ملف جريدة القاهرة عن علي مبروك 20 مارس 2017م

26 03 2018
Advertisements




نحو بنية تحتية للبحث علي مبروك كمثال بقلم جمال عمر

26 03 2018

نحو بنية تحتية للبحث

علي مبروك كمثال

            لماذا غاب حضور الإنسان الفاعل وغاب التاريخ، كعملية تفاعل جدلية، من حياتنا، في تجربتنا التراثية؟ هذا السؤال بشقيه، أثاره حسن حنفي (مولود ١٩٣٥م) في دراستين له ضمنهما في كتابه دراسات إسلامية، ويقف تلميذه علي مبروك (١٩٥٨ – ٢٠١٦)م متأملا، في إجابة أستاذه، وفي إجابات أخرى في الفكر العربي المعاصر. عليه. ولكن علي أضاف جانب آخر على السؤال و هو أن هذا الغياب ليس في تجربتنا التراثية فقط بل وتجربتنا الحداثوية في القرنين الماضيين. فالفاعل في حياتنا هو الله، القاهر فوق عباده. الفاعل في حياتنا السلطان بسيفه و ذهبه، و وريثه الحديث والمعاصر؛ الحاكم الفرد الصمد. الفاعل في حياتنا القوى الخارجية مباشرة أو عبر نظريات المؤامرة. تاريخنا مُفتت، متناثر، قطع بجوار بعضها، لحظات زمن متجاورة غير متفاعلة أو متواصلة، أجزاء مُجزأة. فحاول علي مبروك خلال أطروحته للماجستير، التعامل مع شق غياب الإنسان،في تراثنا. عبر دراسة، مبحث “النبوة في علم العقائد”، المحاولة التي حاول فيها إعادة بناء علم العقائد، من خلال أحد مفاهيمه عبر دراسة أنثروبولوجية بمنهج بنيوي، والتي تحتاج إلى التوقف أمامها بدقة في المستقبل تحليلاً ودراسة، ومقارنتها بجهد أستاذه، في مجلداته الخمسة:”من العقيدة إلى الثورة”، ربما استطاع علي في كتاب لم يبلغ ٣٠٠ صفحة ما لم يستطعه أستاذه في كتاب من خمس مجلدات ٣٠٠٠ صفحة، مما يستحق الدراسة.

قامت مقاومة ضد تسجيل أطروحة علي مبروك للماجستير بالكلية في بدايات الثمانينيات. وأثناء مناقشتها من لجنة المناقشة، نقاش كاد يعصف بالرسالة وبعلي مبروك ذاته من الجامعة سنة ثمانية وثمانين من القرن العشرين. الرسالة التي  نُشرت فيما بعد، في كتاب، عام ثلاثة وتسعين:”النبوة من علم العقائد الى فلسفة التاريخ محاولة في إعادة بناء العقائد”. وفي أطروحته للدكتوراه التي واجهت مشكلة تسجيلها في قسم الفلسفة بكلية آداب القاهرة أيضا. تناول علي الشق الخاص بغياب التاريخ كعملية جدلية، من حياتنا الثقافية، غياب تصور للتاريخ في ثقافتنا؛ يمكن أن يصل بنا إلى نشوء فلسفة للتاريخ في فكرنا المعاصر، فتناول علي مبحث الإمامة في علم العقائد. العلم الذي يتبنى علي مبروك رأي أستاذه حسن حنفي أنه شكل العقل الذي ساد الوعي عند غالبية المسلمين. العقل الذي تمدد في بقية منظومات علوم المسلمين، بعد ذلك، من علوم لغة وبلاغة وعلوم فقه، وأصول فقه، وتفسير، وحديث، وتصوف، وسياسة شرعية. وأطروحة علي مبروك لم تأخذ حقها من الدراسة بعد لا أثناء مناقشتها من قِبل لجنة المناقشة سنة خمسة وتسعين. ولا الآن. وقد نُشرت عام ألفين وأربعة بعنوان:”عن الإمامة والسياسة والخطاب التاريخي في علم العقائد”. لتستمر بعدها حرب عشرين عاما، ضد ترقية علي إلى أستاذ مساعد ثم أستاذ، بقسم الفلسفة بآداب القاهرة. حرب نتيجتها ألا تتكون مدرسة نقدية في دراسة التراث الفكري عند المسلمين، مدرسة تخرج من أسر الدفاع عن مذهب في العقيدة. كنقطة انطلاق لأطروحاتها. دراسة علمية، نقدية، مقارنة، سواء في قسم اللغة العربية، أو في قسم الفلسفة، وعدم الإكتفاء بالترديد و الإجترار، وإعادة إنتاج القديم إحتماءا، مدرسة تتعامل مع التراث كموضوع للدرس فنمتلكه فهما. و لا نكتفي أن نكون أسرى له، فتتلاعب بنا الأهواء و النوازل.

لقد أخذ علي مبروك خمسة عشرة عاما منذ سنة ثلاثة وتسعين وحتى ألفين وثمانية، في محاولة كشف جوانب أزمة العقل السائد في الثقافة العربية وضمنيا في عوالم المسلمين، في تعاملهم مع الحداثة خلال القرنين الماضيين. عبر عملية النقل، نقل النموذج الجاهز. سواء ممن ينقل النموذج الكامل الجاهز في الغرب، أو من ينقل النموذج الكامل الجاهز من السلف. وكيف أن هذا العقل الذي يقوم على النقل و عبر آلية التجاور بين المتباينات. هو قائم على أسس العقل الذي ساد التراث، عقل التفكير عبر أصل سابق، مُطلق. وسعى علي للكشف عن آليات عمل هذا العقل، وجذوره البشرية، السياسية،و التاريخية، التي حاول أن يُخفيها هذا العقل عبر عمليات من التعالي والأطلقة. فيحول مُنتجاته الأيديولوجية والتاريخية، إلى عقائد غير قابلة لإعادة التفكير فيها. وفي سبيل ذلك ركز علي مبروك على الخطاب الأشعري، كنقطة دم تحت ميكروسكوب، بتحليلها تمكننا من كشف كل أمراض الجسم. وكذلك تمكننا من كشف تخفي هذا الخطاب الأشعري ومراوغاته، عبر إبراز، أنه كان إجابة ضمن إجابات أخرى، بإبراز إجابة أخرى هي إجابة الخطاب المعتزلي حول نفس القضايا.

بين التجربة التراثية ونقدها من خلال الخطاب الأشعري، والتجربة الحديثة، من خلال نقد عملية التحديث او مشروع النهضة وإخفاقاته خلال القرنين، ظل بندول علي مبروك يعمل، رغم الحصار الذي عانى منه داخل الجامعة، أو من التغيرات التي شهدها المجتمع المصري. حتى عام ألفين و ثمانية، وتحت تأثير نصر أبوزيد (١٩٤٣ – ٢٠١٠)م ، الذي كان علي يقاوم تأثيره عليه ويتنكر لأستاذيته له من قبل، وكانت ثورة خمسة وعشرين يناير بمصر، هي نقطة خروج علي مبروك من أسر أسوار الجامعة، سواء عبر مقاله بجريدة الأهرام أو عبر التواجد صوت وصورة على النت. لينجذب علي مبروك للعمل علي القرآن وعلى الشريعة. وعن التصورات العقائدية حولهما وعدم الإكتفاء بقضايا تفكيك الخطاب الأشعري من خلال علم العقائد، وكشف جوانب تكبيله للثقافة المعاصرة عبر تأسيس التقديس، أو عبر تأسيس الاستبداد. فكتب :” نصوص حول القرآن” يفكك فيه فكرتي قدم القرآن، وفكرة شمولية القرآن، اللذان تقوم عليهما فكرة سلطة النص. وكذلك كتاب له عن الشريعة انتهى منه قبل أن يترك دنيانا وقبل أن يذهب الكتاب لمكينات الطبع؛ يحلل فيه تاريخية مفهوم الشريعة، قديما وحديثا، والفرق بين المفهوم القرآني للشريعة و المفهوم الفقهي لها، الذي تشكل عبر التاريخ . والمسافة الفاصلة بين المفهومين.

إن خطاب علي مبروك يحتاج إلى دراسة نقدية شاملة تضعه في سياق الفكر العربي الحديث، وفي سياق التجربة التراثية عند المسلمين في علمي العقائد وأصول الفقه. وكيف تمكن نصر أبوزيد وعلي مبروك إستيعاب و تجاوز أستاذهما حسن حنفي، عبر نقده. ونحتاج إلى أن نتعامل نقديا مع مفهوم علي مبروك “للبنية”، التي تحولت عنده إلى ما يشبه السجن، الذي لا فكاك منه. ولكي يتم هذا مهم أن يُواجَه تغييب الإنسان الفاعل، ويواجه تغييب التاريخ كتفاعل جدلي، من ثقافتنا، ليس فقط عبر جهود الدرس العلمي، لكشف جذور ذلك التغييب في التراث، وكشف التحيزات الأيديولوجية التي سادت وأسباب وعوامل سيادتها، كما فعل علي مبروك خلال حياته الأكاديمية. بل علينا أيضا مقاومة التفتيت، بخلق بنية تحتية، للنظرة الكلية للأمور. ومثال لها هو تعاملنا مع خطاب علي مبروك ذاته. فمهم لكي يستطيع باحث دراسة خطابه، دراسة دقيقة، تضعه في سياقه الثقافي والمعرفي، أن تتوفر لهذا الباحث قوائم مُرتبة تاريخيا لنتاجه الفكري، كخطوة أتصورها مهمة، فلا نكتفي بالاجتزاء والابتسار. وندرك الفكر كفاعلية وكجدل حي بين المفكر وثقافته؛ تراثية و حداثية، واستجابة لمشكلات مجتمعه وهمومه. فالخطاب لا يعيش في فراغ، بل هو تكوين حي مُتحرك، يتشَكل من الواقع وبه، و أحيانا يُشكل في الواقع ويُعيد توجيهه أيضا. من هنا أرى أهمية توفير سجل مبدأي لكتب علي مبروك، وأوراقه البحثية ومقالاته مُرتبة تاريخيا حسب تواريخ نشرها، وحواراته الصحفية المنشورة. وتسجيلاته المصورة فيديو لمحاضرات أو مشاركات تليفزيونية. قائمة تكون نقطة بداية، يُضاف إليها و يُعدَل فيها و يُبنى عليها فيما بعد. نحتاج الى تكوين هذه البُنى التحتية للفكر في ثقافتنا، لنرمم تجاويف و فجوات حياتنا الفكرية، القائمة على الإبتسار والتجزيء والتفتيت، فتظل عمليات التفكير في فكرنا، تبدأ من نقطة صفر، ولا تنتقل مناقشاتنا من مرحلة إلى أخرى، واللاحق لا يبني على من سبقه، بنقده وتجاوزه عبر إستيعابه. فنظل نتجادل تقريبا في نفس القضايا التي كان أجداد لنا يتناقرون حولها منذ قرن مضى، وكأن الزمن راكد لا يتحرك، أو أن جهودنا التفكيرية، صورية، شكلية، قشرية، لا تتحرك قيد سنتيمتر فكري للأمام. فتنتهي من تفكير إلى تكفير، ومن استيعاب وتجاوز إلى مجرد تشويه و إقصاء. فتجاوزنا الفكري لجهود أسلافنا، يكون عبر استيعابهم. وهذا مفقود من حياتنا الثقافية والفكرية، بسبب جذور تراثية من الماضي، هي التي تشكل وعينا المعاصر. ولكن أيضا بسبب عدم توافر قنوات وبُنى تحتية للتفكير في مجتمعاتنا. و لكنه أيضا نتاج عدم توفير سجلات وقوائم للمفكرين و للقضايا والمعارك الفكرية و للمؤلفات. وكأننا نبدأ من جديد مع صباح كل شمس، كأننا نعيش يوم بيوم، بلا ذاكرة. وبعد قائمتي عن خطاب نصر أبو زيد، فها هي قائمتي لخطاب علي مبروك. لعلها تكون خطوة في طريق، وبذرة حية تُنبت. ولعل جامعاتنا ومراكزنا البحثية تأخذ هذه القوائم وتكون قاعدة معلومات. بحيث يضغط الباحث على اسم المقال فيصل إليه و يضغط على عنوان التسجيل فيصل إليه. بدون البُنى التحتية للتفكير وللبحث، سنظل فئران في متاهة.

والله أعلم

جمال عمر

٣٠ نوفمبر ٢٠١٦م

نُشرت بجريدة القاهرة ٢٠ مارس ٢٠١٧م





تجديد الخطاب الديني في فكر علي مبروك بقلم محمد عبد المعز

26 03 2018

تجديد الخطاب الديني  في فكر علي مبروك

الأزهر وسؤال التجديد ،عنوان آخر كتاب صدر للمفكرالراحل دكتور علي مبروك ، ،والقارئ لعلي مبروك يدرك أنالأزهر وسؤال التجديدليس إلا تجسيدا وتعبيرا عن منهجية ومشروع علي مبروك الفكري ، هذا المشروع لايمكن حصره في محاولة تقديم رؤية تجديدية للخطاب الديني ، بقدر ماهو محاولة لتفكيك الخطاب المشكل للعقل العربي المسلم ، فقد أدرك  مبروك أن وراء العقل العربي والإسلامي خطابا ساهم في تشكيله ، ومكونا لتصوراته المعرفية والثقافية والحضارية ،يرى مبروك أنه العائق أمام أية نهضة أوتقدم منشود لأمتنا العربية الإسلامية ، ومن ثم فإن أية دعوة لتجديد الخطاب الديني ، يجب ألا تنطلق من داخل بنية الخطاب ذاته ، بل لابد من تفكيك وهدم هذا الخطاب من أساسه ، وإحلال خطاب آخر جديد محل الخطاب السائد ؛ إذ إن الإشكال في الخطاب الديني السائد ( الأشعري/الشافعي) عند مبروك هو تحويل المنظومة الخبرية إلى سلطة لها سلطة الوحي ، وتحويل الآراء الفقهية إلى قوة إلزام مطلقة ، ومن ثم فإن فعل التجديد ينبغي أن يسعى إلى تفكيك الكيفية التي أصبحت معها المنظومة الخبرية أصلا كالوحي ،بل الإشكال يكمن أيضا في التعامل مع الوحي على أنه سلطة يجب الخضوع لها ، وليس مجرد نقطة بدء ينطلق منها الإنسان إلى فهم العالم والتأثير فيه  .

ومن هنا ندرك رفض كل محاولة للتجديد من داخل بنية الخطاب الديني السائد (الأشعري/الشافعي) ذاته ، فإن محاولات الأزهر الشريف لتجديد الخطاب الديني ، وتطوير علومه ومناهجه ، هي في الأساس محاولات ترميم لبناء راسخ ومستقر، وليست محاولة لبناء نظام جديد قائم علي العقل ،تتوافر فيه الشروط اللازمة لإنجاز التجديد .

لكن لنتساءل من جانبنا عن النظام الذي  يريد مبروك إحلاله محل الخطاب الديني السائد ، أهو النظام الشيعي الذي كان مسيطرا في الأزهر  قبل النظام الأشعري ،والقائم على تكريس الاستبداد السياسي بالتعيينفكرة النص علي تعيين الإمامأم النظام السلفي الحنبلي القائم علىالنصيةوالمستبعد لدور العقل تماما  في أية عملية معرفية أو اجتهادية ، أم النظام المعتزلي القائم على العقل والفاعلية المطلقة  للإنسان ؟

إن مبروك يرفض التفكير بالأصل أو التفكير وفقا لنموذج ، لأن التفكير بالأصل يعوق التفكير الإبداعي الحر ، وهذا يقتضي أن النظام الذي ينشده مبروك هو التفكير باللاأصل ، نظام عقلى حر لا يستمد مقولاته ، ولا مسلماته أو افتراضاته المعرفية الجديدة  من أي نموذج سابق . بنية ذاتية جديدة  لنظام معرفي جديد ، لكن في واقع الحال والمتتبع لمشروع مبروك الفكري ، يكتشف أن الدعوة إلى التفكير بلا أصل هي دعوة خادعة ومغالطة مقصودة لإحلال نظام محل نظام آخر ، فالمنهج التفكيكي في فكرمبروك لايهدف لهدم وتفكيك بنية خطاب ، لأجل التفكير بلا خطاب ،وإنما من إجل إحلال خطاب محل خطاب  ،  فلا يوجد نظام عقلي بدون محددات تشكل بنيته التكوينية ، وإلا أصبحنا نفكر في اللا تفكير ،أو نبني نظاما عقليا من محض العدم . حتى لو افترضنا محاولة بناء نظام عقلي جديد فلا يمكن بناؤه على غير مثال سابق ، بل لابد أن يستمد مكوناته من أسس عقلية سابقة ، أي لابد له من أصل ينطلق منه ، و الواقع أن  مبروك يهدف من التفكيك إحلال النظام العقلي الحداثي العلماني  المعتزلي  قديمامحل النظام الأشعري السائد ، إذ المقصود بالتفكير خارج الأصل عنده  هو التفكير خارج المنظومة الفقهية (الشافعية الأشعرية) التي اعتادت أن ترد الفروع إلى أصولها الفقهية ، ففكرة الأصل هي نتاج العقل الفقهي الشافعي  ؛ لأنه يفكر بثنائية الأصل والفرع ، ومن ثم يجبحسب تصور مبروك  التحرر من سطوة التفكير بالأصل المشكل لثقافتنا العربية ، لذلك أتت محاولته لتفكيك الفكرة المهيمنة على الخطاب الأشعري وهي فكرةالمطلق /الأصلليحل محلهاالنسبي أو المتعين / الفرعفالهدف  إحلال النسبي محل المطلق ، أو الإنسان محل الله ، لأن فكرة الإطلاقية  أو المقدس في الخطاب الأشعري حسب مشروع مبروك أدت إلى إقصاء الإنسان ، وجعلته فرعا يرد إلى أصل ، وحولت فعل الإنسان  إلى مجرد كسب وقصد وليس فعلا حقيقيا ، نابعا من إرادته ، بخلاف النظام العقلي  المعتزلي  القائم على الحرية والعدل الذي يضع الإنسان في علاقة أفقية مع الله وليس في علاقة رأسية مهيمنة من أعلى إلى أسفل ، يجعل الإنسان مركزا بدلا من شبح ، فاعلا مؤثرا ،بدلا من كونهأداةلقوة مفارقة أقوى تسيطر عليه على المستوى الوجودي والمعرفي  ، ومن هنا أيضا ندرك كيف ربط مبروك فكرة الاستبداد السياسي بالخطاب الأشعري ، من أجل زحزحة هذا الخطاب ، وإحلال نظامه العقلي الحداثي ، متغافلا أن النظام العقلي قديما الذي كان يتغنى بمقولةالجبر عقيدة أمويةفرض هو نفسه  عقيدةخلق القرآنعلى العلماء والعامة بقوة الدولة ، وتتبع معارضيها بالقتل والحبس والجلد وقطع الأرزاق في عهد المأمون وما محنة ابن حنبل ببعيد، ثم إننا لاندري كيف اعتبر مبروك  التفكير بالأصل والفرع في المنظومة الفقهية دلالة على الجمود وتوقف العقل عن الإبداع ، مع إنها تدل دلالة قاطعة علي المنهجية العلمية ، والتفكير العلمي للعقل المسلم ، قبل ظهور المنهج العلمي عند علماء الحداثة والتنوير ، إذ رد الفرع للأصل في المنظومة الفقهية الشافعية الأشعرية ، ليس ردا صوريا استنباطيا على النسق الأرسطي ،بل ردا استقرائيا تجريبيا قائما على البحث في العلة بعد سبرها وتقسيمها ، وهي عملية تجريبية استقرائية خالصة تقوم على الاختبار والتجريب والحصر للأوصاف ، وهذا يعني أن العقل الشافعي الأشعري قد ابتكر المنهج العلمي التجريبي الذي يسعى مبروك لتفكيكه من أجل إقامة نظام قائم على المنهج العلمي التجريبي.

د 0محمد عبدالمعز ابراهيم

دكتوارة في الفلسفة الإسلاميةمدرس بالأزهر الشريف





المنهجية الافتراضية عند علي مبروك بقلم كريم الصياد

26 03 2018

المنهجية الافتراضية عند علي مبروك

كريم الصياد

شاعر مصري، مدرس مساعد بقسم الفلسفة ج القاهرة، يعد حاليًا أطروحة الدكتوراه بألمانيا الاتحادية

الروح التي ظلت تبحث عن جسد، ثم لم تجده حتى ارتفعت إلى السماءهذه ربما العبارة التي تلخّص من وجهة نظري شخصيةَ (على مبروك)، في سياق نشاطه الفلسفي والثقافي والمهني داخل وخارج أسوار الجامعة. كانت الروح هي الطاقة والنشاط البالغان اللذان تمتع بهما، وكان الجسد، الذي لم يعثر عليه ربما، هو المنهج المحكَم والإبداع الفلسفي الأصيل. طغى علَى (مبروك) النشاطُ الثقافي، بين الندوات والمقالات والصالونات الثقافية والسياسية والكتب والأبحاث والمشاركات في مؤتمرات دولية وإقليمية ومحلية، بشكل يستحق أن يُتَّخَذ نموذجًا في المشاركة والإيجابية، لكن ذلك كله جاء على حساب الإحكام المنهجي والإبداع الفلسفي. استعمل مبروك فروضًا من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، اختبارها منهجيًا: كافتراض أن تحول الأشعري من الاعتزال إلى بناء مذهب كلامي خاص به كان نتيجة تفاعل فرويدي مع عقدة العداء ضد الأبزوج الأمّ شيخ الاعتزال أبي علي الجبائي (مثلاً: ما وراء تأسيس الأصول-ص 140)، رغم أن منهجية التحليل الفرويدي قد مرت بتطويرات كثيرة في موطنها نفسه، ورغم أن أقصى ما يمكن أن يقدمه هذا الطرح مجرد (اقتراح) لفهم تحولات الأشعري، لا يرقى إلى درجة الموضوعية، التي يتطلبها البحث العلمي، ذلك دون تأسيس مشروع منهجي يعتمد منهج التحليل النفسي بصورته الفرويدية أو بصوره غير الفرويدية. فغاب سؤال المنهج، وحضر التطبيق السريع النشط. بالطريقة نفسها افترض مبروك أن ما يقبع وراء أصول الشافعي كعامل مؤسِّس هو عامل النسب في إطار اجتماعي قبَلي (ما وراء تأسيس الأصولص 81-82)، دون برهنة كافية على وجاهة هذا الفرض. فجاءت الفروض جديدة، وكثيرة، ولكن دون إركاز كافٍ للمنهجية.

وفي حضور علي مبروك نوقش أشهر كتبه ربماالخطاب السياسي الأشعريبالسيمنار الشهري لقسم الفلسفة عام 2007، وقد تقدمتُ بمناقشة مختصرَة للعمل، وقلتُ أنه يقوم على ربط ما لا يرتبط: اللا حتمية في الطبيعيات مقابل ثيوقراطية أو شمولية الدولة؛ فاللا حتمية قائمة اليوم في العلم الطبيعي، وهي وجهة النظر الأكثر قبولاً حاليًا بين علماء المنهجية، دون تعارض مع الديمقراطية، كما أن الحتمية نشأت وانتشرت أيضًا في دول ومن خلال دعاوَى ديكتاتورية في جوهرها مثل فلسفة هوبز السياسية، الذي كان ماديًا حتميًا. وقد دافع خصوم الأشاعرة (المعتزلة) كذلك عن دولتهم، كما فعل الإسماعيلية والاثنا عشرية والصوفية وغيرهم، وكما سيفعل دومًا مثقف السلطة. واليوم يمارس المثقف العلماني في مصر مثلاً في كثير من الأحيان الدور نفسه. فمنطق التبرير نفسه غير قاصر على الأشاعرة ولا مؤسَّس على اللا حتمية في الطبيعيات، وله أسباب تاريخية في علاقة المثقف بالسلطة، وهذا البعد التاريخي سالف الذكر هو مربط الفرس هنا، لأن أي مذهب في الطبيعيات سواءً كان حتميًا أم لاحتميًا قد يتخذ صاحبه موقفًا مع أو ضد السلطة طبقًا لعوامل تاريخية بحتة.

اعتمد مبروك في الأمثلة السابقة، والتي تمثل أهم افتراضاته واجتهاداته في الواقع في علمي الأصول، على مجرد تماثلات عامة، بين العداء للأب والعداء للمذهب، بين افتقاد الأصل القبَلي وتأسيس الأصل الفقهي، بين اللا حتمية في الطبيعة والجبرية في الإلهيات والدكتاتورية في السياسة، دون اكتشاف العلاقات النظرية التي تربط أطراف هذه التماثلات داخل كل ثنائية على حدة، ودون بلورتها وتنظيرها بشكل عِلمي موضوعي، فمن الممكن أن يكون أي من هذه الفروض صحيحًا أو باطلاً بالنسبة نفسها من الصحة والبطلان. فتحول البحث العلمي إلى افتراض احتمالات واحتمال افتراضات. وإلى جانب منهجية المماثلة غير الدقيقة، اعتمد مبروك كذلككما أوضحت في بحث ألقي بحضوره أيضًا عام 2010 بالمعهد السويدي بالإسكندريةعلى إعادة بناء نماذج تاريخية غير حقيقية، اعتمادًا على معارف تاريخية عامة ومصادر غير دقيقة، كإعادة بناء سيكولوجيا الأشعري أو الشافعي، ثم بناء البحث على أساس هذه النماذج المعاد بناؤها، مما يوحد بين الباحث وموضوعه؛ فهو الذي خلق الموضوع من رفات لا تدل في ذاتها على صورة كاملة دقيقة.

إضافةً إلى منهجيتَي علي مبروك سابقتَي الذكر: منهجية المماثلة، منهجية إعادة بناء النماذج التاريخية، واللتين يمكن توحيدهما تحت مسمَّىالمنهجية الافتراضية، شاب عمل على مبروك بصفة عامة النقل عن نصر أبو زيد؛ فمثلاً يمكن لنا على نحو دقيق وصف كتابالخطاب السياسي الأشعريباعتباره مجرد إسهاب لفرضية طرحها فعلاً نصر أبو زيد في (نقد الخطاب الدينيص 81) بصدد (التشابه) بين جبرية الأشاعرة وثيوقراطيتهم. وهي الفكرة الأساسية في كتاب علي مبروك. و(التشابه) ليس برهانًا علميًا، ولا يحل محل البرهان العلمي. إن عدم الدقة المنهجية هذا يدفعنا إلى التساؤل حول موقف علي مبروك من البحث العلمي نفسه، وهو أهم سؤال في سياق مجموع أعماله فيما أرى: هل رأي على مبروك أن البحث العلمي المحايد الموضوعي خرافة، فلم ينشغل بتحقيق الدقة المنهجية قدر انشغاله بتوجيه أكبر كم ممكن من الانتقادات المبتكَرة ضد أصول المناوئ الإسلامي المعاصِر (الأشعري الشافعي)،وبالتاليوقعفيالكمعلىحسابالكيف،وفيالابتكارالذيدفعثمنهمنالدقة؟

كريم الصياد

Köln

22.2.2017





الإنسان المفكر الأستاذ بقلم إسراء إرادة

26 03 2018

                                                الإنسان……المفكر ….الأستاذ

ذلك الطيف الذى أشرق فى طرق الظلمات محدثا زلازل داخل عقول الكثيرين ، ممن سبحوا تجاه تيارات الفكر المستنير، هادما لهرطقات آمنت بها عقول عبر السنين. طيف كان ومضه فى كل عقل ذاق شراره من خيوط فكره الرفيعة التى تسللت بكل مهاره بين ثنايا الوهم الزائفه و المدسوسه داخل كل عقيده.

لقد كان هذا الطيفعلى مبروك“.

ذلك الطيف الذى تسلل ضيه إلى الوجود فى العشرين من أكتوبر عام 1958. في بيئه ريفيه صافيه، نسجت شخصيته بخضارها البكر ، و قننت أوضاع حب الحياه بداخله، ليكون زاهدا فى زخارفها، رغم حبه لها، فتجملت روحه بالخلق الرفيع، و التواضع المبالغ فيه، لدرجه جعلت علاقته بطلابه، علاقات صداقه و أبوه وليست مجرد علاقة طالب بأستاذ، ربما كانت علاقة إحتضان من أب لأبناءه، ربما كان لفراق والده و هو  فى عمر الشهر أثرا فى ذلك، فقرر أن يعطى ما أفتقده بلا حدود و بطاقة حب لا تنقطع.

سكنت روحه مشاعر الرضا التام و التسامح رغم كل ما تعرض له من ظلم و مهاجمه لكتاباته و تأخر فى ترقياته، ولم يكن يرد الإساءه بمثلها لأحد، بل كانقابضا على الجمر متسامحا، بنص تعبير قرينته الكريمه.

كانت محاضراته أشبه بجلسات تفكير مفتوحة، لتندلع مناقشات ليس لها أسقف، وتثار إشكاليات داعيه للبحث و القراءه و التعمق فى بحار قد يتجنب البعض الإقتراب منها، و لكننا أتخذنا السبل للإبحار فى أنهار البحث، فكان دائم الإيمان بضرورة، عودة العقل النقدى للجامعه، وأن الدور المثالى للكليات النظرية، هو بناء عقول نقدية و تحليلية, قادره على بناء مستقبل يتسم بالنضج الفكرى، فكان محارب صارخ ضد العقليه التلقينية التى سيطرت على الجامعات.

و لم ينفصلعلى مبروك، كمفكر عن واقعه العربى المعاصر، بل تشابك معه، وقام بفحص الآليات التى تحكم نضجه و تطوره، و كيف كان لتراث السلف أثر و مآل واضحه، فى ذلك الواقع، فقام بتحليل أيديولوجياته المتصارعه، و الأبعاد المعرفية التى تحكمه و ألقى الضوء على سقوط ذلك الواقع فى موقف حضارى متأزم، سببه غياب واضح لمفهومى (الإنسان) و (التاريخ)، حيث الإكتفاء بالإنبهار بتاريخ الآخر و سرعة دوران عجلاته نحو تيارات الحداثه و ما بعدها، و يقصد بلآخر هنا (الغرب المتقدم بالطبع)، بينما تخلفنا نحن عن اللحاق بمراكب السير السريعه التى سبقتنا بأميال، فلماذا تقدم الغرب و تخلفنا نحن؟! و هذا التساؤل حول الواقع، كان موضوعخطابات النهضه العربيهفى مطلع القرن 19، وظل يطرح نفسه بقوه في مقابل الآخر، فقد يكونالجحيم هو الآخر، كما قال  سارتر فى مسرحيةالجلسه السريه“, وأن الذات تجسد نفسها فى عالم الآخر, كما يذهب هيدجر فى كتابالوجود والزمان، وقد يكون ذلك صحيح تماما فيما يتعلق بالذات العربية، و التى حاولت أن توحد نفسها عبثا فى تاريخ الآخر، إنطلاقا من مجرد التزامن معه فى لحظه زمنيه واحده، وهذا فضلا عن غياب الإنسان تحت لواء السلطه و المجتمع و الأسره، تحت سيطرة السلوك العام، وغياب الفرديه.

وقد رأىمبروكأن حل هذه الأزمه، لن يحدث إلا بتفكيك الثقافه المهيمنه، و بالتالى التراث بإعتباره مكون مركزى من مكونات الثقافه، فقدم مساهمه فى نزع أقنعة التقديس من فوق متون النصوص التراثيه، و تجاوز الشرح (الشروح و الحواشى علي متون الأسلاف) إلى التفسير البنيوى، مؤمنا بأن للنص معنى متجدد يعيش فى قلب التجربة التاريخية، التى تتصف بالضرورة، بأنها متجدده هى الأخرى، فكان يتعامل مع النص على أنهحى، لا يكف عن إنتاج المعانى ما دامت تتغير السياقات التاريخيه و الإجتماعيه من حوله. وهذا فى حد ذاته بمثابة حرب على التيارات السلفيه, التى تتبع الإقصاء و التكفير, وتتسم بالفكر الأحادى، حيث تقديم معنى واحد جامد للنص، فكانمبروكمتمسكا بإعمال العقل فى النصوص، مستخدما المنهج التفكيكى البنائى، محاولا بناء خطاب جديد يضفى علي النص المرونة الكافيه ليتناسب مع التغيرات الطارئه على السياقات التاريخيه و الإجتماعيه فى كل عصر.

هكذا ارتبطعلى مبروكو تشابك مع واقعه العربى، ولم ينفصل عنه، كباحث و مفكر، و إنسان .

و مع الأسف لم نتمهل من إستنشاق المزيد من عبق أفكاره، و المرور فى دهاليز عقله و ممراته المستنيره.

فها هو عام، قد انقضى من بين دقات الزمن الخائن، أبحرت خلاله أنوار خافته، قد أشعل ومضتها فى عقول طلابه، وبعض الباحثين قبل رحيله، ليتركهم بين حيرة السائل، و شغف الباحث، ناهجين نهجه فى البحث و التتبع و النقد و التفكيك و التفكر……..فكما جعلت من النصحى، ستظل أنت حيا فينا !

…….إسراء إراده





علي مبروك وتأسيس دولة ما بعد الثورات العربية بقلم أحمد مصطفى

26 03 2018

علي مبروك وتأسيس دولة ما بعد الثورات العربية

لطالما وصمت ثورات الربيع العربي، بأنها ثورات يتيمة بلا أساس فكري أو مرجعية ثقافية، وأنها أقرب إلى الغضبة الشعبية أو الانتفاضة الجماعية التي تهدف إلى تحسين الأحوال المعيشية أو الاقتصادية حتى وإن تسربلت برداء مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية، وقد كان علي مبروك أحد المؤسسين لهذه المرجعية الفكرية المفقودة،  باعتباره شريك في هذه الثورة وشاهد عيان لما كان قبلها أو ما تمخضت عنه بواكيرها من صراعات أو إنشقاقات تنخر في عضدها وتسلبها حيوتها وحضورها  باعتبارها حدث تاريخي يستحق التوقف والفهم، وقد بدا ما قام به علي مبروك أقرب بما قام به فولتير من تأسيس فكري وثقافي للثورة الفرنسية، طارحا سؤالا لطالما كان السؤال الرئيسي للنهضة العربية/الاسلامية طوال قرنين من الزمان:

لماذانهضالآخرونوتخلفالعرب؟

وقد جعل على مبروك من الاجابة على هذا السؤال أو بالأحرى تجديد البحث فيه، نقطة بداية ملهمة لتأسيس خطاب عربي مغايراَ لما بعد ثورات الربيع، وقادراَ بدوره على إعادة تشكيل دولة الحداثة العربية لتتوافق مع عصرها وعالمها إذا ما توفرت له فرصة الرعاية والاستمرار.

لا ينكر علي مبروك بأن ثمة مشروعا حداثيا عربيا قد تشكل في مصر إبان حكم الباشا محمد علي، وأن خطأَ ما قد حدث وأدى بهذا المشروع إلى مصيره البائس، مما حدى به لتفكيك هذه المرحلة التاريخية وما أسفرت عنه من امتدادات تصل إلى واقعنا وحاضرنا المعاصر، فقد إنقلب محمد علي على من أتوا به ليحكمهم بشروطهم، فإذا به يحكمهم بشروطه، مؤسسا لدولة حداثية تقوم على القوة لا على الحق، وقد ارتبط سؤال النهضة العربية بسؤال آخر، وهو السؤال الذي شغل خواطر من عايشوا هذه المرحلة، السؤال الذي أختزل الحداثة في (السياسي) وابتعد عن أبعاد النهضة الأخرى، فأصبح الميدان السياسي فقط هو الميدان المضطلع بتحقيق هذه النهضة والقادر على إحداثها على أرض الواقع

وقد أراد هؤلاء المحدثين أن يجاوروا ما بين مفهومي الاصلاح والحكم الرشيد في ثوبيه  التراثي والغربي، ولكنهم لم يستطيعوا التوفيق أو تحقيق المجاورة بين دلالتين ينتمي كان لكل واحدا منهما لسياقه وبيئته الثقافية، مع الأخذ في الاعتبار ما قام به هؤلاء المحدثين من إجترار لقاموس السياسة الشرعية في محاولة لإعادة زرع المبادئ الغربية بعيدا عن أصولها التي كانت مرفوضة إسلاميا، مما حدى بهم إلى التلفيق الجامع بين الانبهار بالمؤسسات الحاكمة في الغرب وخضوع الحاكم للقوانين وللارادة الشعبية من ناحية، مع سلطة الحاكم العربي في سياقه الاسلامي الذي يمتد سلطانه على العباد بفعل الارادة الإلهية وحدها وباعتباره ظل الله في الأرض من ناحية أخرى، كانت هذه المفارقة الصارخة سببا في إنشاء المؤسسات السياسية  في مصر، ولكنها كانت مؤسسات صورية معدومة التأثير وغير قادرة على تحقيق تغيرا ملموسا مادامت خاضعة لسلطة الحاكم الفرد، وطالما كانت مفرغة من مضمونها الحقيقي، ومحاطة بالقوة المقيدة بالشروط السياسية التي تتعجل النتائج وتهتم فقط بالإجرائي والمادي على حساب التأسيسي والفكري، وهي في ذلك تختلف عن مثيلاتها الغربية التي جاءت كنتاج حركة فكر طويل وهادئ، فأنبثقت منها مفاهيم الحرية والعدالة وأنبثقت منها هذه المؤسسات الحاكمة عن جدارة لتقوم بدورها الفاعل والمؤثر.

لم تنفك جهود مفكري الحداثة العربية عن النسق الشافعي والأشعري، الذي ينظر إلى نموذج الحداثة الغربي باعتباره الأنموذج الجدير بالاتباع، والأصل النشط الذي يجب أن يحمل عليه الفرع العربي الخامل، وتجريد العلة الحداثية في صورتها المادية فقط، فنظر إلى معلولات الحداثة باعتبارها علل لها، وترائى أن المسار السياسي هو المسار الأجدر لنقل هذه العلل وبالتالي نقل النموذج الحداثي كاملا، ولم تخلوا هذه النظرة الخادعة  من الشعور بالضغط الغربي واللهث فكاك من سطوته،  فوقع المشروع الحداثي العربي تحت شرطي التاريخي التصادمي من ناحية والمعرفي الامتثالي من ناحية أخرى.

يطرح علي مبروك خطابا حداثيا مغاير، ويدعو إلى إعادة التفكير خارج النسق الأصولي والفقهي، يقوم هذا المشروع أولا على نقل مركز المقاربة الحداثية من السياسي إلى الثقافي والمعرفي، ونقد الممارسة السياسية باعتبارها ممارسة ثقافية في أصولها، ومن ثم فإن الرد الثقافي يحيل هذا الخطاب إلى العقل، وقد استطاع على مبروك أن يتجنب الإحالة الميتافيزيقة لدور العقل وهيمنته على الممارسة الثقافية باعتباره مرجع أعلى، معترفا بأن العقل يتشكل ويخضع في آلياته للحركة الثقافية وينفعل من خلالها، ولكنه يراهن على قدرة العقل أيضا على الفكاك من هذه الممارسات عبر إدراكه ووعيه بذاته وعبر قدرته على تغيير واقعه الثقافي عبر سلسلة من التفاعلات النقدية المستمرة، بما في ذلك الممارسة السياسية/السلطوية دون أن تبتعد أو تنعزل عن الفعل الاصلاحي الثقافي ككل، وبالتالي تتأسس إنطولوجيا طبقة ذات مقاربة ثقافية ومعرفية تتحرك ببطء في العمق وطبقة سياسية لا تبتعد عنها على السطح ولا تتجاوزها

وثانيا الانتقال من البراني (الشكلي) إلى الجواني (الضمني)، فيرى علي مبروك أنها الثنائية الأعمق والأكثر تأثيرا على ثنائية الثقافي والسياسي، لأنها تصدرعن حكم تأسيسي وقبلي يلجأ إلى أحضان التراث ويجعل منه إطارا للحكم على الحداثة الغربية فينتقي منها (البراني) الممثل في المنتج الغربي الجاهز، ويبتعد بها عن (الجواني) الذي هو بمثابة اللب والمؤسس لحركة الحداثة الغربية، لذلك فإن علي مبروك يدعو إلى إعادة الاعتبار للتفلسف والنظر إلي دوره الجذري المبدأي على المنتج التقني النهائي، بعد أن ساد في الخطاب الحداثي العربي أفضلية العلوم الطبيعية على العلوم الفلسفية والاكتفاء بالضميمة الدينية الجامدة كبديل عن الحراك الفكري الخصب، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى نقد التراث باعتباره الأصل المؤسس للنسق الفكري السائد في واقعنا ومن ثم تغييره.

   

      أحمد مصطفى حلمي

                                                                             كاتب وروائي مصري

     





ماذا بعد النقد والتفكيك؟ بقلم كرم عباس

26 03 2018

ماذا بعد النقد والتفكيك؟

في نقد قراءةعلى مبروكللفكر العربي الحديث

تقوم قراءة على مبروك للفكر العربي الحديث على أن كل ممارسة إنما تقوم في الأساس على معنى، والمعنى المقصود هو الوعي الثقافي المتشكل تاريخيًا، وبإصلاح الوعي يمكن أن تنصلح الممارسات والأفعال. وتكمن مشكلة تلك القراءة أنها قد حددت سلفًا أن كل تحليل للوعي الكامن سيفضي في النهاية إلى سؤال واحد، وهو السؤال السياسي. ولهذا تحولت القراءة إلى أيديولوجية انتقائية لن تكتشف عبر آليات التفكيك إلا ما حددت سلفًا أنها سوف تكتشفه، متجاهلة بذلك آلية الوعي ذاته الذي لا يتشكل وفقًا للسؤال السياسي فقط. وهي في الآن نفسه تخالف آلية التفكيك التي يجب ألا تفضي إلى أي شكل ثابت من أشكال التحليل.

وإشكالية القراءات للفكر العربي الحديث بشكل عام أنها تعتبر النقد هدفًا نهائيًا، وحين يصبح النقد هدفًا وغاية فإنه يتحول إلى نقض لأجل النقض، وتتحول أدوات القراءة إلى معاول هدم. ولهذا يمكن اعتبار أن الجمود في مشاريع الفكر العربي الحديث وتكرار نفس التساؤلات ليست مسئولية تلك المشاريع الفكرية ذاتها، بقدر ما هي مسئولية القراءات اللاحقة التي لم تفكر في تهذيب فروع الشجرة أو زرع شجيرات أخرى مجاورة لها بقدر ما آمنت أن اقتلاع الشجرة هو الحل

لقد نظرمبروكإلى منتوج الفكر العربي بوصفه مستغرق كليًا في الخطاب السياسي. ورأى أن هناك سطوة طاغية لآلية القراءة بالسياسة على فضاء خطاب الفكر العربي الحديث. ويبدو أنمبروكنفسه سيكون مسئولاً عن عقود طويلة أخرى تسيطر فيها القراءة السياسية على جيل كامل من الباحثين يصلون إلى نفس النتيجة دون أن تكون لديهم نفس أدوات القراءة والمهارة التحليلية التي تحققت لـعلي مبروك“. ففكرة الكشف عن السياسي المتخفي وراء أقنعة الديني في النسق الأشعري، تحولت إلى أيديولوجية في تحليل مبروك لخطاب الفكر العربي الحديث، ثم تحولت إلى شغف بالكشف عن حل واحد لكل أحجيات الثقافة العربية عبر مهارات التحليل والتفكيك. وربما يكون مشروع مبروك متعلق بالغاية دون الوسائل، وبالنتيجة دون العلل الكافية. وتكمن أهمية كل نشاط فكري أو فلسفي فيما يمكن أن يقدمه من تساؤلات، لا ما يطرحه من إجابات.

ولا تكمن هيمنة السؤال السياسي في الخطاب العربي بشكل عام من مضمون الخطاب ذاته؛ بقدر أن هذا السؤال تطرحه أزمات ومآسي الواقع، وربما يتحول العجز في قراءة الواقع إلى نجاح مطلق في قراءة النصوص، خاصة بالنسبة للأكاديمي المثقف المنهك من ديمومة الحياة والمنصرف إلى جفاف النصوص. ولا يخلو مشروع علي مبروك من مبالغة واضحة في تضخيم دور النسق الأشعري في الثقافة العربية المعاصرة. فآليات الهيمنة والاستبداد تتجاوز إلى حد بعيد تأثير هذا النسق. ويبدو أن نسبة كثير من إخفاقاتنا الثقافية والسياسية، بل و(الدينية) إلى هيمنة النسق العتيق بصورته السياسية ينطوي على آلية انتقاء تتجاهل منظومة طويلة من الأسباب التي أدت إلى ما نحن عليه اليوم من تشوش وارتباك في كل المعاني، بما فيها معنى الحياة ذاته.    

وعلى مستوى المهارة التحليلية كانمبروكشغوفًا بكشف أقنعة السياسي المتخفي وراء الديني في النسق الأشعري، وانتقل بهذا الشغف إلى حقل الفكر العربي الحديث، وربما لو ابتعد قليلاً عن التفاصيل ونظر إلى الصورة الكلية؛ لأدرك أن السياسي في الثقافة العربية الحديثة، أو حتى في النسق الأشعري، لم يكن في حاجة إلى التخفي، وأن الدين هو أحد تجليات السلطة بمفهومها الواسع طوال تاريخ الحضارة الإنسانية. وربما انهمكمبروكفي محاولة إثبات ما هو ليس في حاجة إلى إثبات.

وبالتأكيد كانمبروكعلى وعي بذلك، ولكنه اختار أن ينتصر لتحليلاته التي تهدف إلى تفكيك النسق الأشعري على طول الخط، فحداثة الطهطاوي (البرانية) تنبع من إيمانه بأنه ’’من مزايا الملك أنه خليفة الله في أرضه‘‘ مقارنة بالفرنساوية الذين يقيدون الملك بقوة القانون بما يوافق عليه أهل الدوواين. ورأيمبروكأن في هذا غلبة للتراثي على الحداثي، وهنا يستدعي مبروك الخطاب الأشعري ويلقي بشباكه التحليلية على أحد أهم المشاريع في الفكر العربي الحديث؛ رغم إدراكه لأزمة المثقف صاحب المشروع الذي أصبح بوقًا للسلطة خوفًا أو طمعًا، ولكنه يضع أزمة المثقف في الهامش، ويضع أزمة التراث في المتن، يرد الواقع إلى تحليل نصي يخدم أيديولوجيته الكلية في نقد النسق المهيمن، ويتجاهل الفكرة الواقعية التي تؤكد ببساطة أن ما ذهب إليه الطهطاوي هو تجسيد لأزمة المثقف في مواجهة السلطة.

وربمالواستمرمشروعالحداثةالبرانيةللطهطاويلكانتقدأدتإلىحداثةجوانيةتبدأأولىخطواتهابإصلاحالتعليمابتداءًبعلومالحداثةالتيينبنيعليهامشروعالطهطاويلتتحولتدريجيًاإلىنموذجلتربيةالوعيكماهوالحالعندخيرالدينالتونسي. والتركيز على علاقة مشروع الطهطاوي بدولة محمد علي (الحداثية) فحسب فيه كثير من الإجحاف لجوانب أخرى مضيئة في ثنايا الإرهاصة الأولى للفكر العربي الحديث، خاصة لو تم تحليل المشروع في سياق ظروف عصره. ونفس الأمر بالنسبة للأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وشميل وأنطون وغيرهم، الذين نجد في مشاريعهم الفكرية ثراء وتنوع فكري يخرج عن إطار القولبة السياسية التي ربما كانت هي المسئولة عن جمود المشاريع وتكرار نفس التساؤلات عبر قرنين من الزمان

انشغل مبروك بالمعنى على حساب الواقع المتشكل وفقًا لهذا المعنى، والحدود الفاصلة بين تشكيل المعنى للواقع أو العكس ليست محددة الملامح في مشروع مبروك ككل. والمعنى عنده هو السؤال السياسي؛ لذلك فإن انشغال الرواد الأوائل كالطهطاوي والأفغاني والتونسي وأديب إسحاق وغيرهم بأزمات الواقع ما هو إلا انشغال بمحاولة تقييد الحكومة المطلقة، وهذا التقييد هو انشغال على السطح لا في العمق، وهكذا يضع مبروك الواقع بين علامة التنصيص السياسية، ويقوم بما انتقده هو نفسه؛ حين يختزل ثراء وتنوع مشروعات الفكر العربي الحديث في سؤال السلطة بمعناها الضيق.

إن نقد القراءات والمشاريع الفكرية ما هو إلا دعوة لبث الحياة فيها، ولا رثاء للمفكر إلا عبر محاولة نقد مشروعه، وإتمام ما لم يتم منه. فقراءة مبروك للفكر العربي الحديث هي أحد القراءات الأهم، وهي قراءة في العمق لا في الأفق، تغوص في أعماق النص مستخدمة كل مهارات التحليل والتفكيك اللازمة لفك الشيفرات المختلفة المشكلة للوعي. ولكن ماذا بعد التفكيك والنقض؟! هذا هو السؤال الذي لابد أن يجيب عليه تلاميذ صاحب الأفكار الحية المتأثرين بمنهجه، وكل محاولة للسير على نفس نهج مبروك ستتحول إلى محاكاة ممسوخة لقراءة جادة استهلكت كل أدواتها في تفكيك النص.

كرمعباس

مدرس بأداب القاهرة








%d مدونون معجبون بهذه: