي حد ممارسة الإرهاب أو ظل عند حدود التعصب اللفظي ـ يستكن مطلق تحوطه سمات «الغضب» و«الغيرة» و«الانتقام»، وهي سمات وملامح تهيمن علي سمات وملامح أخري ممكنة للمطلق، مثل سمات «الرحمة» و«العفو» و«التسامح». من السهل الحكم علي الشخص المتعصب بأنه «مريض»، ولكن حين يكون «التعصب» حالة اجتماعية، وليس مجرد حالات فردية، لابد من تلمس العلة في «الفكر الديني» السائد.وصلنا الآن إلي بنية ثلاثية تتكون من عناصر ثلاثة، هي: الدين «المطلق» و«الفكر الديني» و«التدين»، وهي كما رأينا عناصر يمكن التمييز بينها، لكن الفصل بينها مستحيل. يميل البعض إلي وضع العناصر المكونة لهذه البنية الثلاثية في شكل مثلث هندسي يكون فيه «المطلق» رأس المثلث في حين يحتل «الفكر الديني» و«التدين» طرفي القاعدة. والحقيقة أن هذا الوضع الهرمي يفترض تأثير الأعلي ـ علي رأس المثلث ـ في الأدني، أو بعبارة أخري يفترض أن «المطلق» هو المحدد للفكر الديني، الذي يقوم بدوره بصياغة التدين.

 هذا التصور يصح في حالة واحدة فقط، هي إمكانية أن نعرّف «المطلق» أو نحدد ملامحه خارج «الفكر الديني» وخارج «التدين». ولأن هذا مستحيل، إلا في حالة ادعاء الألوهية والعياذ بالله، فإن المدخل «الإنساني» هو المدخل الذي لا مدخل غيره إلا بادعاءات لا محل لمناقشتها هنا.





الفزع من الاسلام بقلم نصر ابوزيد

7 01 2008

الفـزع من الإسلام

 تعلمون أن موضوع( الفزع من الإسلام) يغرى إغراء لا يقاوم بتركيز النقد على «الغرب» وعلى إعلامه لما يحرص عليه من إبراز الصورة السلبية لا للإسلام والمسلمين فقط، بل لكل ما هو عربى بصفة خاصة. واسمحوا لى أن أصارحكم بأننى أحس أن من الواجب علىّ أن أقاوم هذا الإغراء. إن «نقد» الموقف الإعلامى الغربى من العرب والمسلمين عموماً هو فرض عين، ولكن مكانه يجب أن يكون الإعلام الغربى ذاته

. أما وأنا أتحدث إلى جمعكم هذا، فمصارحة النفس ونقد الذات أولى بنا. فلا أحب أن ينطبق علينا قول السيد المسيح عليه السلام: «إن أحدكم ليرى القشة فى عين أخيه ولا يرى الخشبة فى عين نفسه».لهذا سأبدأ بالإشارة السريعة إلى وجود قوى اجتماعية وسياسية فى العالم الإسلامى تسعى للسلطة مستخدمة فزّاعة «الإسلام» ورافعة شعاره

.ومن المؤسف أن وصم الإسلام بصفة الإرهاب بدأ هنا فى عالمنا العربى: فعل ذلك من يمارسون باسم «الإسلام» وصاية على العقول والقلوب، وفعله بالمثل من أرادوا مقاومة تلك الوصاية بالتهوين من شأن العقائد والأديان فى الحياة الاجتماعية والسياسية. وفى هذا السياق المرتبك اختلط الحابل بالنابل، وصارت المطالبة بالفصل بين «الدين» و«السلطة» ـ فصل السلطات ـ تُفهم بوصفها دعوة لإقصاء الدين عن الحياة، وشتان بين الأمرين.

 الأخطر من ذلك أنه لم يعد ثمة مجال مفتوح لمناقشات فكرية حرة تتناول تاريخ الفكر الدينى تناولاً نقدياً، ولا كيفية تكون مدارسه واتجاهاته فى السياق التاريخى والاجتماعى بطريقة تثرى واقعنا الفكرى المهترئ إلى أبعد الحدود، خاصة فى مجال الأفكار والمفاهيم والتصورات، حيث تحولت بعض التصورات والأفكار التاريخية للأسف الشديد لثوابت دينية لا يجوز الاقتراب منها. لا أريد أن أفتح الجروح بذكر الأمثلة، إذ تكفينى فى هذا المجال الإشارة.طالت هذه المقدمة، ولكنى أراها ضرورية للانتقال لتحليل خوف «الغرب» من الإسلام، راجياً ألا أسقط فى هوة المبالغات التى تغرى الكثيرين بالسقوط فيها. لقد أتاحت لى ظروف الإقامة فى الغرب خلال السنوات الست الأخيرة القدرة على النظر من بعيد، وما تفضى إليه من رؤية الصورة كاملة. هذا بالإضافة إلى القدرة على إدراك التفاصيل فى هذا «الغرب» الذى يحتوينى مكانياً.

 لذا أجد من الضرورى التمييز فى «الغرب» بين مفهومين: مفهوم «الحضارة»، التى ننسبها للغرب، وبين مفهوم «الغرب السياسى». يشير المفهوم الأول ـ الحضارة ـ إلى مجموعة من المنظومات ـ لا منظومة واحدة فقط ـ الفلسفية والفكرية والثقافية والسياسية، بالإضافة إلى المنظومات ـ مرة أخرى بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد ـ الجمالية المعمارية والفنية والأدبية. أما المفهوم الثانى، مفهوم «الغرب السياسى»، فيشير إلى مجموعة النظم السياسية والأيديولوجيات الحاكمة فى بلدان أوربا والولايات المتحدة الأمريكية.

 وهى نظم وأيديولوجيات لا تمثل بالضرورة «قيم» «الحضارة الحديثة»، كما أن السياسات التى تتبعها تلك النظم السياسية قد لا تعكس فى أدائها وتوجهاتها مقتضيات السلوك الحضارى المثالى.ولاشك أن مواقف «الغرب السياسى» تحكمه علاقات المصالح، التى هى امتداد لمرحلة الأطماع الاستعمارية فى سياق جديد هو سياق «السوق العالمية الموحدة». يتجلى هذا فى عمليات الاعتداء على حدود السيادة الوطنية، والتى بلغت ذروتها فى زرع الكيان الصهيونى فى أرض فلسطين ومحاولات تفريغها من أصحابها الأصليين. ومايزال مسلسل الاعتداءات مستمراً ضد شعب العراق وأطفاله. وهذا يعنى أن عداءنا لذلك «الغرب السياسى» ليس أمراً نختاره أو نرفضه، بل إن الرفض والإدانة يمثلان أضعف الإيمان فى سلوكنا الوطنى.

 ومن مهام المثقف الوطنى ألا يكتفى بإدانة هذا الغرب «السياسى» بكل الوسائل والأدوات المتاحة لديه، ومن خلال كل المنابر الفكرية والثقافية والإعلامية شرقية وغربية، بل عليه أن يعلن وبكل وضوح كذلك إدانته لأنظمة الحكم العربية التى تتحمل نفس الدرجة من المسئولية عن هذا الوضع المتردى. ليس من الحكمة أن نعلق الجرس فى رقبة «الغرب السياسى»، مبرئين من المسئولية حكامنا الذين يقهرون الشعوب؛ فيغلقون أبواب التصدى الشعبى للعدوان ومقاومته إغلاقاً تاماً.بعد هذا التوضيح وتحرير المفاهيم والمصطلحات لا أظن أنى بحاجة إلى تأكيد أن موقفنا من «الحضارة الحديثة» يجب أن يكون موقف التفاعل النقدى الخلاق. وهو موقف لا يقوم على التعامل معها من منظور براجماتى يعتمد على استيراد المنتج التكنولوجى، مع تجاهل أساسه العلمى والمعرفى، كما أنه لا يقوم على استيراد «النظريات» العلمية والمعرفية ومحاولة فرضها بطريقة ميكانيكية آلية فى بيئة ومناخ ومجالات مغايرة للبيئات والمجالات التى أنتجتها.

لقد تم تطبيق منهج «الاستيراد» خلال عقود طويلة ـ فى القرنين التاسع عشر والعشرين ـ ولم ينجح لا فى تأسيس مجتمع علمى، ولا فى خلق مناخ للتفكير العلمى. والعلة فى تقديرى أننا نظرنا إلى تفوق «الغرب» طوال هذين القرنين بوصفه تفوقاً فى العلم والتكنولوجيا وحدهما، دون مجال الفكر والفلسفة والثقافة والفنون، أى دون مجال النشاط الروحى الذى تصورنا أن رصيدنا التراثى منه يتفوق على إنجاز الحضارة الحديثة فيه. وماتزال دعوات «النهوض» و«التقدم» التى تتردد الآن وبقوة تركز على قضايا «العلم» و«التكنولوجيا» بمعزل عن تطوير علومنا الإنسانية بالتفاعل مع إنجازات مناهج الإنسانيات فى الحضارة الحديثة.إن الإنسان المُنتج للعلم والتكنولوجيا هو الإنسان الذى تم تكوينه معرفياً منذ مرحلة الطفولة بتدريبه على أهمية إثارة الأسئلة، وتقليب الاحتمالات الممكنة، والتفكير فى الأجوبة قبل اختيار أحدها، والاستعداد للتخلى عن قناعته إذا ثبت له عدم دقتها. والأهم من ذلك كله عدم قبول الرأى الشائع دون فحص ونقد.

إنه منهج «الشك»، والمراجعة، وإعادة النظر، لا منهج «الإيمان» الأعمى و«اليقين» الزائف و«الطاعة» و«التقليد». كم نحتاج للتعلم؟ سؤال لا ينبغى أن نخجل من إثارته، فلو لم يتعلم «الغرب» ممن سبقوه فى مضمار الحضارة ما استطاع أن يكون ما هو عليه الآن.والعجيب أننا، رغم كراهيتنا للغرب السياسى بحكم ممارساته العدوانية ضد مصالح شعوبنا، مشغولون دائماً أشد الانشغال بصورتنا فى عيون إعلام هذا الغرب. وهذا أمر يصيبنى بالدهشة تصل أحياناً إلى حد «السخرية»، إذ يجب أن يكون شاغلنا الأساسى وهمنا الأول تكوين صورة صحيحة عن أنفسنا وعن أحوالنا. ويثير هذا فى نفسى سؤالاً يصعب أن أكتمه: لماذا لا ينشغل الغربيون بصورتهم عندنا، ولا يهتمون قليلاً ولا كثيراً بتصوراتنا عنهم ونظرتنا إليهم؟ أليس فى هذا «الوسواس» داخلنا ما يعد عرضاً من أعراض مرض عضال، لا أدرى له اسماً فى «علم النفس الاجتماعى»؟

 إننا مثل الحبيب «المهجور» المشغول أبداً بما يفكر فيه الحبيب الذى هجره، وهى صورة تمثيلية تُشخص إشكالية علاقتنا التاريخية بالغرب فى القرنين الأخيرين: إنه المُعلم المتقدم الذى يتحتم أن نتعلم منه من جهة، وهو كذلك العدو المعتدى الغاشم الذى يتحتم أن نحاربه، وإن بنفس سلاحه، من جهة أخرى.لقد وصلت نظرية «المؤامرة» إلى حد أن صارت «المفسرة»، التى تحمى الذات من تحمل أية مسئولية بإلقاء التبعة كلها على الآخر، فتم تصوير الغرب باحثاً عن عدو استراتيجى بديل عن الشيوعية، فوجد عدوه هذا فى «الإسلام». والحقيقة أن نظرة الغرب للإسلام ليست نظرة استاتيكية جامدة كما يتوهم البعض؛ فهناك من جهة أولى الاختلاف بين النظرة «الأوربية» فى مجملها وبين النظرة «الأمريكية» للإسلام.

 بدأ الاهتمام الأمريكى السياسى الإعلامى بالإسلام مع نجاح الثورة الإسلامية فى إيران، وماقارنه من احتلال السفارة الأمريكية فى طهران واحتجاز عدد من الرهائن، وفشل المحاولات العسكرية الأمريكية لتخليص الرهائن وتحرير السفارة. لذلك من السهل أن يلاحظ الباحث أن الهاجس السياسى هو العامل المسيطر على الرؤية الأمريكية للإسلام، وهو الهاجس الذى أثمر نظرية «صدام الحضارات»، وهى نظرية انزعجت منها الدوائر الأوربية بنفس القدر الذى أزعج المسلمين مع اختلاف أسباب الانزعاج. هذا الهاجس السياسى يجعل السياسة الأمريكية لا تهتم كثيراً بطبيعة الأنظمة التى تتعامل معها وتساندها، مهما كانت راديكاليتها الإسلامية، مادامت لا تهدد مصالحها. ولا بأس فى هذه السياسة من التعاون مع «عمر عبد الرحمن» أو «أسامة بن لادن» أو غيرهما من القيادات فى لحظات معينة، ثم طلب «الرقاب» ـ حياً أو ميتاً ـ فى لحظة أخرى.

 وفى جميع اللحظات يبقى خط الاتصال مفتوحاً مع بعض القيادات والتنظيمات تحسباً لاحتمالات مفاجئة، مهما كانت مستبعدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يقوم خط الاتصال المفتوح هذا ـ بين دوائر صنع القرار فى أمريكا وبين القيادات الإسلامية الراديكالية، بل والإرهابية ـ بدور «الفزّاعة» لتهديد الأنظمة السياسية فى العالمين العربى والإسلامى لضمان استمرار سيرها على النظام الأمريكى المستقيم.أما نظرة «أوربا» للإسلام فهى، وإن بدأت سياسة استعمارية منذ الحروب الصليبية، قد بدأت تتخذ الآن مسارات متعددة إعلامياً وسياسياً وأكاديمياً. من الناحية الإعلامية من الضرورى ألا ننسى أن الإعلام، مرئياً كان أم مسموعاً أم مقرءواً، أكثر اهتماماً بالرجل الذى «يعقر» الكلب منه بالكلب الذى يعقر الرجل.

لهذا يجب أن نتفهم أن «قنبلة» تنفجر، أو «سائحاً» يُقتل، أو «قبطياً» يُهاجم، أو «طفلة» تُختن، أو حكماً قضائياً يصدر ضد كاتب أو فنان، أمر يثير شهية الإعلام فى كل مكان للتحليل والتعليق واستدعاء الخبراء للإدلاء بآرائهم.. إلخ. هناك بالقطع مبالغات وتضخيم فى عرض الحدث أو الواقعة، لكن أصل الحدث أو الواقعة من صنعنا نحن، ومن نتاج واقع لا نتأمله تأملاً نقدياً كافياً. الصورة الإعلامية، المبالغ فى إضافة الرتوش اللونية لها، ليست فى نهاية المطاف اختلاقاً من عدم.

 هل يمكن أن يتحمل المسئولية كاملة ناقل الخبر، مهما بالغ فى تصويره وإبراز جوانبه السلبية وتضخيمها، دون الفاعل الأصلى والمجرم الحقيقى؟ هل صنع الإعلام الغربى كل هذا الجنون والحماقات التى تمارسها «طالبان» ضد المرأة والفنون باسم «الإسلام»؟هذا عن الإعلام الغربى، فإذا انتقلنا للسياسة، فعلينا أن ندرك أن النظرة السياسية الأوربية للإسلام تختلف من بلد إلى بلد، خاصة فى سياق تزايد أعداد المهاجرين المسلمين، لأسباب متباينة فى بلدان أوربا. هناك «مخاوف»، بعضها مشروع وبعضها مبالغ فيه (فرنسا وألمانيا على سبيل المثال)، كما هناك محاولات للفهم الهادئ والتعامل مع الحقائق (هولندا وإنجلترا مؤخراً). أما النظرة الأكاديمية فى المؤسسات والجامعات الأوربية فهى فى مجملها تقدم خدمة للإسلام وتاريخه وتراثه تستحق لا التقدير والاحترام فقط، بل تستدعى التعاون بإرسال المبعوثين وتبادل الأساتذة.

هل أقول إن مؤسساتنا العلمية تحتاج فى مجال الدراسات الإسلامية إلى أن تعود إلى تقاليدها فى بداية هذا القرن، الذى شهد تفاعلاً أنتج لنا علماء من طراز «مصطفى عبد الرازق»، و«أمين الخولى» و«شلتوت» و«دراز» و«عبد الحليم محمود»، وهو القرن الذى شهد ترجمات لأهم أعمال المستشرقين فى مجال الدراسات الإسلامية، فضلاً عن مشروع ترجمة «الموسوعة الإسلامية». عما قريب ستصدر «الموسوعة القرآنية» أيضاً، وفى مجلس تحريرها ثلاثة من المتخصصين العرب، منهم كاتب هذه السطور، فهل تُترجم أم تُهمل كما أهملت الطبعة الحديثة من «الموسوعة الإسلامية» التى وصلت إلى حرف T فى مجلدها العاشر؟ليس معنى ما أقول إن «التعصب»، الذى حلله تحليلاً علمياً رصيناً «إدوارد سعيد» فى كتبه العديدة، قد صار من تراث الماضى. فمايزال التعصب يحتل مساحات فى المؤسسات الأكاديمية والإعلامية وفى دوائر صنع القرار. لكن علينا أن نقرر بشجاعة أن «التعصب» سمة مشتركة بيننا وبينهم. على المستوى الفكرى دافع رجال الدين عندنا ـ الإسلامى والمسيحى معاً ـ عن الاضطهاد الذى تعرض له المفكر الفرنسى «روجيه جارودى» حيث حاكمته المحاكم الفرنسية بسبب كتاب أصدره.

إزاء هذه المحاكمة نهض رجال الدين عندنا دفاعاً عن حرية الفكر والتعبير، والمفارقة أنهم فى أحسن أحوالهم صامتون صمت الموت إذا كان مثل ذلك يحدث عندنا. نفس المفارقة لمستها هنا فى الدوائر الأكاديمية الغربية، صمت غير حكيم إزاء محاكمة «جارودى» وصخب غير عادى إزاء «مصادرة» كتاب أو أغنية أو محاكمة كاتب فى العالم الإسلامى. وحين اقترحت على الزملاء فى «جامعة ليدن» أن تقوم بتنظيم «ندوة حوار» ندعو إليها كلاً من «جارودى» و«إدوارد سعيد» وأحد حاخامات اليهود الهولنديين لم يجد اقتراحى آذاناً مصغية. همس بعض الزملاء أن ذلك قد يحدث رد فعل شعبى جماهيرى لا تحتمل عواقبه ضد الجامعة. لم أتردد أن أقول: عليكم إذن أن تتواضعوا فى الادعاء بأن «الحرية» الأكاديمية فى الغرب أحسن حالاً منها فى العالم الإسلامى.ومن واجبى أيضاً أن أنبه من خلال منبركم هذا أن نقد الغرب لا يجب أبداً أن يكون تكئة لتبرئة الذات وتمجيدها تمجيداً زائفاً، كما هو الحال فى خطابنا الإعلامى. واسمحوا لى أن أختم مشاركتى ـ التى طالت أكثر مما أريد ـ ببيان ما أتصوره أهمية أن تتصدى الأديان جميعاً لمواجهة خطر الدين الجديد المسمى «عولمة»:إن وصف قوانين السوق فى إطار «العولمة» بأنها قوانين يفرضها إله جديد اسمه «السوق» ليس مجرد تعبير مجازى من صياغتى الشخصية، بقدر ما هو «وصف» كاشف للمستور والمسكوت عنه فى خطاب «العولمة» السياسى والثقافى. فى الخطاب السياسى بشرّنا البعض ـ أعنى «فوكوياما» ـ بنهاية التاريخ وانتهاء عصر الأيديولوجيات.

 ومفهوم «نهاية التاريخ» مفهوم دينى بامتياز؛ بمعنى أن كل الأديان فى مرحلة انبثاقها على الأقل تنطلق من الزعم بأنها البشارة الأخيرة بخلاص البشر من عذابهم ومعاناتهم. هكذا يبشرنا «فوكوياما» أن التاريخ قد وصل إلى رحلته الأخيرة واستقر، ولم يعد أمام البشر ـ كل البشر ـ من سبيل إلا الراحة فى جنة «الرأسمالية» والتمتع بنعيم «الديموقراطية» على النمط «الأمريكى». لكن بشارة «فوكوياما» ظلت فى إطار «الأيديولوجيا» ولم ترق أبداً إلى مستوى «اليوتوبيا» الدينية، وما يرتبط بها من مفاهيم مثل اقتراب يوم «الدينونة والحساب»، الذى فيه يتحقق العدل المطلق تعويضاً لمن أصابهم الضيم والظلم فى هذه الحياة. ليس فى دين «العولمة» تعويض قادم فى عالم آخر، ليس فيه أى عزاء ولو محتملاً للضعفاء والمنكسرين. ولأن «الأيديولوجيا» لا تكف عن إعادة إنتاج نفسها فقد تطورت «بشارة» فوكوياما، التى تبدو على السطح متفائلة، إلى «نبوءة» سوداوية متشائمة عند «هنتنجتون» فى مفهوم «صراع الحضارات».

 لكن أية حضارات تلك التى تنبأ «هنتنجتون» أن الصراع بينها سيكون سمة القرن الحادى والعشرين؟ إنها كل الحضارات القديمة التى حلت محلها حضارة «الغرب» الحديثة، إنها حضارات «آسيا» ـ الصين واليابان على وجه الخصوص ـ و«إفريقيا» و«الإسلام» تحديداً. لم يقل «هنتنجتون» شيئاً عن «الأصولية المسيحية» فى أمريكا نفسها، ولم يذكر كلمة واحدة عن «الأصولية اليهودية» فى «إسرائيل»، وكلتا الأصوليتين تستعيدان بهاءهما ومجدهما فى عداء واضح لقيم «الحداثة» وعلمانيتها. لم يذكر «هنتنجتون» شيئاً من تفاصيل المشهد؛ لأنه كان مشغولاً بأمر واحد محدد: خلق عدو «جديد»، يحل محل «الشيطان الأحمر»، ولىكن «العدو الجديد» شيطاناً «أصفر» أو «أخضر» أو شيطاناً بلا لون، فالمهم أن يقوم «الشيطان» بدور «القناع» الدينى لإبراز وجه «المُخلص»  الأمريكى خصوصا و«الغربى» على وجه العموم.هكذا تطرح «العولمة» نفسها سياسياً وثقافياً وحضارياً بوصفها «الدين» الأخير، الدين الذى يمثل فيه «السوق» وشريعته الإله الجديد المسلح بأداة «القوة» التى لا تُقهر أبداً، ويستحيل على البشر مقاومتها أو التفكير ـ مجرد التفكير ـ فى التصدى لجبروتها. إنها قوة قادرة على كل شىء، فسلاحها المال والعلم والسلاح، إنها القوة التى تنتهك بسهولة فائقة كل الخصوصيات.

 أدوات هذا الدين للسيطرة هى «حرية التجارة وتدفق المعلومات»، ومواعظه هى: «الديموقراطية» و«حقوق الإنسان» على المقاس الغربى الأمريكى بصفة خاصة. أليس من الطبيعى، وقد صارت «العولمة» ديناً، أن يسعى البشر لمقاومة هذا «الدين» الجديد، والتصدى للاهوته المضمر، باستدعاء «الدين» فى كل الثقافات بلا اسثتناء، حتى داخل المجتمعات التى صنعت «الحداثة»؟ أليست الأديان التى جربتها البشرية خيراً ألف مرة من هذا الدين الجديد، دين العولمة؟ إن «آلهة» الأديان التى عرفتها البشرية على امتداد تاريخها الطويل ليست فى قسوة وفظاظة إله «العولمة» ـ السوق ـ لأنها على الأقل تجمع بين صفات القوة والقسوة و«الجلال» من جهة، وبين صفات «الجمال» والرحمة من جهة أخرى. وعلى العكس من ذلك ليس فى صفات إله العولمة جمال أو رحمة، إنه إله قُدّ من قوانين صارمة صنعها الأقوياء، إنه تجسيد سياسى واجتماعى واقتصادى وثقافى لأسطورة مصاص الدماء «دراكيولا» مع فارق أساسى أن مصاص الدماء فى الأسطورة لا ينشط إلا ليلاً ليتصيد ضحاياه، بينما إله العولمة نَشِط أبداً على مدى الأربع والعشرين ساعة «الكونية»، حيث لا تمييز بين ليل أو نهار أو بين نوم أو يقظة. فارق أخير لابد من الإشارة إليه بين إله الأسطورة ـ مصاص الدماء ـ وبين مصاص الدماء العينى «إله السوق».

 كان مجرد تركيز حزمة من الضوء أو رفع علامة «الصليب» كافياً لدفع مصاص الدماء فى الأسطورة للهرب. ولم يكن قتله يحتاج لأكثر من دق وتد خشبى فى صدره. مصاص «العولمة» على الجانب الآخر، لا تخيفه كل أضواء العالم ولا تصيبه كل الصلبان بدوار ولو خفيفاً.لقد استوعب مصاص الدماء الجديد تجربة سلفه فى الأسطورة، فصار هو صانع الأنوار ومنتج الصلبان فكيف يخاف منها؟ أكثر من ذلك أنه ـ إله العولمة ـ مثل سلفه قادر على إعادة إنتاج نفسه فى أشكال وصيغ وملامح لا تخلو من جاذبية.

 إنه «شيطان» لا تؤثر فيه التراتيل ولا عبارات الاستعاذة ولا الآيات القرآنية. وهكذا تصبح دعوات «العودة إلى الدين» فى كل الثقافات ـ مسيحية ويهودية وإسلامية وبوذية وكونفوشيوسية.. إلخ ـ أشبه بمحاولات استخدام «الصليب» أو تلاوة «التعاويذ» لمقاومة شر الشيطان الجديد، إله العولمة. إنها أسلحة قديمة تحصّن الإله الجدىد ضدها مستوعباً إياها فى بنية لاهوته. ليس معنى ذلك أنه لا سبيل لمناجزة الشيطان بأسلحة دينية، بل إن سبيل المنازلة الممكن لا يكفى فيه استخدام الأسلحة الدينية التقليدية، بل لابد من شحذ أسلحة دينية لم يتحصن ضدها إله «العولمة» بعد.لا ينبغى أن ننخدع بالتطابق الذى سرّبه «هنتنجتون» فى خطابه بين «الأديان» و«الحضارات»، فجعل من كل «دين» حضارة مستقلة متميزة، بهدف إبراز حضارة الغرب، لا بوصفها بناء تركيبياً للحضارات الإنسانية، ومجرد محطة من محطاتها. أراد «هنتنجتون» أن يجعل من حضارة الغرب «نهاية التاريخ»، وأراد أن يجعل من «الثقافات» و«الأديان ـ التى أصر على اعتبارها حضارات ـ خطراً على الإنسانية.

وحين استبعد من تحليله الأصوليتين المسيحية واليهودية من دائرة «الأديان» الخطرة كشف عن «الأيديولوجيا» الدينية المقنعة بقناع سياسى. لا يختلف خطاب «هنتنجتون» هنا عن خطاب المتعصبين المسلمين إلا فى بنيته السطحية فقط.ماذا عن خطاب الكنيسة المسيحية الغربية ممثلة فى «الفاتيكان»؟ وإلى أى مدى يعتبر خطاب الفاتيكان الدينى صدى لخطاب «العولمة» السياسى الثقافى؟ من اللافت للنظر والجدير بالإشارة أن «الفاتيكان» رغم اعترافه منذ الستينيات فى وثائقه البابوية الرسمية بالإسلام ديناً إلهياً، فإن الاعتراف بنبوة «محمد» أمر غائب تماماً، لا يكاد اسم «محمد» عليه السلام يُذكر فى الوثائق الرسمية للفاتيكان ولا فى الخطب البابوية الكثيرة. تعترف «المسيحية» باليهودية وتعترف بالقطع بنبوة «موسى» عليه السلام، وهذا أمر تفرضه حقائق التاريخ الدينى.

 ومن الطبيعى كذلك وقد اندمجت التوراة والأناجيل فى بنية «الكتاب المقدس» أن تصبح اليهودية جزءاً من التراث المسيحى. وهو «اندماج» من طرف واحد، أى أن اليهودية لا تقر بالمسيحية ديناً ولا تعترف بنبوة عيسى عليه السلام. «الإسلام» هو الدين الجامع، أى الدين الذى لا يستبعد أياً من اليهودية أو المسيحية، ويقر بنبوة «موسى» و«عيسى» عليهما السلام ويعتبر الاعتراف بهما وتوقيرهما واجباً دينياً على كل فرد مسلم. لنعترف إذن أن الدافع ليس تسامح المسلمين بقدر ما هو حقيقة أن الإسلام هو الدين التالى زمانياً، وهم «خاتم» الأديان.ورغم كل الصياغات النبيلة لحوار الأديان وحوار الحضارات، فعلينا من منظور لاهوتى/سياسى ألا نتوقع من «الفاتيكان» أن يتعامل مع «الإسلام» كما يتعامل مع «اليهودية»، ولا يجب أن تصيبنا حالة من «الفزع» حين يعتذر الفاتيكان لليهود عن الاضطهاد الذى أصابهم ولا يعتذر للمسلمين عن جرائم «الحروب الصليبية». إن الاعتراف الكامل بالإسلام ديناً وبمحمد عليه السلام نبياً يهدم البناء اللاهوتى للكنيسة من أساسه، هذا هو السبب «الكامن» وراء ما يبدو انحيازاً غير مفهوم ضد الإسلام والمسلمين.

 لكن علينا ألا نفصل «اللاهوت» عن السياسة والاقتصاد، أى عن التاريخ والمصالح. من منطلق هذا التاريخ وعلى أرض المصالح أمكن للفاتيكان أن يميز بين يهود اليوم ويهود «الناصرة» زمن المسيح عليه السلام، فبرأ يهود «اليوم» من دم المسيح عليه السلام وأصدر وثيقته بذلك. لكنه ومن على أرض المصالح، التى تجمع تاريخ الكنيسة والفاتيكان بتاريخ الاستعمار منذ القرن الثامن عشر، لم يفصل بين يهود «اليوم» ويهود التاريخ، فأصبح الحق التاريخى لليهود فى فلسطين عامة وفى «القدس» خاصة قضية مسلماً بها. هل نطالب «الفاتيكان» بالاتساق مع نفسه، فإما أن يُلغى وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح، وإما أن يُعلن أن يهود اليوم ـ الذين لم يقتلوا المسيح ـ لا حق تاريخىاً لهم ولا حق سياسىاً ولا دينىاً لا فى فلسطين ولا فى القدس؟هل يمكن الآن أن نفهم أن للانحياز ضد المسلمين والعرب أسباباً أعمق من مجرد «الخوف من الإسلام»؟ وهل آن الأوان أن ندرك أن «الفزع من الإسلام» حالة منشؤها العالم الإسلامى فى ارتباكه التاريخى، لكنها حالة أعطت مبرراً ليصوغ الغرب السياسى والإعلامى من خلال النفخ فيها بالتهويل والمبالغة أيديولوجية لتمرير دين «العولمة» بمباركة الكنيسة والفاتيكان. فى هذا الدين الجديد تحتل المسيحية الصهيونية موقعاً ممتازاً.

 وفى القلب من هذا الموقع تصبح الدولة الصهيونية ـ دولة الاستعمار الاستيطانى ـ طفل العالم المدلل. هل يصلح إسلام الأحكام العسكرية ـ إسلام قانون العقوبات «والحدود» ومطاردة العقل واضطهاد المرأة والخوف من التساؤل ـ لمواجهة تلك الأخطار؟ سؤال لابد من طرحه فى نهاية مداخلتى. أرجو لكم التوفيق والنجاح من أعماق قلبى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.     هامش:

* نص الورقة التى قدمها الكاتب للمؤتمر الدولى الرابع لحركة حقوق الإنسان فى العالم العربى 19 ـ 22 يوليو 2001 بعنوان: الفزع من الإسلام.. الحقيقة والأيديولوجيا».  

  

 








تابع

Get every new post delivered to your Inbox.